رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثر الكلام عن الحفاظ على اللغة العربية رغم أننا غارقون في تفاصيل، ففي العربية ما نقوله شيء وما نفعله شيء آخر، حرصنا شكلياً بأبسط مثال أسماء محلاتنا (خواجاتي) وكأننا نقول إننا بعيدون عن النسق العربي المتخلف، فنادقنا، مجمعاتنا السكنية، مراكز تسوقنا تحمل أسماء (خواجاتي) حتى أسماء رياض الأطفال لم تنج من ذلك أيضا، إن الزائر الذي يفضل أن يطير في إجازته السنوية بعيداً عن الشرق لم تر عيناه في سفراته يميناً أو يساراً محلاً في قلب لندن، أو نيويورك، أو في بلاد (ليالي الأنس في فيينا) أو باريس يضع لافتة بأي اسم عربي مهما كانت عراقته، عقدة الخواجة تتخلل تحت مسامنا، بيوتنا في طول شرقنا وعرضه تحتفي وتبتهج وتفرح بنطق طفلها للمفردات الأجنبية أكثر كثيراً من فرحها بحفظ أم الكتاب أو سورة الإخلاص!.. أما إذا شب الطفل وغرد (بالرطانة الخواجاتي) كان هذا الحدث الجلل مثار فخرنا العظيم، بل إن بعضنا يتباهى بأن أولاده يتحدثون الإنجليزية (لبلب) ولا يبالون مطلقاً أن رسوبهم الوحيد كان في مادة اللغة العربية!!
ليس هذا فحسب فاحتفاؤنا بمن عاد بشهادة من (بلاد برة) أكثر مليون مرة من حفاوتنا بخريج الأزهر وأعظم تخصصات اللغة العربية (رغم أنني أحلم بأن يتقن كل داعية أزهري اللغات الأجنبية ليكون خير مصحح لصورتنا المقلوبة في الغرب كإرهابيين) بيوتنا العربية تحرص على اقتناء مربيات بديلات لمهام الأم شرطهن الأول إتقان اللغة الانجليزية لتلقين الرضع منذ نعومة الأظافر هاي، وباي، وماي) بغض النظر عن النطق المعوج لكثير من المفردات الأجنبية الخطأ والتي تكبل الطفل بنطق مغلوط نحتاج وقتاً لإصلاحه عوضاً عن تشرذم ذهن الطفل بين لغة المربية، ولغة الأم، وخليط من اللهجات التي يكتسبها مرة بالهندي، ومرة بالسريلانكي، ومرة بالفلبيني والله يعينه على ما ابتلى به!
أما دور الإعلام فحدث ولا حرج فمذيعات الخريطة العربية إلا قليلاً يدخلن في لقاءاتهن وحواراتهن المفردات (الخواجاتي) حتماً وضروري كلمة أجنبية بين الكلمات العربية وذلك للفت النظر بأن ثقافة حضرتها أجنبية، أما ضيوف العالم العربي من أطباء، وعلماء، ومفكرين، لا يكاد يسلم لهم لقاء من استعمال مصطلحات اللغة الأجنبية، حتى أنني تصورت وأنا أتابع أحد الأطباء وكان متحدثاً في الشأن الطبي أنه نسي تماماً أنه يتحدث لمستمع ومشاهد عربي وليس (خواجة)!
في صحافتنا على طول الخريطة العربية نستعين بمفردات، وتواريخ، وأرقام وأحياناً كلمات باللغة الانجليزية وكأننا نعجز عن التعبير بعربيتنا الجميلة أو لإيماننا بأن ما نكتبه سيكون أكثر تأثيراً، وأفخم دلالة إذا ما أضفنا (الحروف الأجنبية) سؤال، هل رأى أحد منكم صحيفة أجنبية تضع تاريخ صدورها بالأرقام العربية؟
ولعنا بكل ما هو أجنبي جعل أمنياتنا تمتد لرغبة الانتماء إلى مجتمع مغاير لمجتمعاتنا الشرقية، وجنسية غير جنسيتنا، وكم من أسر أقامت (الأفراح والليالي الملاح) لأن عائلها أو ابنها حصل على الجواز الأمريكي، أو البريطاني، أو جواز أي بلد أجنبي رغب في الحصول على جنسيته، البعض يرسل زوجته إلى أمريكا مثلاً قبل الوضع بفترة لتضع مولودها هناك وليأتي المولود لأبويه بفرحة العمر أو (بفرخة) العمر، خلاص سيصبح (خواجة)! وستفتح له الأبواب المغلقة، وسيحترم في بلده أو أي بلد يبرز فيه هويته الجديدة، بل سيأخذ فوق حقه حقوقاً كثيرة تتفوق على زميله، وابن بلدته، أين الثريا من الثرى؟! ولا أنسى حكاية (فلان) عربي الجنسية الذي كان يعمل بالخليج ثم تركه وسافر وعاد بجواز أجنبي، تقدم للعمل بصفته الجديدة وجوازه الجديد ليحظى بما يحظى به أصحاب العيون الملونة والشعور الشقراء المتميزون بعالمنا العربي كله! كثيرون فقدوا حياتهم وهم في هجرات غير شرعية ليحظوا يوماً ما بالحلم بعد تعديل وضعهم القانوني (جواز أجنبي) البعض جازف واشتراه هرباً من عذابات لا يعلمها إلا الله في حياتنا اليومية، عقود الإيجار، إنذارات الإخلاء، مازالت تصل المستأجر بالانجليزية لأن القائم على رعاية العمل (هندي) ولا يعرف العربية، يحدث هذا ببساطة دون أدنى احترام لثقافة المستأجر إن كان يفهم ما يرسل إليه أم لا!
