رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صدر في الربع الأخير من عام 2022 عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، كتاب بعنوان " تشكل الهوية في قطر: دراسة تاريخية خلال الفترة ( 1868- 1913 ) " للكاتبين الدكتور محمد عبدالله الزعارير أستاذ مادة تاريخ قطر والخليج العربي كلية الآداب والعلوم جامعة قطر، والأستاذة ميسر مروان حسن سليمان المحاضرة في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر والباحثة في مركز دراسات الخليج.
والدكتور الزعارير أصدر كتابا جديرا بالقراءة صادرا عن دار النشر آنفة الذكر تحت عنوان "المؤرخون وكتابة التاريخ في الجزيرة العربية في القرنين الثاني والثالث عشر هجري" عام 2018 وفي هذا الكتاب انفرد الدكتور الزعارير بدراسة كيف تناول مؤرخو الحجاز كتابة التاريخ في تلك الفترة كما تناول بالتحليل الجيد مؤرخي نجد وتناولهم أحداث ووقائع التاريخ في ذات الزمان وسيجد القارئ إن أمعن النظر بعناية في منهج مدرسة مؤرخي الحجاز ونجد مواقف الاختلاف والتوافق.
ويذهب أستاذنا الزعارير بعيدا ويتناول بالشرح والتحليل مواقف المورخين العمانيين (الاباضية) واليمنيين (الزيدية) من كتابة التاريخ ولا جدال عندي بأن القارئ المهتم بمعرفة التاريخ في جزيرة العرب سيجد علما متأصلا وثقافة في معرفة كيف كتب التاريخ في هذه البيئة العربية الصافية عبر مناهج وطرق لم يعهدها إلا قلة قليلة من كتاب التاريخ.
أعود إلى "كتاب الهوية في قطر" نجد الدكتور الزعارير وشريكته الأستاذة ميسر راحا يبحثان عن معالم الهوية القطرية على شواطئ إمارة /دولة قطر وعلى شطآن الرياض "جمع روضة" ومن خلال مرتفعات ومنخفضات كثبانه وجدّا في البحث في صفحات التاريخ القديم والمعاصر والوثائق، لعلهما يجدان ما يروي عطشهما بحثا عن الهوية.
إنها محاولة لإعادة قراءة التاريخ بغية التجديد والتطوير والمضي نحو المستقبل في أبسط صورة وأعمق فكرة. وهي متسقة ومتزامنة في موضوعها وطريقة تناولها مع الاهتمام الكبير الذي توليه المؤسسات التعليمية والعلمية والإعلامية في قطر بموضوع الهوية بهدف تعزيزها وتعميقها لدى الشباب لرفدهم بمزيد من المعرفة والوعي بهويتهم العربية والإسلامية وتأصيلها في نفوسهم وتزويدهم بالمؤثرات الرئيسة التي أسهمت في تشكُّلها والمحافظة عليها عبر الزمن لتكون محفزا لهم لمواصلة مسيرة البناء والتقدم والازدهار والانفتاح على العالم وثقافاته مع التمسك بالقيم العليا التي تقوم عليها الهوية.
إن فكرة البحث في موضوع الهوية في قطر عند المؤلف وشريكته أتت من خلاله تجربتهما في تدريس مقرر تاريخ قطر، ودراسات خليجية للأستاذة ميسر ووجدا عندهما دافعا قويا محركا لتوعية الشباب في العوامل ذات التأثير الكبير في تشكل الهوية وتوضيح علاقة الجغرافيا والتاريخ والإنسان والحكم في تشكل الهوية والمحافظة عليها. كما عزز اختصاص الدكتور الزعارير بالتاريخ الحديث للمنطقة وبلدانها وشغفه بتوظيف التاريخ في فهم وتحليل العوامل التي أسهمت في تشكل الهوية يتكامل ذلك مع جهد الأستاذة ميسر التي صدر لها حديثا كتاب بعنوان دراسات خليجية: مراجعة في التاريخ والدولة والمجتمع، بالاشتراك مع الدكتور محمد صالح المسفر عن دار الشرق نوفمبر 2022.
لقد كان لقلة الدراسات التي تناولت دور التاريخ والجغرافيا والإنسان في تشكل الهوية دور أساسي ومحوري مُحَفّز لدراسة الموضوع خاصة وأن موضوع الهوية طُرِح بأشكال وصور عديدة ركزت في معظمها على الهوية المعاصرة من حيث كونها هوية وطنية فحسب، دون التركيز بالدراسة والتحليل على دور التاريخ والجغرافيا والحكم في تشكُّلها. وبناء على ذلك، تمثل هذه الدراسة محاولة من الباحثين للتركيز على العوامل الأكثر تأثيرا في تشكُّل الهوية والحفاظ عليها، وإبراز الدور التاريخي لمرحلة التأسيس في تعزيز الشخصية والاستقلالية والسيادة حتى أصبح هذا أحد أبرز ملامح الهوية في قطر.
