رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر الخلاف السياسي بين حركة فتح، وحركة حماس، من أهم الإعاقات للقضية الفلسطينية الراهنة وتراجعها عن المشهد السياسي العربي والأجنبي، وهذا ما برز في الأشهر الماضية في الأمم المتحدة، وفي غيرها من المناسبات، واستغلال إسرائيل لهذا الظرف القائم،وكذلك الأوضاع العربية الراهنة، لتنفيذ مخططات التهويد في القدس وفي غيرها من الأراضي العربية المحتلة، ولا شك أن الخلافات الفلسطينية الداخلية ساهمت في هذا الوضع الخطير للحق الفلسطيني في المقام الأول، وباتت القضية الفلسطينية تتوارى عن المشهد العالمي في السنوات الأخيرة، وهو نتيجة من نتائج الخلافات بين الفرقاء الفلسطينيين، كما أن الصراعات العربية / العربية أيضا أسهمت في هذا الأمر ،وعززت من عدم الاهتمام بقضية العرب الأولى ، بشكل أو بآخر، لأن القضية الفلسطينية قضية عربية بالأساس ، وليست قضية فلسطينية خالصة، والحقيقة أن الوضع العربي الراهن، والخلافات الفلسطينية/ الفلسطينية، جعلت الكيان الإسرائيلي، يخطط لإعادة الأوضاع في الضفة الغربية والقدس، على ما كانت عليه بعد حرب 1967، وهو ما تفكر فيه الأحزاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة في الفترة الراهنة، ومنها الحزب الحاكم (الليكود)..والإشكالية أن أسباب الخلافات بين فتح وحماس تتمحور في قضايا عدة:
أولاً: أن بروز حماس كحركة فلسطينية جديدة، على القضية الفلسطينية، أثرت شعبيا على حركة فتح، وهى التي قادت النضال الفلسطيني منذ منتصف الستينيات كأول حركة منظمة معترف بها من كل الدول العربية، وان كانت قيادات في حركة فتح كانت تنتمي فكريا للمشروع الحمساوي، قبل ولادته فعليا، لكن المتغيرات السياسية، وهزيمة 1967، جعلت المشاريع الأخرى المختلفة مع الفكر القومي العربي، تظهر على الساحة السياسية الفلسطينية، كقوى سياسية لها فكرها المختلف اليساري والإسلامي، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وما تفرعت عنها من منظمات أخرى، طلعت من رحم هذه المنظمة، تتبنى نفس الفكر الماركسي، وجاء ظهورها، بعد هزيمة 67، على أثر هزيمة المشروع القومي الناصري كما يقول البعض، وقد أخفوا فكرهم الماركسي، تحت مسمى القوميين العرب، ثم ظهرت بعد ذلك حركة حماس التي كانت تنظيما تابعا لحركة الإخوان المسلمين في الأردن،وأن لها المساحة السياسية المختلة وفق الظرف القائم بفلسطين، ،فظهور هذه الحركات جاءت بعد تراجع الحركة الفلسطينية الأم (فتح)، وهذا جاء للحق لأسباب كثيرة ليس مجال مناقشتها في هذه المقالة، وربما أن الظروف التي كانت في ذلك الوقت لم تساعدها على النجاح المأمول في مشروعها التحرري منذ انطلاقتها، ودخولها مع بعض الحركات اليسارية في صراعات مع بعض الأنظمة العربية، وهذا أسهم في التراجع والانقسام في الصف الفلسطيني، وانحياز بعض هذه المنظمات الفلسطينية لبعض الأنظمة العربية، على حساب القضية الفلسطينية المركزية .ثانيا: إن الخلاف السياسي حول كيفية التحرير والنظرة إليه، بين هذه المنظمات، جعلهم يتباعدون عن التعاون والتنسيق فيما بينهم،وهذا ما جعلهم عرضة للصراعات والاقتتال، والانقسام التام حول الحلول المقبولة لمواجهة الاحتلال، وهو ما جعلهم يدخلون في صراعات مع بعضهم البعض في لبنان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وهذا ما ألحق بالقضية الفلسطينية أضرارا كبيرة على المستوى الوطني والعربي والدولي. وقد استفادت منه إسرائيل أيما استفادة في توجيه رسائل للعالم، بأكاذيب كثيرة للنيل من أصحاب القضية العادلة، والحقوق المسلوبة، ولاشك أن هذه الخلافات لا تزال متجذرة وعالقة إلى الآن، وهذا سبب لقيام إسرائيل بعمل اغتيالات كثيرة لقيادات بارزة في حركة فتح وفي المنظمات الأخرى منذ السبعينيات وحتى الآن، بهدف إضعاف الحركات، وبث أسباب الخلاف بينهم. وكان الأولى للمنظمات الفلسطينية جميعا أن تتحد في الهدف الأسمى، وهو تحرير الأرض المحتلة بكل الوسائل المتاحة وأن تتفق على المشروع الأول للتحرير، مع احترام التعدد والتنوع فكريا،لأن الأساس الذي لا خلاف عليه، هو إزالة هذا الاحتلال، وإرجاع الحق السليب.