محطات كثيرة، وقفات كثيرة يجب أن نلاحظها ونحن نتحدث عن تغريب اللغة التي نطعنها في قلبها رغم جمالها الفادح، وروعتها الآسرة!
مطلوب إعادة نظرتنا إلى ثرائنا المهمل ومحاولة فهم لماذا يأسرنا كل ما هو أجنبي؟ اللغة ضرورية؟ نعم ضرورية، مهمة؟ نعم مهمة لكن لا ينبغي أن تتفوق على عربيتنا التي بدأ أطفالنا يغتربون عنها، ربما نحتاج زمناً لكي نصلح فيه ما أفسدناه لا ما أفسده العطار، المهم أن نبدأ.
• شجون اللغة
• كان الضيف من دول الربيع العربي، نزل ضيفاً على إحدى القنوات التعليمية، كلامه غير المسؤول، بل والمضلل يرفع ضغط المتابع، فرغم حال التعليم (الواقع) الذي يخرج من الجامعات من يضع الصاد مكان السين ليكتب (صبورة) بدلاً من (سبورة) ومن تنطق (التاء) بدلاً من (الطاء) لتقول (تفل) بدلاً من (طفل) راح يدافع كمسؤول ظهرت مداهنته لمن فوقه زاعقة ليؤكد ما توفره الوزارة من مقومات النجاح الفائقة للعملية التعليمية، متناسياً أن توافر الإمكانات لا يعني أبداً جودة المخرجات إذ لابد من عناية فائقة بالمناهج منذ نعومة الأظفار لتسلم العملية التعليمية برمتها من الوقوع، وقبل ذلك يتحتم البعد المطلق عن حجب حقيقة تردي التعليم لنداهن ونقول (كله تمام) لأن المسألة أولاً وأخيراً أمانة.
• في عالمنا العربي الجميل أصبحت كلمة (أوامر من فوق) مصداً لأي حوار أو نقاش، أو تظلم، كما أصبحت كلمة دارجة يستعملها المسؤول عندما يرغب في تخويف مرؤوسيه، أو إرهابهم، أو عندما يريد كتم صوت أي جرئ، أو شجاع، أو وطني تتقاطع رؤيته مع رؤية السيد المسؤول التي تفوح منها رائحة استغلال منصبه، وكم ظلمت عبارة (أوامر من فوق) وقد اكتشف البشر أن (الناس اللي فوق) لا يدرون شيئاً عما يقترفه (الناس اللي تحت) من بلاوي وكوارث باسمهم وبجرأة يحسدون عليها!!
• أحزن جداً كلما قرأت أو سمعت عن مظلمة إنسان لم تنقذه يد الإنصاف من وجعه، أحزن أكثر كلما كانت المظلمة لصاحب خلق ودين!!
• أحياناً بعض السادة المسؤولين الذين يقلبون المعدول، ويكرهون من يخالفهم قد يكون المناسب أن توافق، وتنافق لتتمتع بمنصب ومزاج رائق، لكن يظل احترام المرء لنفسه قيمة لا يتنازل عنها صاحب مروءة لا يناسبه النفاق، ربما لأنه يخجل من أن يقع من عين نفسه قبل أن يقع من عين الناس.
• طبقات فوق الهمس
• يا مسافرة دون وداع، ودون كلمة أخيرة، وقبلة أخيرة، وضمة أخيرة، يا مسافرة إلى سر الأسرار، وبرزخ الأرواح، أودعك وداع المؤنب نفسه فلو علمت أن آخر مرة رأيتك فيها متعبة موجوعة كانت مرة أخيرة لاحتضنت جسدك الطيب طويلاً، ولمسحت على بدنك المتعب بحنان روحي كثيراً، قدرنا يا غالية أن نكون على البعد تتساقط بعيداً عنا قطع غالية منا يضمها قبر بعيد، يا غاليتنا المسافرة، ناديناكي في الدنيا (بهية) واليوم ادعو الله أن يجمع لك البهاءين، بهاء الدنيا والآخرة، اليوم استحضر عمراً كنت فيه حبيبتنا جميعاً، وأهمس بدمع قلبي افتقدك يا بهية الروح، والقلب، والحنان، اليوم ماتت أمي الثانية، اللهم تغمدها بواسع رحمتك، وجميل غفرانك.. آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2223
| 01 أغسطس 2026
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
2160
| 03 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2127
| 29 يوليو 2026