رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الديموقراطية في تركيا نجحت فيما فشلت فيه العلمانية
من مفارقات هذا الزمان وغرائبه أنه في حين تتقدم تركيا بخطى حثيثة وحاسمة باتجاه إخراج العسكر من السياسة، فإن بعض المثقفين المصريين يتحمسون لإدخالهم فيها.
(1)
أحدث خطى الحسم في تركيا وقعت في الأسبوع الماضي. حين أعلن فجأة أن قادة الجيش قدموا استقالاتهم من مناصبهم احتجاجا على ما اعتبروه تدخلا من جانب الحكومة في شؤون القوات المسلحة. الأمر الذي أحدث دويا تردد صداه في العديد من عواصم الدنيا.
أحد أسباب الدوي أن قادة الجيش التركي كانت لهم لغة أخرى في مخاطبة حكومة أنقرة.
فقد كانوا يقيلون ولا يستقيلون، ويوجهون الإنذارات ويطلقون المدرعات في الشوارع ولا يتخلون عن مناصبهم وينسحبون إلى بيوتهم. هذا المعنى عبر عنه المعلق التركي المعروف جنكيز شاندار بقوله إن الأيام التي كان الجيش يصدر فيها الأوامر ولت. وأن كل من راهن على أن الجيش يمكن أن يسجل نقطة في الشأن السياسي عليه أن ينسى ذلك، لأن المعادلة اختلفت عما قبل.
لأن المفاجأة كانت كبيرة، فقد راقب الجميع تداعياتها، وقرأتها الأطراف المعنية كل من زاوية حساباته ومصالحه. ورغم أن الحدث يظل شأنا داخليا من وجهة النظر المصرية، إلا أنني وجدت أنه ينبغي أن يقرأ في القاهرة بعناية شديدة من جانب المعنيين بوضع النظام الجديد للبلاد. لسبب مختلف تماما. ذلك أن ثمة أصواتا ارتفعت في مصر خلال الأسابيع الأخيرة داعية إلى عسكرة ذلك النظام. وطالبت بالنص في الدستور على توسيع اختصاصات القوات المسلحة، بحيث تقوم بدور في حراسة النظام الديموقراطي والدولة المدنية.
ومن ثم تحويلها من درع الوطن إلى وصى غير مباشر عليه. ومن حارس لأمنه وحدوده إلى حكم في السياسة وصانع لها.
(2)
«زلزال أربع نجوم» كان ذلك عنوانا رئيسيا لصحيفة «الصباح» الموالية للحكومة الصادرة يوم السبت 30 /7. التي وصفت به الحدث الاستثنائي وغير المسبوق في التاريخ التركي المعاصر. وبمقتضاه تمت استقالة رئيس الأركان الجنرال آسيك كوشانير رئيس الأركان، وقادة الأسلحة الأخرى البرية والجوية والبحرية إضافة إلى رئيس الأكاديمية العسكرية من مناصبهم. ولأن رائحة الخلافات بين الحكومة والجيش قد تسربت منذ أكثر من عام. بسبب اتهام بعض كبار الضباط في مؤامرة للإطاحة بالحكومة فقد سارع المحللون إلى القول بأن تطورات ملف أولئك الضباط هو الذي فجر الأزمة وأوصلها إلى تلك النهاية.
ذكرت التقارير الصحافية أن ثمة 43 جنرالا محبوسين على ذمة قضية المؤامرة، إضافة إلى 165 ضابطا وجنديا. وحبس الجنرالات وتحقيق النيابة العمومية معهم أمر ليس مألوفا في تركيا، لأن خصوصية وضعهم والهالة التي أحاطت بهم جعلت من الإقدام على خطوة من ذلك القبيل مغامرة تحرص أي حكومة على تجنب الدخول فيها. لذلك فالاتفاق منعقد على أن التوتر في علاقة الجيش بالحكومة ازداد خلال السنوات الأخيرة، وأن كان له وجود منذ تولى حزب العدالة والتنمية للسلطة في عام 2002. وبدأ في تقليص نفوذ العسكر الذين كانوا يباشرون وصايتهم على الحكومة من خلال مجلس الأمن القومي بأغلبية العسكريين من أعضائه. ولكن رئيس الوزراء رجب أردوغان استصدر قرارا جعل الأغلبية فيه للمدنيين. الشاهد أن غضب العسكر ظل كامنا وحذرا، حتى بعد احتجاز الجنرالات وتولى السلطات المدنية استجوابهم. ولكن العلاقة انفجرت مؤخرا حين حل موعد ترقيات ضباط الجيش، وطلبت رئاسة الأركان ترقية بعض الجنرالات المحتجزين بحجة أنه لم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة، وهو ما رفضه رئيس الوزراء الذي وجد أن ترقية ضباط متهمين بتدبير انقلاب والإطاحة بالسلطة، أمر غير مستساغ خصوصا أن التهمة جسيمة. ومنظمة «أرجنكون» التي اتهم الجنرالات بالتواطؤ معها أو الضلوع فيها تمثل اخطبوطا خطرا ظل يعبث بالساحة السياسية التركية طوال العقود التى خلت، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة من وقف أنشطتها أو إجهاض عملياتها.
