رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمكننا أن نضع عنوان "ليس هناك مستحيل" لوقائع اقتحام قناة السويس وخط بارليف الذي أقامه الإسرائيليون على الشاطئ الشرقي للقناة بميل حاد يقارب الحائط الرأسي (80 درجة)، وخطة إشعال مياه القناة بالنابالم، وهو ما تجاوزته القوات المصرية المهاجمة، بأبسط الحلول. واجهت النابالم، أولا بالمعرفة أن هناك أنابيب، وحددت أماكنها وخطوط الإمداد، وتم سد الفتحات على طول 175 كيلومترا، وتدمير خطوط الإمداد، وهو ما تحملت مسئولية تنفيذه الضفادع البشرية ومجموعات الصاعقة خلف خطوط العدو. وبخبرة العمل في السد العالي استخدمت أسلوب التجريف، لعمل فتحات لعبور المدرعات والدبابات، وإن كان عمل التجريف قامت به سرايا من المهندسين، غير أن اقتحام المشاة للمانع ذاته ابتداء وتدمير النقط الحصينة للعدو، كان ضروريا لتتمكن عناصر المهندسين من إتمام عملها لتدخل المدرعات إلى سيناء.
كانت تقديرات خبراء تقول إن خط بارليف لا يمكن اقتحامه بغير ضربة ذرية، والآن وبعد أربعين عاما صار التخطيط والعمل لتحويل المستحيل إلى ممكن هو واحد من أهم الدروس في المعاهد العسكرية.
لا يتصور عاقل أن تحويل المستحيل إلى ممكن تم بغير إرادة، وعبر زمن طال لسبع سنوات، وكان هناك رجال وكان هناك شعب. ولم تكن نزهة ولكن كانت هناك مرارة وشهداء وعرق وعالم معاد وأرض تحت الاحتلال وكرامة مجروحة، وحالة من التوحد بين الأمة وبين الهدف.
والأمم تنمو وتنضج عندما يكون الرأي للعقلاء وبينهم، والأمم بالعقل والأمانة والمعرفة تستخلص من النكسات دروس النصر.
واحد من أهم دروس النكسة هو تحديد العلاقة بين الجيش وبين الدولة، فالجيش عند الشعب هو رمز للوطنية، وليس كما قال أحدهم ــ وهو عضو في لجنة صياغة الدستور المصري الآن ــ بأن المواطنة هي أساس العلاقة بين "السكان" والأرض، أي كل بتكوينه ولونه، وإن الوطنية مرادف لحكم "البيادة". فرضت نكسة 1967 مراجعة علمية للعلاقة بين المؤسسة العسكرية وبين القرار في الدولة، ودعمت حرب 1973 هذه الحقيقة، بأن قرار الحرب والسلام للقيادة السياسية، وأن المهمة الاحترافية للجيش تبدأ بعد القرار، ويجب أن ترفع يد السياسة عن إدارة العمليات العسكرية.
ولم تغفل الدروس حقيقة أن الجيوش في العالم الثالث هي القوة المنظمة الوحيدة داخل هذه الدول، وأن التحول إلى واجبها الدستوري يعني أنها جيوش الشعوب وليست جيوش الأنظمة.
المفارقة التي نحياها في مصر الآن، أن العقل تشظى، ويكاد يفقد التاريخ معناه بعد أربعين عاما من حرب 1973، وشظايا العقل تكاد تسلب التاريخ محتواه ومضمونه، بل إن حالة التشظي هذه بلغت أن جماعة من المصريين تحاول أن تسلخ الجيش من وطنه، وتستعديه، وتدعي الولاية عليه وعلى الأمة وعلى التاريخ، حتى إنك تسمع منهم ما هو أشد نكاية بالوطن وتاريخه مما يقوله أعداؤه.
ولكن على التوازي مع ذلك يبدو أن العقل المصري يتجاوز بالوطن أفعالا أقل ما توصف به أنها جرائم، وأقوال يمكن وصفها بالحرب النفسية، وحالة من الصبر انتابت الشعب ومؤسسات في الدولة تعني إدراك حجم الأفعال وعجزها عن التأثير بل إنها أدركت أن بعد يناير 2011 لم يعد هناك من يملك اليد المطلقة للتصرف، ولكن يونيو ويوليو 2013 تفرض وضع الأمن القومي وكيان الدولة وتماسكها أولوية أولى على جدول أعمال الجميع.
