رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عبارة خرجت من صميم قلب أب ونبي كريم، في لحظة من لحظات ليل سيكون طويلاً بالنسبة له، وهو الذي كانت نفسه تحدثه نهار اليوم نفسه، أن أمراً ما سيقع لابنه الضعيف يوسف، رغم أنه في معية إخوته الكبار في رحلة، زعموا من ذي قبل طويلاً أنها للترفيه عن أخيهم الصغير، وهم له حافظون.. لكن مشاعر وخشية الأب على الصغير لم تكن من ذئب حيوان ينفرد به ويأكله، بل من ذئاب بشرية متوحشة وإن كانوا على شكل إخوة !
جاءت اللحظة التي كان يخشاها يعقوب - عليه السلام - ودخل عليه أبناؤه الكبار في مشهد تمثيلي لا يمكن أن يمر على نبي كريم مثل يعقوب، مرور الكرام، فيصف القرآن المشهد (وجاءوا أباهم عشاءً يبكون) ومعهم قميص أخيهم الصغير يوسف وعليه بقع من دم، وصفها القرآن الكريم بالدم الكاذب.
فما أن رأى يعقوب القميص وعليه بقع دم متفرقة لكنه على حاله غير ممزق، أدرك ما كان يخشاه بالنهار، وأن أبناءه الكبار فعلوا فعلتهم أخيراً في يوسف وتخلصوا منه. لكنه ما علم بالطريقة، هل قتلوه أم تركوه في صحراء قاحلة قاتلة بلا ماء ولا زاد، أم ماذا كان شكل كيدهم؟.
لم يدخل في نقاشات طويلة معهم، وإن كانت بعض كتب التفسير جاءت بشيء من تفاصيل تلك الليلة - كما في معالم التنزيل للإمام البغوي يصف المشهد:" إنهم جاءوا بذئب، وقالوا: هذا الذي أكله. فقال له يعقوب: يا ذئب، أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل، فقال: تالله ما رأيت وجه ابنك قط. قال: كيف وقعت بأرض كنعان؟ قال: جئت لصلة قرابة ( فصادني هؤلاء ) فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام".
بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً
إحساس يعقوب عليه السلام المرهف، والمؤيد بالوحي، قاده إلى أن قصة الذئب غير منطقية ولا يمكن لعقل بشري أن يصدقها، فأي ذئب جائع هذا الذي يهجم على ضحيته بوداعة ولطف، بحيث لا يتأثر قميص ضحيته ولو بشيء يسير من تلف أو تمزق؟ تلك العلامة كانت كافية عند يعقوب – عليه السلام - لتكذيب رواية إخوة يوسف منذ البداية دون كثير عناء في البحث والتحليل. ولأنه غالباً يترك أي مجرم علامة تدل على جريمته، وإن كانت الجريمة مخططا لها بدقة بالغة، نجد في قصتنا هاهنا، الركاكة كانت واضحة في رواية الإخوة الكبار، وربما هي العلامة الأوضح التي تركوها لتكشفهم عند أبيهم.
لقد سيطر الحسد عليهم وأعماهم حتى عن ضبط قصة الذئب مع يوسف بصورة مقبولة، إلى الدرجة أنهم بعد إكمال روايتهم لأبيهم، قالوا له ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) دلالة على أنهم هم أنفسهم كانوا غير مقتنعين بالرواية، فكيف يريدون أباهم تصديقها ؟
وبالتالي شعر يعقوب – عليه السلام – أن القصة مختلقة دون شك، وأن أمرا سوءا قد وقع لابنه الصغير، فما كان جوابه لهم إلا أن قال بكل وضوح ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً ) أي: زينت لكم أنفسكم أمراً قبيحاً في التفريق بيني وبينه - كما جاء في تفسير السعدي - لأنه رأى من القرائن والأحوال ( ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه) ما دلّه على ما قال.