تكشف الدراسة عن التطورات التاريخية العميقة التي شهدتها قطر منذ ظهور الإمارة عام 1868م والتي أسهمت بشكل كبير في تبلور شخصيتها العربية والإسلامية كونها دولة حديثة وازَنَت بين الأصالة والمعاصرة والانفتاح على العالم مع المحافظة على القيم الأصيلة التي ترسخت على أيدي رجال قادوا حركة البناء على ركائز متينة تقوم على التمسك بالهوية العربية والإسلامية التي ظهرت في مواقف مؤسسي الإمارة منذ البدايات. وقد لفتت قطر أنظار العالم بالتطور الذي تشهده الآن، والذي ما كان يمكن أن يكون وفق الضوابط الحالية لولا الأسس التي وضعها الأجداد، وتمسك بها الآباء، وحافظ عليها الأبناء. هذه الركائز وتلك الأسس التي تناقلتها الأجيال الثلاثة صنعت إنجازات صارت مصدر فخر واعتزاز لأبناء البلاد، ومبعث عز وافتخار لكل عربي مسلم يتطلع إلى تجارب عربية إسلامية ناجحة في التطور والتقدم والازدهار.
تكونت الدراسة من مقدمة ثم سؤال رئيس تقوم عليه الدراسة وهو "ما هي العوامل الرئيسة الثابتة والمتحركة التي أدت إلى تشكُّل الهوية في قطر قبل وخلال فترة ظهور الإمارة 1868-1913؟"، بعد ذلك تناولت الدراسة الإطار النظري للهوية والذي اشتمل على تعريف بالدراسات السابقة والتعريف بمصطلح الهوية وعناصرها ومستوياتها، ثم تتبعت الدراسة في سياق تاريخي تشكُّل الهوية العربية الإسلامية في قطر بدءا بتناول هوية المكان ضمن الامتداد الجغرافي وكيف أثر على تشكُّل الهوية العربية عبر العصور ثم عرضت تحليلا معمقا لأهمية التاريخ ودوره في تشكل الهوية، وكذلك دور النظام السياسي في تعزيزها والمحافظة عليها وتأصيلها وتحليل هذا الدور بشكل معمق اعتمادا على المواقف السياسية تجاه القضايا المتشابكة على مستوى العلاقة مع الجوار والعلاقة مع القوى الخارجية، كما تم التركيز هنا على تأصيل الهوية في نفوس الشباب من خلال عدة محاور منها؛ المؤثرات التاريخية قبل تأسيس الإمارة، دور المنطقة وأهميتها في نشر الإسلام، النظام السياسي (بدايات تشكل الإمارة السياسية)، ودور الهوية في التأثير على القرار السياسي في التعامل مع القوى الخارجية واختيار الحلفاء.
كما ركزت على تحليل الإنسان (السكان) باعتباره محورا رئيسا في تشكل الهوية والتأثير العميق فيها وتم تتبع ذلك عبر العصور للكشف عن امتدادات وجوده في عمق الزمن من خلال تتبع الهجرات السكانية التي تمتد عبر العصور، والتكوين السكاني الذي استقر عليه المجتمع من خلال التركيز على مكون القبيلة، واللغة والعادات والتقاليد والثقافة.
واشتملت الدراسة أيضا على سبل تعزيز الهوية وتمكين بقائها واستمراريتها وصمودها في وجه التحديات والصعاب من خلال وسائل عدة ذات تأثير كبير وهي التعليم، المساجد، الكتاتيب، القضاء، الثقافة، العادات والتقاليد، الهوية العمرانية.
لقد توصل الكاتبان إلى نتائج كان من أبرزها أن مظاهر الهوية العربية وملامح تشكلها في قطر تمتد في جذور التاريخ أرضا وسكانا، كما أن الموقع الجغرافي لقطر أسهم بشكل كبير في الحفاظ على عروبة أرضها وسكانها وانتمائها الحضاري وثقافتها الإسلامية عبر التاريخ، ونفسه الموقع جعل من أرضها مستقرا آمنا للقبائل التي اتجهت لتأسيس تكوينات سياسية في سواحل الخليج، وله كان الأثر الكبير في مرحلة الصراع والتنافس بين البريطانيين والعثمانيين والذي أدى إلى أن تأخذ قطر طريقها نحو الابتعاد عن القوتين المتنافستين على المنطقة وتنحو نحو الاستقلال.
كما كانت الروابط العميقة والمتينة التي جمعت بين القبائل القطرية هي إحدى السمات الرئيسة المتعلقة بهوية المجتمع القطري والانسجام والتماسك الذي كان ولا يزال سائدا بين أفراد المجتمع القطري ومثَّل في الماضي كما هو اليوم سدا منيعا أمام أية أخطار خارجية
وكشفت الدراسة عن الحاجة الملحة والمتجددة لإعادة قراءة الأحداث التاريخية وتحليلها بما يعزز قيم الهوية العربية والإسلامية، وضرورة الاعتماد على المنظور التاريخي في تطوير وبناء وصياغة البراهين الفكرية والتصورات بشكل واضح ودقيق ومناسب بما يخدم نشر الوعي بين الشباب بالعوامل والجذور المتعلقة بذلك.
كما أكدت الدراسة على الدور الذي حققته أسرة آل ثاني في تعزيز الاستقلالية والسيادة في قطر من خلال مواقف سياسية وعلاقات متوازنة مع قوى الجوار والقوى الدولية الخارجية المتمركزة في المنطقة، وجعلت موضوع السيادة والاستقلالية أحد السمات الرئيسة لهوية قطر منذ نشأة الإمارة وحتى الآن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30558
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17652
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4434
| 15 يونيو 2026