رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الجدار الأسمنتي وحوله خندق يطوق بغداد من أقصاها إلى أقصاها، هو لاشك فكرة سيئة ارتبطت بذكريات إنسانية مخجلة لاحقت من ابتكرها أو عمل بها العار والشنار. في الماضي وحتى الحاضر استخدم الجدار لأغراض الفصل العنصري وعلى وجه الخصوص، في جنوب إفريقيا، وفي برلين، واليوم على أرض فلسطين الحبيبة... إلخ. أما في حالة العراق فقد عرفه العراقيون لأول مرة بعد الغزو عام 2003 حين نصبت جدرانا أسمنتية في بغداد وفي غيرها من المحافظات قطعت أوصال المدن والقرى وشوهت مناظرها وأوجدت لأول مرة ثقافة الجيتو في المجتمع العراقي الواحد. التاريخ يعيد نفسه، فقد نصب الجدار الأسمنتي بعد الغزو وبات قرينا للخطط الأمنية، واليوم يعاد العمل بالأسمنت باعتباره جزءا من ممارسة أمنية شائعة -رغم فشلها- ما يعني أن العراق لم يتحرر حتى اللحظة من تداعيات ذلك الغزو المشؤوم. بالطبع ما كان هناك من ضير لاستعادة التجربة وتنفيذها، بل ما كان يحق لأحد أن يرفع الكارت الأحمر بالرفض والاستنكار لو أن التجربة كانت ناجحة أو أنها حققت أغراضها، وهي لم تكن كذلك، والدليل تفاقم الوضع الأمني الذي نحن عليه اليوم.
مضامين هذا القرار عديدة، أولها أن تكرار الاعتماد على وسائل عتيقة فاشلة هو ليس فقط إقرار بفشل إدارة الملف الأمني على مدى ثلاث عشرة سنة، بل هو مؤشر على عقم الثقافة الأمنية وجدبها في ابتكار الجديد، طالما أن التجربة الماضية كانت فاشلة أمنيا فنحن مقبلون على مرحلة فاشلة جديدة بكل ما فيها من خسائر وتضحيات. الإرهاب لا يستهدف بغداد فحسب، بل هو يناور ويضرب أينما توافرت له فرصة. إذًا ماذا يعني حماية بغداد وترك سائر العراق إن لم يكن المقصود هو حماية المنطقة الخضراء التي باتت بسبب عظم التحدي الأمني بحاجة لخط دفاعي أوسع وأشمل؟. الجدار الأسمنتي يوحي بأن من داخل بغداد بات آمنا، وأن جميع القاطنين داخل السور هم مسالمون وأن المشكلة تكمن في المناطق خارج بغداد، وهو تقدير خاطئ والدليل سعة انتشار المسلحين، وأغلبهم متطرفون ميالون للعنف والإرهاب، هم من يقف خلف جرائم لازالت تضرب أمن بغداد سواء بالسيارات الملغمة والعبوات الناسفة أو بفرق الموت والجريمة المنظمة. المخاوف هي أن يؤسس الجدار والخندق لمشروع تقسيم العراق، والأخبار المقلقة حول ضم الكرمة والنخيب وربما غدا الفلوجة إلى داخل الجدار، تثير مخاوف مشروعة من جانب العرب السنة، ليس هذا فحسب وإنما احتمال أن يوظف الجدار ونقاط السيطرة العديدة المنتشرة فيه لعزل الناس بل حتى العوائل والعشائر وحرمانهم من حقهم المشروع بالانتقال الحر وهو ما يتعارض والدستور، تجربتنا المرة وما كانت تعانيه العوائل في جسر بزيبز والرزازة لازالت في الذاكرة. التعدي على أملاك المواطنين مرفوض دستوريا إلا لمصلحة عامة، وصحيح أن السور والخندق يعبر عن مرفق عام وليس خاصا، لكن ماذا عن تعويض الناس؟ وكيف وبأي مقدار؟ لا أحد يجيب على هذه الأسئلة.
إن جميع مشاريع الدولة أصابها الفساد، وهذا المشروع لن يكون استثناء، وكان من المفترض في مشروع مثير للجدل كهذا أن يدرس بعناية أمنيا وماليا ويشترك في النقاش حوله مجلس النواب بلجانه المتخصصة والصحافة ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني، وهذا لم يحدث. وأخيرا، حكومة العبادي تلتمس العدل بالفصل والعزل واستخدام القوة فحسب، نعم لا شك هيبة الدولة مطلوبة واستخدام القوة لا مفر منه، لكن الأمن لن يتحقق بهذه الوسائل، الأمن لا يضمنه جدار ولا تحققه عزلة ولا يحصنه خندق، ولا تفرضه قوة تفتقر للتربية الوطنية والكفاءة والمهنية، الأمن صناعة العدل والمساواة ونبذ التمييز، هو مخرج من مخرجات التنمية والعدالة في توزيع الثروات، وبالطبع هو أيضا نتاج المهنية العالية للأجهزة الأمنية الوطنية، الأمن هم مشترك للحاكم والمحكوم، ويتعاظم دور الناس في الملف الأمني ويصبح تعاونهم مع الأجهزة الأمنية لا مفر منه كلما زاد منسوب الخطورة، لكن من يسعى لتعاونهم عليه أن يبرهن أنه يمثلهم بل ويحميهم.
بهذه الوسائل والأساليب يتحقق الأمن وليس بغيرها، هذه حقيقة يفترض أنها معروفة للجميع بل وأصبحت شائعة، والدليل تجربة الدول الآمنة وما أكثرها، لهذا نستبعد أن يكون الغرض وراء إقامة هذا الجدار هو الأمن، بل نخشى فعلا أن تكون وراءه مقاصد أخرى. لقد فشلت هذه التجربة في الماضي وستفشل في المستقبل، والموضوع ذكرني بوقفة عامل كسرى عند قدمي سيدنا الفاروق عمر (رض) وكيف صعق لمنظره وهو يقول*:
وراع صاحب كسرى أن رأى عمــــرا ... بين الرعية عطلا وهو راعيهــــا
وعهده بملوك الفرس أن لهـــــــا ... سورا من الجند والأحراس يحميها
رآه مستغرقا في نومه فـــــــــرأى ... فيه الجلالة في أسمى معانيهـــــا
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا ... ببردة كاد طول العهد يبليهــــــا
فهان في عينه ما كان يكبــــــــره ... من الأكاسر والدنيا بأيديهـــــــا
أمنت لما أقمت العدل بينهـــــــــم ... فنمت نوم قرير العين هانيهـــــا!
رضي الله عنك.. العادل عمر
الأمن حلم جميل، وأمل بات يتطلع إليه الجميع، ومن البديهي والملف الأمني لازال يمثل التحدي الأكبر أمام الاستقرار والتنمية والتقدم، أن يبحث الجميع عن مقاربات مناسبة من المفروض أنها تتبلور من خلال تجربة مؤلمة عمرها ثلاث عشرة سنة، ونخشى في ظل تكرار الخطأ وعدم استيعاب الدروس أنها تطول.
* الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3798
| 04 يوليو 2026
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
2697
| 07 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1527
| 02 يوليو 2026