بعد يومين من إعلان الاستقالة الجماعية (في 31 /7) نشرت صحيفة «حريت» التركية القصة العجيبة التالية: في عام 2000 اشترت رئاسة الأركان عددا من المواقع الإخبارية الإلكترونية، التي استخدمتها في وقت لاحق في نشر الأخبار الكاذبة وشن حملات التضليل التي استهدفت الإساءة إلى سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية التي تشكلت في سنة 2002. واستنادا إلى تلك الأخبار بادر المدعي العام في المحكمة الدستورية عام 2007 إلى رفع دعوى لحظر الحزب الحاكم بحجة عدائه للعلمانية. واعتبرت المحكمة أن ما بثته المواقع أدلة لا يرقى إليها الشك. فأدانت حزب العدالة في تهمة معاداة العلمانية، لكنها لم تحظر الحزب. وبعد عامين أميط اللثام عن الفضيحة وانكشف أمر تلك المواقع وعلاقتها بقيادة الأركان. لكن العسكر سارعوا إلى احتواء الموضوع والتستر عليه.
محاولة الانقلاب التي حملت اسم «المطرقة» كان مقدرا لها أن تتم في عام 2003، أي بعد عام واحد من تولي حزب العدالة والتنمية كانت الأسوأ والأخطر. إذ أثبتت التحقيقات أنها كانت تستهدف إشاعة الفوضى على نحو مفاجئ، بما يؤدي إلى استدعاء الجيش للتدخل بسرعة ومن بين ما كان مدبرا في هذا الصدد. تفجير بعض المساجد التاريخية في اسطنبول. وإشعال حرب مع اليونان، واستنفار قوى التطرف العلماني للخروج في مظاهرات تدعو إلى إنقاذ البلاد من الانهيار. وهي المخططات التي لم ينكرها الضباط المحتجزون، وإن كانوا قد برروها باعتبارها مجرد ترتيبات ومناورة عسكرية لمواجهة الطوارئ، ولم تكن تستهدف القيام بانقلاب في البلاد.
(3)
من المقولات الشائعة في أوساط الطبقة السياسية أنه إذا كانت القاعدة أن لكل بلد جيشا فثمة استثناء في منطقة الشرق الأوسط. ففي تركيا والجزائر هناك جيشان لكل منهما دولة، فالجيش التركي أنقذ البلد من الانهيار حين أعلن السلطان وحيد الدين الاستسلام للدول الحليفة في نهاية الحرب العالمية الأولى. وأصبحت البلاد مستباحة للفرنسيين والإنجليز والإيطاليين واليونانيين، ولكن الجنرال مصطفى علي رضا قاد حركة للمقاومة السرية نجحت في التصدي للقوات الأجنبية، حتى أجبرتها على التراجع، مما أدى إلى انسحابها في عام 1923، فعلا نجم الرجل وتولى رئاسة البلاد منذ ذلك الحين. وحتى وفاته في سنة 1938. وخلال تلك الفترة ألغى الخلافة العثمانية وحول قبلة البلد من الشرق إلى الغرب مستلهما في ذلك مختلف قيم المنظومة الغربية وعلى رأسها العلمانية. كما أنه وجه عناية خاصة للجيش الذي دافع عن شرف وكرامة الأمة التركية. ومنذ ذلك الحين تحولت العلمانية إلى عقيدة أقرب إلى الدين، وأصبح الجيش هو القابض على زمام الدنيا.
لأن الدولة العثمانية عرفت نظام «الملل» الذي سمح بتقنين التعددية الدينية واستفادت منه التجربة الغربية في إفساح المجال للتعددية السياسية، فإن المجتمع التركي لم يستسلم لهيمنة العسكر رغم هالة القداسة التي أحاطت بهم طوال الوقت، وظل يقاوم تلك الهيمنة منذ أجريت أول انتخابات نيابية في سنة 1950 التي خسر فيها حزب الشعب الذي أسسه الجنرال مصطفى بعدما أصبح أتاتورك (أبو الأتراك) وكان الفوز من نصيب الحزب الديموقراطي.
