رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

387

موزا محمد الكواري

ليس كل غياب يسمى رحيلاً

13 يوليو 2026 , 01:00ص

هناك رجالٌ حين يغادرون الدنيا، يتركون خلفهم وطنًا يروي سيرتهم في تفاصيله، وشعبًا يجد ملامحهم في كل إنجاز، وأجيالًا لم تعاصر بداياتهم، لكنها تعيش ثمار ما زرعته أيديهم.

هكذا يرحل العظماء… وتبقى آثارهم أقوى من الغياب.

اليوم، تقف قطر في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالفخر. الحزن على فراق الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والفخر بأن هذه الأرض عرفت قائدًا لم يكن يرى في الحكم سلطةً تُمارس، بل مسؤوليةً تُحمل، ورسالةً تُبنى، ومستقبلًا يُصنع.

ثمة أشخاصٌ يمنحون أوطانهم سنواتٍ من أعمارهم، وثمة آخرون يمنحون أوطانهم عمرًا جديدًا بأكمله.

ومن يتأمل قصة قطر الحديثة، يدرك أن التحولات الكبرى لا تُولد مصادفة، وإنما تصنعها رؤى استثنائية، تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار في العقل أبقى من الاستثمار في الحجر، وأن المجد لا يُقاس بما يُشيَّد من مبانٍ، بل بما يُبنى من إنسان.

في علم النفس، يُقال إن الإنسان لا يُقاس بما يتركه وراءه من ممتلكات، بل بما يتركه داخل الآخرين من أثر. والأثر الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُغرس بالمواقف، وبالصدق، وبالإيمان بالناس.

ولهذا، فإن بعض القادة لا يسكنون القصور فقط، بل يسكنون ذاكرة الشعوب.

وحين يرحلون، لا يبكيهم التاريخ وحده، بل تبكيهم التفاصيل الصغيرة؛ مدرسةٌ فتحت أبوابها، ومستشفى احتضن مريضًا، وطالبٌ وجد فرصةً ليتعلم، وأسرةٌ عاشت في وطنٍ ينمو أمام أعينها عامًا بعد عام.

إن المجتمعات لا تنسى من منحها الشعور بالأمل. فالإنسان قد ينسى الكلمات، لكنه لا ينسى الإحساس بالأمان، ولا ينسى اللحظات التي شعر فيها أن وطنه يمضي بثقة نحو المستقبل.

ولعل أعظم ما يتركه القائد بعد رحيله، ليس الأبراج، ولا المؤسسات، ولا الأرقام، وإنما تلك الثقة التي تغرسها رؤيته في نفوس أبناء وطنه؛ أن الغد يمكن أن يكون أجمل، وأن المستحيل ليس إلا بدايةً لفكرةٍ عظيمة.

لهذا، فإن الحزن اليوم ليس على رجلٍ غاب عن الدنيا، بل على مرحلةٍ صنعت ملامح وطن، وعلى أبٍ حمل همّ شعبه، وآمن بأن النهضة مسؤوليةٌ تُورَّث للأجيال، لا مشروعٌ ينتهي بانتهاء أصحابه.

سيكتب المؤرخون عن الإنجازات، وستوثق الكتب محطات التحول، لكن القلوب ستحتفظ بما هو أعمق من ذلك كله… ستحتفظ بصورة قائدٍ ارتبط اسمه ببداية زمنٍ جديد، وبحلمٍ أصبح واقعًا، وبوطنٍ صار نموذجًا يُشار إليه.

وغابت شمسُ قطر…

لكن الشمس الحقيقية لا تنطفئ حين تغيب عن السماء، لأنها تكون قد وزعت نورها على البيوت، وعلى الطرقات، وعلى وجوه الناس.

وهكذا هم العظماء…

يرحلون، ويبقى نورهم في كل بيت، وتبقى سيرتهم دعاءً لا ينقطع، وذكرًا لا يخبو، وأثرًا يزداد حضورًا كلما مضت الأيام.

رحم الله الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمةً واسعة، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وألهم دولة قطر، قيادةً وشعبًا، جميل الصبر والسلوان.

فالأوطان التي أنجبت رجالًا كهؤلاء، لا تعرف الغياب… لأنها تحفظ أبناءها في ذاكرتها، ويحفظهم التاريخ في صفحاته، وتحفظهم القلوب بالدعاء

مساحة إعلانية