ويبدو أن المسار في مصر يعاند كل محاولات العنف ويعاند موجات الحرب النفسية، فتاريخ مصر عبر آلاف السنين هو تاريخ مواجهة مع أعداء من الخارج، وما أن تنتهي المواجهة بدحر العدوان حتى تبدأ رحلة البناء.
خلال الأيام الماضية تردد في مصر صدى المصارحة والمكاشفة أربع مرات.
كانت البداية من الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان موجزا وحاسما، عندما تحدث عن خطاب الحقيقة، ومن يملكه، ووجوب أن تتم مكاشفة الشعب بكامل الحقيقة.
ولم يترك الأمر عند هذا الحد، بل عبر عما يدور في صدر المواطنين، خاصة عند الحديث عن مرشحي الرئاسة المحتملين مما هو مطروح على الشعب، ووصل إلى نتيجة مؤداها أنه لا يصلح منهم أحد، مقدما لذلك باحترامه للجميع، فما تحتاجه مصر لابد أن يملك المعرفة، ولديه القدرة على مواجهة التحديات، وكأننا بالرجل يقول بمعنى آخر إن مصر لا تحتمل تجربة رئاسة فاشلة أخرى.
ولم يكد يمضي يومان على هذا الحديث حتى كانت مفاجأة الحقيقة ترد على لسان الدكتور الشاب عصام حجي المستشار العلمي لرئيس الجمهورية في إجابته على سؤال هل هذا المنصب له احتياج أم أنه نوع من التجميل، ليجيب كصدمة كهربائية كما هو حال العلماء عندما يمسكون الحقيقة ولا يزينون أو ينافقون ويقول: "إن المشهد قبيح جدا ولا يجدي معه التجميل!!"، "التحديات التي نواجهها لا يمكن أن نحلها دون أن نفهمها، ولن نفهمها بغير العلم والمنطق، والحقائق التي نرصدها على الأرض لا تتفق وأي منطق"، "المرحلة الانتقالية من دون علم وتعليم هي الانتقال إلى المجهول"، "والحديث عن الديمقراطية من دون تعليم هو وهم"، "الحديث عن العلم والبحث العلمي ليس تشبه بالشرق أو الغرب، نريد فقط أن نتشبه بالبني آدميين!!"، "التعليم والبحث العلمي في مصر هو المشروع القومي"، ويمضي محددا أن مشاكل مصر هي الجهل والفقر والمرض وأنها مشاكل تشمل ما يزيد على %50 من الشعب، ولا يجدي معها الحديث في السياسة ولا حديث الحناجر، والتغير في سلوك المصريين مرده هذا الثالوث فليس عند %50 من الشعب ما يخسره، فصار الانفعال والعنف السلوك العام الآن. ويضرب أمثلة عديدة من المياه إلى الغذاء إلى المناخ وجميعها لا يمكن مواجهتها بغير العلم، ويتطرق إلى الاقتصاد، "نحتاج للانتقال من اقتصاد يقوم على الموارد إلى الاقتصاد المعرفي، الذي يقوم على الصناعة"، ويشير إلى أن الصناعة الأساسية في المجتمع المصري هي صناعة الزواج، واحتياجاتها هي مجال الاهتمام الأول ونشاط اقتصادي رئيسي.
ويقول الدكتور الشاب في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء "ناسا ومصر مكانان متشابهان جدا، كل شيء نعمله في ناسا في مقاييس أي إنسان عادي مستحيل، أن نصل للمريخ، أو نهبط على النيازك، أو نتحكم في رحلات الفضاء، كل ذلك مستحيل ولكنه تحقق، والشبه الثاني أن الإمكانات المتاحة لناسا قياسا على مهامها ومشاريعها تعتبر فقيرة جدا بالنسبة لما يجب توافره، وهكذا مصر، فالتعليم والبحث العلمي المشروع القومي يبدو مستحيلا والإمكانات تبدو ضعيفة، ولكن يجب أن نحققها وفي مدى زمني سريع ومحدد".
خطاب الحقيقة، وتحقيق المستحيل، كانا رسالتي المسئولية الأولى.
