رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد غريب العبيدلي

- باحث في السياسات العامة والشؤون الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

36

محمد أحمد غريب العبيدلي

طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم

04 أغسطس 2026 , 11:09م

ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات تُقاس بالمناصب، فهناك لحظة في كل منافسة يتغير فيها كل شيء وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر قيمة من المواهب الكبيرة. تلك هي فلسفة الأدوار الإقصائية المرحلة التي لا تعترف بالتاريخ، ولا بالترشيحات ولا بإزعاج الجماهير وإنما تعترف فقط بمن ينجح في البقاء.

ومع انتهاء بطولة كأس العالم 2026، وتتويج إسبانيا باللقب بعد فوزها المستحق على حامل اللقب الأرجنتين، أغلقت البطولة أبوابها بعد أن قدمت درساً جديداً في معنى المنافسة، فقد غادرت منتخبات كانت مرشحة للقب منذ البداية وتمتلك أسماء لامعة وميزانيات ضخمة ومواهب استثنائية لكنها اصطدمت بحقيقة أن "الأدوار الإقصائية لا تمنح الفرصة لمن يملك أفضل اللاعبين بل لمن يملك أفضل المنظومات". وهذا ما حدث بمنتخب إيطاليا التي لم تشارك أصلاً في البطولة ولكن تحمل إرثاً لامعاً في المقابل خرجت ولم تستطع الاستمرار والمنافسة.

وشهدت البطولة سيطرة واضحة لمنتخبات القارة العجوز على الأدوار المتقدمة مع حضور منتخب عربي أفريقي حاول أن ينافس بكل ما يملك من عزيمة وإصرار إلا أن الخبرة والتنظيم وإدارة التفاصيل والقدرة على التعامل مع الضغوط كانت هي الفيصل في نهاية المطاف، فالأفضل فنياً وإدارياً لا يصل دائمًا كما أن كرة القدم رغم تطورها ما زالت تترك مساحة واسعة للجدل حتى مع وجود تقنية (VAR) التي لم تنهِ اختلاف الرؤى حول العدالة بل أضافت لها أبعادًا جديدة.

نظام الأدوار الإقصائية ليست حكراً على كرة القدم، بل هي قانون يتكرر في السياسة والإدارة والاقتصاد، وحتى في بيئات العمل. ففي كل مؤسسة أو هيئة أو وزارة، هناك بطولة صامتة لا تنقلها الشاشات ولا يسمع الجمهور صافرة بدايتها لكنها تدور كل يوم بين الطموحات والمصالح والمناصب والرغبة في البقاء. لذلك تسمع (صافرة نهايتها) فقط.

في تلك البطولات الخفية لا يرتدي المتنافسون قمصان المنتخبات، بل ثوب وبدلات العمل ولا يركضون خلف كرة، بل خلف فرصة أو منصب أو قرار أو مساحة نفوذ (VAR) ومع مرور الوقت يتحول بعضهم من السعي إلى النجاح إلى السعي لإخراج الآخرين من المنافسة وكأن الطريق إلى القمة لا يتسع إلا لشخص واحد.

وهنا تبدأ أخطر مراحل الإقصاء، إقصاء لا يعتمد على الكفاءة وإنما على الحسابات والعلاقات لا يقوم على الإنجاز وإنما على إضعاف المنافس، فلا يعود السؤال: كيف ننجح كمؤسسة؟ بل يصبح: كيف أبقى أنا؟ حتى وإن كان الثمن إقصاء أصحاب الخبرة أو تهميش أصحاب المبادرات والكفاءات الوطنية

وحين يصل التفكير إلى هذه المرحلة تتحول الزمالة إلى منافسة والمهنية إلى شعار والأمانة إلى خيار بينما تُدار خلف الكواليس مباريات لا تقل شراسة عن مباريات كأس العالم لكنها أكثر خطورة لأنها لا تنتهي بخروج فريق من البطولة بل قد تنتهي بخروج الكفاءات من المؤسسة نفسها.

ولعل أكثر الأخطاء شيوعاً في عالم الإدارة هو الاعتقاد بأن الموهبة وحدها تكفي لصناعة النجاح فالموهبة نعمة لكنها لا تكفي.

كم من لاعب موهوب غادر البطولة مبكراً. لأن المنظومة التي تحيط به كانت عاجزة عن استثمار موهبته! وكم من منتخب لم يكن يملك أفضل اللاعبين لكنه امتلك أفضل منظومة!

الموهبة تولد مع الإنسان أما الكادر فيُصنع بالتأهيل والخبرة والانضباط ونقل المعرفة والقدرة على العمل ضمن فريق والموهبة قد تحقق إنجازاً استثنائياً في لحظة، أما الكادر فيصنع استقراراً يمتد سنوات ويؤسس لنجاحات لا ترتبط بشخص بل بثقافة مؤسسية كاملة.

ولهذا، فإن المؤسسات التي تراهن على الأفراد وحدهم تعيش قلقاً وحرباً وجودياً دائمًا، أما المؤسسات التي تستثمر في بناء الكوادر، فإنها لا تخشى رحيل قائد. ولا اعتزال موهبة لأنها تؤمن بأن الإنسان المؤهل قادر على صناعة عشرات المواهب الجديدة أما القيادة، فهي الاختبار الأصعب.

القائد الحقيقي لا يخشى أن يحيط نفسه بمن هم أكثر ذكاءً أو أكثر تميزاً، لأنه يدرك أن نجاحهم يضيف إلى نجاحه، وأن قوة المؤسسة تقاس بعدد القادرين على حمل المسؤولية لا بعدد من يعتمدون عليه وحده.

أما القائد الذي يرى في كل موهبة تهديداً، وفي كل كفاءة منافساً فإنه يبدأ من حيث لا يشعر في تنظيم أدوار إقصائية داخل مؤسسته ومع كل كفاءة تغادر يظن أنه انتصر بينما تكون المؤسسة هي الخاسر الأكبر.

في الملاعب، تنتهي الأدوار الإقصائية عندما يُتوج بطل واحد، أما في بعض المؤسسات والهئيات فإن الأدوار الإقصائية لا تنتهي أبداً، لأن البعض يعتقد أن بقاءه مرهون برحيل غيره وأن المنصب لا يحتمل إلا اسماً واحداً وأن النجاح لا يكتمل إلا إذا خسر الآخرون.

إن أعظم انتصار لا يتحقق عندما تسقط من حولك بل عندما تنهض بمن حولك، فالطريق إلى القمة قد يبدأ بالمنافسة، لكنه لا يكتمل إلا بالثقة ولا يستمر إلا بالمهنية ولا يخلده التاريخ إلا بالأمانة، وهذا هو الفارق بين من يبحث عن بطولة عابرة ومن يصنع إرثاً يبقى طويلًا بعد أن يغادر المشهد.

ختاماً..

في الملاعب تنتهي التصفيات عندما يبقى بطل واحد، أما في المؤسسات فإن التصفيات تبدأ عندما يظن البعض أن بقاءه لا يتحقق إلا برحيل غيره وبين البطولتين فرق كبير فالأولى تجلب كأساً وتصنع مجداً وترسخ تميزا، والثانية قد تهدم مؤسسة.

مساحة إعلانية