ثم قال قولته التي صار يرددها كل مبتلى بقصة مختلقة أو نوع من الظلم يقع عليه ( فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون ) أما أنا – والحديث للنبي يعقوب عليه السلام كما في تفسير السعدي - فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وأصبر على هذه المحنة صبراً جميلاً سالماً من السخط والتّشكّي إلى الخَلق، وأستعين بالله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله ( إِنّما أشكو بثي وحُزني إِلى اللَّه ) لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعـد وفّى.
هكذا ختم يعقوب - عليه السلام – مشهد أبنائه الكبار في تلك الساعات من الليل، بكلماته تلك، فيما خرجوا هم وربما في اعتقادهم بأن المسألة انتهت وتحقق لهم ما أرادوه، أو ربما تركوا أباهم في شكوكه.
حيث لم تعد تلك الشكوك تهمهم بعد الآن وقد تحقق لهم مرادهم في صورة تبين لك، كيف النفس الإنسانية تتوحش إذا سيطر الحسد عليها، وصار يوجهها يمنة ويسرة. وقد كان هذا المشهد من أبلغ المشاهد التي صورها القرآن للناس وكيف هو الحسد ونتاجه والعياذ بالله.
قال ربّ السجن أحب إليّ
تستمر الأحداث المثيرة في القصة دون خوض تفاصيل الجب وما بعدها وتفاصيل ما حدث بقصر عزيز مصر، لنقع على أمر غريب آخر مع يوسف – عليه السلام – حيث إنه على غير عادة البشر أو الفطرة البشرية، يطلب يوسف السجن والقيد والتنازل عن حريته الشخصية عن رغبة لا رهبة، بعد أحداث القصر مع زوجة العزيز وأحداث جلسة النسوة.. يتنازل يوسف الكريم عن حريته، تلك الحرية التي ما قامت ولازالت تقوم الثورات البشرية على مدار تاريخها إلا لأن طلب الحرية هي أحد الأسباب الرئيسية لها. نعم، البحث عن الحرية قبل غيرها من حاجات البشر.
ونجد في التاريخ القديم وكذلك الحديث المعاصر، كثير من أولئك الذين ساروا على نهج الأنبياء والمرسلين، من يعتبرون السجن أحب إليهم من قبول أمور - هم يرونها أقرب إلى الفتن - فالسجن بالتالي هو حماية لهم من تلك الفتن إلى أن يشاء الله أمراً كان مفعولا.
والسجن كما يعرفه الجميع، نوع من الابتلاءات الشديدة التي يتعرض لها الناس، ولكن ليس كل الناس، إنما الذين يتم الزج بهم ظلماً وعدواناً، فيكون ذلك بمثابة ابتلاء شديد. وقد جاء في حديث رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم -:" إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يَلونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم ".
ألم يُسجن ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية وسيد قطب وغيرهم كثير كثير؟ تعرضوا لأمور هي عند العامة عادية لا تستحق كثير تفكير وعناء في تناولها، لكنهم هم اعتبروها فتناً شديدة، وأي تنازل عن مبادئهم وقناعاتهم ستكون ذات تبعات ونتائج غير محمودة عليهم وعلى ألوف مؤلفة من أتباعهم ومحبيهم، والسجن والاعتقال بالتالي أحب إليهم من التعامل معها، ولو على حساب حريتهم وصحتهم بل وحياتهم.
صار السجن إذن بالنسبة ليوسف – عليه السلام – أحب من الفتن التي رأها بأم عينه؛ مرة مع زوجة العزيز في بيتها، ثم تكررت أخرى في البيت نفسه ولكن بصورة أشد، حين دعت زوجة العزيز نساء أخريات من نفس الطبقة الارستقراطية المخملية المرفهة، المعروفة على مدار التاريخ بأن لها قوانينها ورؤاها الخاصة للأمور، إحداها ألا يقف أو يظهر أي حائل أمام رغبة أي واحدة منهن في شيء !.
وحول أحداث مجلس النسوة ذاك، وما تلاه من نتائج وتبعات، لنا بقية حديث نكمله الخميس القادم بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3201
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026