رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو كنت مديراً لإدارة ما أو مصلحة معينة أو لجنة متخصصة، فإن هدفك الأول أن تقوم على رعاية وخدمة الجهة التي أنت تديرها، لتحقيق الهدف الرئيس من إنشاء اللجنة أو الإدارة أو الجهة التي أنت على قمة هرم الإدارة فيها.
هذا أمر منطقي لا يختلف عليه أحد، لأنه لا يوجد من يرأس إدارة ما ليعمل ضدها أو لا يسعى لتحقيق ما هو مطلوب منه. هذا هو الأصل أو هكذا يجب أن يكون عليه أي مدير. ما يهمنا اليوم ليس ما تقوم به في إدارتك إن كنت مديراً لإدارة، أو قسمك إن كنت رئيساً لقسم، أو حتى أكبر من ذلك من وظائف ومسؤوليات، لأن المهم ها هنا أو ما أجده أهم من كل ذلك هو حياتنا، هذه الحياة التي إن صلحت، كان ما بعدها صالحاً وبحسب المنطق، والعكس صحيح أيضاً لا غبار عليه. وقبل أن نتعمق أكثر في الموضوع، دعني أطرح هذه التساؤلات:
هل تدير حياتك بشكل صحيح؟
هل تشعر أن ما تقوم به تجاه نفسك يوازي ما تقوم به لغيرك؟
هل توقفت يوماً لتسأل نفسك عن نفسك؟
هل تعطي نفسك حقها كما يجب، أم إنك ما زلت في الظلم سائرا ومستمرا بحقها؟
هل توقفت لحظة في يوم من الأيام لتطرح كل تلك الأسئلة سواء على نفسك أو على أقرب المقربين إليك: زوجتك، زوجك، صديقك أو غيرهم؟
لنتابع السطور التالية ونعود مرة أخرى لنتفاكر حول ما بدأنا به موضوع اليوم ونقول افتراضاً: إذا تمت ترقيتك لتولي منصب مدير إدارة في عملك، فما هو أول ما تفكر به؟ بالطبع ستفكر في إثبات أنك جدير بالمهمة، وأنك ستقوم بإصلاح الكثير والكثير، وستعمل على تجويد العمل بالإدارة لتكون الإدارة المميزة. أليست تلك الأهداف هي بعض ما ستفكر بالعمل على تحقيقها؟ بالطبع ستقول نعم.
لنكمل إذن الحديث..
اعتبر نفسك وقد تم تعيينك مديراً لأهم إدارة في حياتك ولنطلق عليها اسم إدارة نفسك أو إدارة حياتك، وهل هناك ما هو أهم من حياتك؟ قد تقول لي نعم، هناك حياة أبنائي وربما تقول أمي وأبي إن كانا على قيد الحياة. وهاهنا لا أختلف معك على أهمية حياة كل أولئك الذين ذكرتهم، فهم من أغلى ما يملكه أي أحد منا في هذه الحياة الدنيا، لسبب فطري موجود مع الإنسان منذ أن خلقه الخالق عز وجل، ولسبب ديني واضح قد يغيب عن الكثيرين منا، ولكن مع ذلك سأكرر السؤال لتتفكر بعمق أكثر. هل هناك حياة أغلى من حياتك؟ في الحقيقة والواقع لا، ليس هناك أغلى من حياتك، حتى حياة أبنائك ووالديك ومن تعزهم، لسبب فطري لا تتحكم به، ذلك أن الإنسان ظهر على هذه الأرض، وهو يحب نفسه ويدافع عنها ويعتز بها، ولا يمكن أن يعيش الإنسان لأجل غيره، بل هو أولاً ثم غيره. نعم، قد تقل درجة الاهتمام بالنفس من بعد أن يظهر آخرون في حياة أي منا، مثل زوجة وأبناء، أو وصول الوالدين إلى مراحل العجز والحاجة إلى الأبناء.
لكن لا يعني ذلك أن ينسى الإنسان نفسه، هو قد يصل إلى درجة من الإيثار أن يضع أولئك جميعاً كأولوية في حياته، ولو على نفسه، مرة وأخرى وثالثة، لكن لاحظ أن الإنسان رغم ذلك وفي لحظات معينة، لن ينسى نفسه، الأمر فلسفي متشعب طويل، لا يمكن الحديث عنه في مساحة محدودة كهذه، لكن يمكن لأي منكم التفكر في الأمر بينه وبين نفسه في ساعة خلوة وصفاء. ولعل ظروف الحجر المنزلي الحالية، هي من الأوقات الثمينة التي يمكن تخصيص بعضها لمثل هذه التساؤلات والتأملات.
لا بد أنك في ساعة التفكر تلك - لو افترضنا أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – تصل إلى حقيقة مهمة مفادها أنك ظالمٌ لنفسك بعدم الاهتمام بنفسك ولا حياتك التي بين جنبيك، نعم إن لوالديك عليك حقاً، وكذلك لزوجك وأبنائك، ولكن أين نفسك؟.