ويعقب ذلك خطاب لرئيس الجمهورية عدلي منصور، كان فيه الرجل يقول حديث الحقيقة عن التاريخ، ويربط بين الحاضر وإرادة استرداد الكرامة من بعد 1967، وكان أن أصدر قرارا بمنح اسم الفريق أول محمد فوزي وسام الجمهورية ونجمة الشرف العسكرية، وهو الرجل الذي قاد عملية إعادة بناء القوات المسلحة وقاد حرب الاستنزاف حتى وضعه السادات في السجن في مايو 1971، فأعاد للرجل الاعتبار. لم يتوقف عند هذا الحد بل أعطى إشارة البدء في العمل لإقامة محطة الطاقة النووية في الضبعة، ووضع محددات إقامة مشروع تنمية قناة السويس في إطاره القومي على الإطلاق.
ويمضي الرئيس المصري لحديث عن فلسطين، يعيدها إلى قلب الاهتمام المصري بعيدا عما أصابها من أثر ما تردد عن ادعاءات لحماس، ويتحدث عن أرض جرى احتلالها بعد 67 كاملة والقدس الشرقية، وهو حديث طال غيابه عن الخطاب السياسي المصري.
ويخرج تسجيل لحديث للقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع مع عدد من الضباط، حاولت جماعة الإخوان أن تجعل منه أداة اتهام للرجل، فجعلت منه كاشفا لرؤية تمسك بحقيقة نتائج يناير 2011، كان الموضوع تناول الصحافة والإعلام للقوات المسلحة، وكان رد الرجل "بعد يناير 2011 لم يعد هناك من يملك أن يقول لأحد هذا مسموح وهذا ممنوع، هناك تغيير في العلاقات داخل المجتمع، ويجب أن تتغير أساليب التعامل، وإن بناء الجسور بين مكونات المجتمع يجب أن تأخذ وقتها ويجب أن نتفهم ذلك، كان حديثا يؤكد ما كان ينقل عن الرجل ممن التقوه بعد يناير 2011، ووعيه بالمتغيرات التي تجري، وأكده موقفه في يونيو 2013، بل يمكن القول أكده إدارته للأزمة التي واجهتها مصر منذ يناير حتى اللحظة.
ويكلل الرجل في 6 أكتوبر كل ما يحدث في مصر باستدعاء مسئولية العمل من كل المصريين لأن مصر تستحق هذا وإن السلاح الرئيسي للإنجاز والتطور هو الصبر، ويعيد إلى الخطاب السياسي المصري معنى الانتماء القومي لمصر وارتباط المصير والمصلحة بين العرب جميعا، وهو معنى غاب بعد 1973، ودخول كمب ديفيد على علاقات مصر بالعرب.
علامات وسط دماء تسيل على الأرض المصرية حيث بلغ ضحايا يوم 6 أكتوبر 2013 أكثر من 50 مواطنا غير مئات من المصابين، وكأنه بالفعل هنا في مصر شعبان، شعب يريد البناء والأمن، وشعب يناشد أمريكا والناتو التدخل، ويرى أن كل المصريين وكل المؤسسات والجيش في حالة انقلاب عليهم، ولا يقولون لنا من هم ولا يكشفون لنا ما الذي قدموه للشعب غير الفوضى والكذب والانفلات الأمني واستدعاء الأجنبي.
هذه العلامات سبقها إعلان دستوري تكميلي بأن مهمة لجنة الدستور هي إعداد دستور جديد لمصر، وحسم الجدل من حول مهمة اللجنة، تعديل للقديم أم جديد.
وتبقى مهمة وجب الاقتراب منها وبعمق، وهي مهمة التطهير للدولة من آثار 30 عاما مع مبارك، وعام تحت حكم الإخوان.
ويتناقل البعض الآن أن ترشح القائد العام للقوات المسلحة المصرية لمنصب الرئاسة لم يعد اقتراحا، ولكنه في إطار الصحافة والإعلام هو خبر، فهل تحمل الأيام القادمة تأكيدا أو نفيا؟، أعتقد أنه سيبقى الاحتمال الأوفر حظا حتى إغلاق باب الترشح لمنصب الرئيس المصري القادم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6183
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026