رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزارة الداخلية مشغولة هذه الأيام بإعداد ما وصف بأنه «حركة تطهير» يفترض أن تؤدي إلى استبعاد 270 لواء شرطة، بينهم أولئك الذين اتهموا بالاشتراك في قتل الثوار «الشروق 8/7). وهي خطوة مهمة وإن كانت غير كافية، خصوصا أننا لم نفهم لماذا تأخرت مدة خمسة أشهر بعد الثورة. مع ذلك فإنها تعد قرارا شجاعا يحسب للوزير الحالي اللواء منصور العيسوي، الذي نعرف أنه منذ تسلم منصبه يعمل جاهدا على علاج ذلك الملف الشائك والحساس، وإن بدرجة ملحوظة من الحذر، ربما لكي لا يفلت الزمام من بين يديه.
معلوماتي أن خطواته الحذرة تلك كانت موضع مناقشة مع بعض أعضاء المجلس العسكري ممن أدركوا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الحسم والحزم. وفي ضوء الآراء التي عبر عنها الوزير في لقاء عقد قبل عدة أسابيع تمت الموافقة على تنحية وإبعاد بعض القيادات الأمنية، كما أجريت بعض التغييرات في مواقع البعض الآخر. لكن التطورات الأخيرة أثبتت أن ما اتخذ من إجراءات لم يكن كافيا، وأن دائرة الحسم والحزم ينبغي أن تتسع لتشمل شرائح أخرى. خصوصا بعدما تبين أن الثغرات الحاصلة في الساحة الأمنية تشير إلى أن ثمة شيئا ما في جهاز الشرطة ينبغي أن يعالج، وأن الأصابع الخفية لا تزال تلعب دورها في إشاعة القلق الراهن. صحيح أن ثمة كلاما ينبغي أن يقال عن البلطجية وعن سلوك الجمهور الذي ازداد جرأة تحت وطأة معاناته وعن الفراغ الذي تطالب الشرطة بملئه، لكن ذلك لا ينفي أن ثمة اعوجاجا في وزارة الداخلية ينبغي أن يقوَّم، وأن الثغرة القائمة في الجهاز يجب أن تسد. ليس فقط لحساسية وأهمية دور الداخلية، ولكن أيضا لأنها كيان معلوم الأركان ومحدد المعالم، بعكس عالم البلطجية أو سلوكيات الناس أو حالة الفراغ المشهود في المجال العام، إذ هذه كلها دوائر واسعة لا حدود واضحة لها. نعرف أنها موجودة لكن ليس في الميسور حصر مكوناتها أو التعرف على شخوصها.
لست مع تعميم الاتهام أو تجريح جهاز الشرطة في مجمله، رغم اقتناعي بأن الممارسات السلبية المنسوبة إلى الجهاز هي أكثر ما أساء إليه وشوَّه صورته. لكنني أزعم أن مشكلتنا مع الداخلية تكمن في ثلاثة عوامل. الأول في السياسات التي تعطي الأولوية للحل الأمني وتعول عليه في التعاطي مع مختلف الملفات. العامل الثاني يتمثل في القيادات الأمنية القابضة على الزمام التي ارتبط ولاؤها ومصالحها بالنظام السابق وتراودها الرغبة في «تأديب» الجماهير التي تجرأت على الشرطة ومقارها. أما العامل الثالث فهو يكمن في الثقافة السائدة في أوساط الشرطة التي تشكلت وترسخت طوال سنوات «الطوارئ»، وهي التي لا تقيم وزنا لا للقانون ولا لكرامات الناس وحرماتهم، وتعتبر أن الإطاحة بكل ذلك وازدراءه أمر طبيعي لا غضاضة فيه ولا حساب عليه.
العامل الأول المتمثل في التعويل على الحل الأمني وتجاهل الحل السياسي يعد جريرة النظام السياسي، في حين أن الداخلية ضحية لها، من حيث إنها تحال إليها ملفات هي من اختصاص أهل السياسة والجهاز الإداري بالدرجة الأولى. والعامل الثالث المتعلق بالثقافة السائدة في أوساط الشرطة لا يعالج بقرار وإنما يلعب عنصر الوقت دورا مهما في تغيير تلك الثقافة، إذا ما التزمت وزارة الداخلية باحترام المواطن والقانون.
يبقى العنصر الثاني المتمثل في القيادات القابعة في وزارة الداخلية التي تسير الأمور فيها، وهذه نقطة الضعف التي دعتني إلى القول في الأسطر الأولى إن استبعاد ذلك العدد من اللواءات سواء من الخدمة أو بنقلهم إلى مواقع أخرى خطوة مهمة ولكنها ليست كافية، ذلك أن ثمة علامات استفهام كبيرة حول وضع أعضاء المجلس الأعلى للشرطة، الذين ترقوا وجرى المد لهم بعد بلوغهم سن الستين في عهد الوزير الأسبق حبيب العادلي. هؤلاء المساعدون والمساعدون الأول (عددهم يتراوح بين 17 و25 لواء) هم الذين يتحكمون في مفاصل الوزارة وأعصابها الحساسة. وثمة لغط كبير حول ارتباطاتهم والمبالغ المالية الهائلة التي يتقاضونها (قيل لي إن أحدهم يتقاضى مكافآت بقيمة 80 ألف جنيه كل أسبوع). ومن المفارقات أن أحد أولئك المساعدين عين عضوا في مجلس إدارة الجهاز الجديد الذي تشكل لرعاية مصابي الثورة.
إذا صحت المعلومات التي تتردد عن أعضاء المجلس الأعلى للشرطة وما يشاع عن أنه مجلس حبيب العادلي وليس مجلس زمن ما بعد الثورة، فهي تعني أن العوج في وزارة الداخلية لا يزال بحاجة إلى تقويم، وأن خطوة «التطهير» التي تعد الآن بحاجة إلى خطوات أخرى لا تقل أهمية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1677
| 28 ديسمبر 2025
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1242
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
843
| 29 ديسمبر 2025