هذا التطور لم تعرفه في الجزائر لأسباب يطول شرحها، حيث لا يزال الجيش مختطفا السياسة وقابضا على زمام البلد، متكئا في ذلك على شرعية وإنجاز جبهة التحرير، منذ حصلت الجزائر على الاستقلال في سنة 1962 وحتى هذه اللحظة.
ما يهمنا في تتبع مسار التجربة التركية أن النص في الدستور على أن الجيش هو المؤتمن على سلامة البلاد في الخارج والداخل، حوله إلى سلطة أعلى من الحكومة تمارس الوصاية على المجتمع، التي مورست باسم حراسة العلمانية والذود عن حياضها. وبهذه الذريعة قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية في السنوات 60، 70، 80، كما قام بانقلاب سلمي في عام 1997، أجبر فيه حكومة البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي على الاستقالة.
حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في سنة 2002، وفتح ملف منظمة أرجنكون التي كانت بمثابة الحكومة السرية التي تدير البلاد بالتواطؤ مع غلاة العلمانيين وفي المقدمة منهم بعض القيادات العسكرية، انكشف أمر محاولة الانقلاب التي كان مقررا لها أن تتم في سنة 2003.
إزاء تعدد الانقلابات، وحين تكشف دور بعض القادة العسكريين في عملية «المطرقة» فإن ذلك أدى إلى تشويه سمعة القوات المسلحة، التي أصبح الدور السياسي الذي تمارسه عقبة في طريق مسيرة الديموقراطية. إذ حين صوتت الأغلبية لصالح حزب العدالة والتنمية ثم تبين أن بعض العسكر خططوا للانقلاب على الحكومة المنتخبة وحل الحزب الفائز، فمعنى ذلك أن القوات المسلحة لم تصبح طرفا في الصراع السياسي الداخلي فحسب، وإنما صارت تتحدى الاختيار الشعبي وتسعى إلى مصادرته.
أكثر من ذلك فإن انخراط العسكر في اللعبة السياسية واستغراقهم في معارك الداخل، جعلهم يقصرون في بذل الجهد الواجب للتصدي لهجمات المتمردين الأكراد، الذين كثفوا هجومهم خلال الأشهر الأخيرة. وهو ما ذكره تقرير خدمة «نيويورك تايمز» الذي نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 1/ 8 منسوبا إلى أحد المسؤولين الأتراك.
هذه الخلفية عززت من مركز رئيس الوزراء أردوغان في سعيه لاستصدار دستور جديد يعيد هيكلة الجيش ويخضعه للسلطة المدنية، بحيث يتحول إلى قوة من المحترفين المعنيين بالشأن العسكري. والبعيدين عن القيام بأي دور سياسي. حتى أن الحكومة تعد الآن تشريعا جديدا يمنع القوات المسلحة من إصدار أي بيانات سياسية. ما يثير الانتباه في هذا السياق أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكرت في 31 /8 أن المسؤولين الإسرائيليين تابعوا بقلق مسألة استقالة قادة الجيش التركي. ونقلت عن أحد المسؤولين قوله إن تلك الخطوة تعني «سقوط آخر حصن ضد الإسلام في تركيا»!
(4)
خبرة التجربة التركية ينبغي استيعابها من أكثر من وجه. فإقحام الجيش في السياسة الداخلية الذي دعت أصوات بعض مثقفينا في مصر إلى تضمينه في الدستور ورطة احتاجت تركيا إلى أربعين سنة للخروج منها. والعلمانية التي فرضها أتاتورك ويظن أولئك البعض أنها طوق النجاة وسبيل إلى إقامة المجتمع المدني المنشود لم تجلب معها الديموقراطية ولم تنقذ المجتمع من هيمنة العسكر، وإنما تحققت آمال الشعب في ذلك من خلال النضال الديموقراطى بعد مضي نحو 80 عاما من فرض العلمانية على تركيا (أتاتورك مات في سنة 1938). وبعد استقالة قادة الجيش وتقليم أظافره قرأنا مقالا في «الشروق» لزميلنا الأستاذ جميل مطر كان عنوانه: «تحقق الحلم وأصبحت تركيا دولة مدنية»، في إشارة إلى أن الديموقراطية نجحت فيما فشلت فيه العلمانية.
ويسمح لي سياق الاستفادة من التجربة التركية أن أكرر معنى سبقت الإشارة إليه. يهم الجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، خلاصته أن النجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية في تركيا لم تتوفر له لأنه كان يعظ الناس، وإنما لأنه كان يخدمهم وأنه لم يتوقف عند العناية بعمارة الآخرة، ولكنه اعتبر عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة.
إن العبر كثيرة، لكن قليلين هم الذين يستوعبون الدروس ويعتبرون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2514
| 08 سبتمبر 2026