ثالثا: أن بعض المصالح الفئوية، والحزبية، طغت على المصلحة العامة، وأصبحت مصلحة هذه المنظمة وتلك ،أهم من مصلحة فلسطين، وهو ما جعل بعض القيادات في هذه الحركات، تقيم الدنيا وتقعدها من أجل مكانة ومصلحة هذه الحركة وتلك، وهذا للأسف قمة الأنانية والتردي الفكري الذي يجلب الفشل والإخفاق وقد حصل، وهو بدوره تستغله إسرائيل في إثارة الشقاق بوسائلها المختلفة!.وكلنا يعرف ما جرى بعد الانتخابات الفلسطينية في العقد المنصرم، والخلاف الذي جلب الاقتتال، والصراعات بين فتح وحماس، وكان الأولى أن تقبل النتائج، وتتاح لحماس أن تدير العمل السياسي، وليس سهلا لحركة حماس أن تدير الضفة الغربية وغزة، في ظل هيمنة الاحتلال، ولن تحقق الكثير من المكاسب،لكن إلغاء نتائج الانتخابات، وحدوث الانقسام، يأتي بنتائج عكسية على القضية برمتها، فالتفاهم والحوار، أهم من الاختلاف والانقسام، لو قدمت بعض القيادات المصلحة الفلسطينية العليا لكان الأمر أفضل حالا مما يجري الآن.
ولذلك فإن تقديم المصلحة الفلسطينية، يجب أن يبرز ويهيمن على كل المصالح الخاصة، الفئوية،أو الحزبية، كما أنه يجب على القيادة الفلسطينية، أن تدرك أن الوعود والتطمينات الغربية بقيام دولة فلسطينية، أثبتت الآن أنه مجرد سراب يحسبه الظمآن ماءً، بعد التخلي الكامل عن جدية إقامة دولة فلسطينية، حتى على أراضي الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، فالمراهنة على الحل العادل في ظل الانقسام الفلسطيني مسألة غير واردة للقوى الفلسطينية المنقسمة على نفسها. والآن مضى على اتفاق أوسلو ما يقرب 22 عاما، دون أن يحصل أدنى تقدم في الحكم الذاتي الفلسطيني، الذي بقى كما هو ، في ظل مخططات التهويد، وبناء المستوطنات، والقمع والقتل وغيرها من الممارسات الإسرائيلية.والحل الأهم والأصلح والأجدر للقضية الفلسطينية عموما، هو أن تتحقق المصالحة الفلسطينية الكاملة، وأن تتوحد الصفوف، سواء في إدارة السلطة والأعمال الإدارية في الضفة وغزة، أو مجال توحيد المواقف تجاه الاحتلال سياسيا، والموقف الفلسطيني الموحد في الظرف الراهن، هو الذي سيعطي القضية وأهلها القوة المعنية، واحترام العالم لموقف ثابت تجاه الحقوق السليبة.
مضيق هرمز ليس ورقة للمساومة
تشكل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على ممتلكات الدول الشقيقة، وآخرها الهجوم الذي استهدف الناقلة الإماراتية التابعة لشركة «أدنوك»... اقرأ المزيد
57
| 09 أغسطس 2026
مشهد من مُجمّع تجاري
يوم الأربعاء الماضي قررت أن أخرج مع شقيقاتي للتبضع من أحد المولات الكبيرة والجميلة المنتشرة في بلادنا وبالفعل... اقرأ المزيد
78
| 08 أغسطس 2026
قمة مكة.. والبعد الإقليمي في الردع
مع اجتماع القمة الثلاثية قمة مكة التي جمعت بين ولي العهد السعودي ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس... اقرأ المزيد
66
| 08 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8361
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4797
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
984
| 02 أغسطس 2026