رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

276

موزا محمد الكواري

لسنا متعبين.. نحن مستنزفون

09 يوليو 2026 , 01:00ص

لا أحد يستيقظ صباحًا ويقرر أن يفقد شغفه. ولا أحد يختار أن تصبح الأشياء التي أحبها يومًا ثقيلة على قلبه.

لكن الاستنزاف لا يحدث فجأة، بل يتسلل إلينا بهدوء، كقطرة ماء تسقط على صخرة؛ لا تُحدث صوتًا، لكنها مع الأيام تترك أثرًا لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.

هناك فرق كبير بين أن تكون متعبًا... وأن تكون مستنزفًا.

التعب يحتاج إلى ليلة هادئة، أو إجازة قصيرة، أو ساعات من النوم ليزول. أما الاستنزاف، فهو نومٌ طويل لا يوقظك، وإجازة تنتهي قبل أن تبدأ، وضحكة تخرج من فمك بينما روحك لم تعد تعرف معنى الفرح.

الاستنزاف هو أن تؤدي واجباتك كلها، لكنك لم تعد حاضرًا فيها. أن تنجز، لكن دون متعة. أن تبتسم لأن الموقف يتطلب ابتسامة، لا لأن قلبك يريدها. أن تواصل السير لأن التوقف ليس خيارًا، لا لأن لديك رغبة في الوصول.

إنه ذلك الإرهاق الذي لا يراه أحد.

فأنت تبدو بخير.

تذهب إلى عملك.

تجيب عن الرسائل.

تحضر المناسبات.

وتقول للجميع: «أنا بخير».

بينما في داخلك جزءٌ صغير يهمس كل يوم: «لقد تعبت».

ولأن المجتمع لا يرى إلا ما يظهر، أصبح كثيرون يتقنون إخفاء استنزافهم أكثر من معالجته. نخشى أن نصف أنفسنا بالضعفاء، فنرتدي ثوب القوة، حتى ننسى شكلنا الحقيقي. نعتذر عن كل شيء إلا عن حق أنفسنا في الراحة، ونمنح الجميع وقتًا، بينما نؤجل اللقاء مع ذواتنا إلى موعد لا يأتي.

والمؤلم أن الاستنزاف لا يسرق طاقتنا أولًا... بل يسرق شغفنا.

ذلك الشغف الذي كان يجعلنا نستيقظ باكرًا من أجل حلم، أو نقرأ كتابًا بشغف، أو نتعلم شيئًا جديدًا، أو نكتب لأن الكتابة حياة، أو نلتقي بالأصدقاء لأن وجودهم يبهجنا.

فجأة، تصبح الأشياء نفسها بلا طعم.

ليس لأنها تغيرت...

بل لأننا نحن من تغيرنا.

لقد أصبحنا نعيش الحياة بوضعية «النجاة»، لا «الحياة». نؤدي ما علينا، ونؤجل ما يُنعشنا. نركض خلف الإنجاز حتى نسينا لماذا بدأنا الركض أصلًا. وكلما ظننا أن المحطة القادمة ستمنحنا الراحة، اكتشفنا أن الاستنزاف كان يسافر معنا منذ البداية.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان لا ينكسر غالبًا بسبب موقف واحد، بل بسبب مئات التفاصيل الصغيرة التي تحملها بصمت. كلمة ابتلعها، ودمعة أخفاها، ومسؤولية تحمّلها وحده، وخيبة تجاوزها دون أن يمنح نفسه فرصة للحزن.

كل واحدة منها تبدو بسيطة... لكنها مع الوقت تستنزف القلب كما يستنزف الصدأ الحديد.

لهذا، لا تجعل معيار قوتك هو قدرتك على الاحتمال.

فأقوى الناس ليسوا الذين يتحملون كل شيء، بل الذين يعرفون متى يتوقفون، ومتى يعتذرون لأنفسهم قبل أن يعتذروا للآخرين، ومتى يمنحون أرواحهم حقها في السكون.

فالروح ليست آلة، والشغف ليس موردًا لا ينضب، والقلب الذي يُعطي باستمرار دون أن يتلقى عناية، سيصل يومًا إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على العطاء.

ربما لسنا بحاجة إلى حياة جديدة... بل إلى استعادة أنفسنا قبل أن نبحث عن استعادة أحلامنا.

فالإنسان لا يفقد شغفه دفعةً واحدة، بل يفقده كل يوم، عندما يعتاد أن يؤجل نفسه، حتى يصبح غريبًا عنها. وعندها، لا يكون أكثر ما يحتاجه هو الراحة... بل أن يجد الطريق أن يعيده إلى ذاته من جديد.

مساحة إعلانية