أتدري لماذا حياتك مهمة وتستحق كل اهتمام ورعاية، حتى لو كنت من النوع المضحي الذي يرى أن حياته مُسخّرة لخدمة أبنائه ووالديه؟ إن حياتك أهم، لأن رعايتك لنفسك وإدارة حياتك بشكل صحيح منظم وبأداء متقن وعمل ذي جودة عالية، من شأن كل ذلك أن تكون نتائجه إيجابية على كل الذين تفكر فيهم وتضحي بوقتك بل وحياتك من أجلهم.
لنأخذ مثالاً واحداً فقط لتوضيح ما أرمي الوصول إليه، لنفترض عدم اهتمامك بصحتك وعدم إيلائها الأهمية والرعاية المطلوبتين حتى تقع فريسة لمرض ما، فأي الحالتين أفضل وأنفع لأبنائك ووالديك ومن تضحي وتعمل لأجلهم: أن تكون صحيحاً معافى في بدنك أم طريح الفراش، تستجدي رعاية من هذا أو خدمة من ذاك؟.
كيف أدير حياتي؟
السؤال المهم في هذا الموضوع هو كيف أدير حياتي بشكل صحيح، حتى أحصد نتائج تلك الإدارة في النهاية؟ والإجابة باختصار هي أن أول ما يجب القيام به في هذا السياق وأنت تدير حياتك، ألا تركن مشاكلك على الرف، وتسوّف علاجها وإيجاد الحلول لها، لأعذار وحجج تكون جلّها غير مقبولة.
أحدنا قد يقرر مثلاً أن يحل مشاكل غيره والآخرين حوله ولكن على حساب مشاكله الشخصية، وتراه يضحي بالوقت والصحة لأجل ذلك. فهل يمكن قبول ذاك الفعل؟ نعم، ولكن هي قد تبدو للوهلة الأولى بادرة كريمة راقية منك، لكن أين التوازن؟ أعتقد أن التوازن هاهنا مطلوب، أنت إن أهملت مشاكلك بحجة التفرغ لمشاكل الآخرين، فقد تستطيع الإبداع في ذلك ولكن ليس دائماً، أتدري لماذا؟ لأن مشاكلك هي أشبه ببراكين تبدو خاملة ظاهرياً، لكنها فعلياً تغلي وتتراكم من الداخل لتنفجر بشكل فجائي في وقت ما لا تتوقعه، بل لم تحسب حسابه، فتكون النتيجة سلبية غير محبذة لك، فتتوقف مجبراً عن مساعدة الآخرين لتنظر ما حل بك، فإذا أنت بحالة يرثى لها، وسيكون الأمر مؤلماً أن تبحث عن كل أولئك الذين أجهدت نفسك في سبيل إيجاد حلول مناسبة لمشاكلهم، فلا تجدهم! بل ربما قد يصل ببعضهم أن يلقي عليك باللائمة، لماذا؟ الجواب عندهم حينها: لأنك أهملت نفسك ومشاكلك! فما تفعل ساعتئذ وأنت تسمع ذلك؟
نفسي نفسي.
نفسك نفسك، حقيقة حياتية أو مفهوم حياتي مهم يجب أن يظل حاضراً في كل الأوقات وأنت تدير حياتك. اهتم بنفسك وعالج مشاكلك وقدّر ذاتك وأرح نفسك وخطط لها، تكن أسعد الناس، بل وسيسعد كل من حولك في كل الأزمنة والأمكنة والمواقف المتنوعة في هذه الحياة، هذه حقيقة أولى مهمة في إدارتك لحياتك.
الحقيقة الثانية هي أن الاهتمام بالنفس أولاً وقبل الغير مفهوم ديني، بمعنى أنك ستأتي يوم القيامة، يوم الحساب والكتاب، وأنت بمفردك لا أحد معك أو ينفعك في ذاك اليوم، الذي لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، هذا دليل واضح أنه لا أحد سينفعك إن كنت مقصراً في دنياك. وربما يومها تتوسل إلى ابنك أو زوجتك أو حتى أمك أن يمنحوك بعض ما لديهم من حسنات أو تطلب منهم أن يسمعوك أو يقفوا معك لحظات تشرح لهم وضعك، فلا تجد آذاناً صاغية، وستراهم يهربون منك، وأنت الذي بذلت الغالي والنفيس في الدنيا من أجلهم.
لا أعني بالحديث السابق أن نتجاهل الأرحام والأهل والأصدقاء أو تنقطع صلات الرحمة وعلاقات الود والمحبة والتعاون بين الناس. لا، ليس أعني هذا أبداً، لكن بالقدر الذي نقوم في الدنيا بتعزيز علاقاتنا مع الغير ونسير في حاجاتهم، فإنه بالقدر نفسه مطلوب أن يهتم أحدنا بنفسه وحياته، لأنه لن ينفعنا أحد في غدنا سوى أنفسنا (وإن لبدنك عليك حقاً).
تلكم حقيقة مهمة لابد أن نعيها ونحن نتفكر في مسألة إدارة حياتنا ونتأملها، تلك الحياة التي صار كثيرون منا لا يعطيها إلا أقل القليل، في الوقت التي تستحق منا الكثير والكثير، حفظنا الله وإياكم من كل سوء، إنه سميع عليم مجيب الدعوات.
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
456
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
381
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
339
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8988
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4272
| 23 سبتمبر 2026