رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المفارقات الغريبة أن يسأل البعضُ عن سبب التركيز على نقد الإسلاميين بشكل عام، والسوريين منهم تحديداً، بشكل أكبر من غيرهم، والواضح أن غيرهم هنا تشمل كل من يُمكن أن يندرج في خانة (العلمانيين).
فَهم الموضوع بهذه الطريقة إشكالي وقاصر، لأن أول أبجديات التفكير المنطقي تؤكد أن الجرعة الأقوى من المُساءلة والاهتمام من قبل الباحثين والنقاد المهتمين بالقضايا العامة يجب أن تكون دائماً لأكثر الشرائح تأثيراً في تلك القضايا. هكذا، بكل بساطة، يجب تأكيد حقيقة مفادها أن من ينقد الإسلاميين ويطلب منهم مراجعة رؤيتهم ودورهم وأساليبهم في التفكير والحركة (يعترفُ)، بممارسته، أنهم أكثرُ الشرائح تأثيراً في الواقع، خاصة في معرض الحديث عن الثورة السورية.
ينطبق هذا على شريحة واسعة ممن يمارس النقد غيرة على سوريا وعلى الإسلام، لكن الطريف في الموضوع أنه ينطبق أيضاً على غيرهم ممن يمارسون نقد الإسلاميين. فمتابعة هذا النقد وتحليله تُظهر أنه إما أن يأتي تعبيراً عن منطلقات أيديولوجية عُصابية، أو عن شوفينيةٍ ممزوجةٍ بمشاعر الإقصاء والديكتاتورية، أو بحثاً عن مصالح فردية وجماعية تتعلق بالسلطة والمال والنفوذ، أو صدوراً عن خوفٍ كامنٍ في الأعماق من الإسلاميين، أو عن كل تلك الأسباب مجتمعة. لكن كل هذا يعني أنهم (مهووسون) بالإسلاميين، والسبب هو أن هؤلاء هم الأكثر تأثيراً على الواقع في نهاية المطاف.
فمن البدهي أن النقاد لن يتركوا هؤلاء ويهمتموا بمن يكون تأثيره هامشياً أو معدوماً.
بهذا التحليل، يبدو الإسلاميون أنفسهم، برفضهم المتكرر للنقد الموجه إليهم، واقعين في تناقضٍ منهجي متعدد الأبعاد. فإما أنهم لا يعتبرون أنفسهم الأكثر تأثيراً في الواقع، مع أن كلﱠ ممارساتهم العملية وتصريحاتهم تؤكد عكسَ ذلك. أو أنهم مؤمنون بدرجة تأثيرهم الحقيقية، لكنهم فعلاً يرفضون النقد لمجرد رفضه أياً كان مصدره، ولأسباب فصلنا الحديث عنها في مقالٍ سابق.
ثمة مفهومان هنا يحتاجان لتوضيح، فالحديث عن درجة تأثير الإسلاميين السوريين في واقع الثورة لا يعني بالضرورة أن هذا التأثير إيجابي، وإلا لما كان للنقد معنى.
ثم إن استخدامنا لمصطلح الإسلاميين، وتحديداً في الوضع السوري، يستهدف تلك التجمعات والتنظيمات والأحزاب التي تكاثرت كالفطر في المجالات السياسية والعسكرية والدعوية، وهي تؤكد، بلسان الحال وبلسان المقال، تصديها لقيادة الثورة وتمثيلها وتمثيل السوريين.
ولا يدخل في نقدنا لمن نَصِفهم (إسلاميين) ملايين السوريين المسلمين بالتأكيد. كما لا تدخل فيه شريحةٌ واسعةٌ، لكنها ليست مؤطرةً في أي هيكلٍ تنظيمي، من السوريين الكتاب والمفكرين والنشطاء والمثقفين، الذين ينطلقون في تفكيرهم وحركتهم من مرجعيةٍ إسلامية بشكلٍ أو بآخر.
بل إن الغالبية العظمى من هؤلاء يطرحون، على المستوى الفكري، ويقدمون نماذج عملية، هي بمجموعها أقرب لتمثل قيم الإسلام ومقاصده الحضارية الكبرى. وكثير منهم يمارس ابتداءً نقدَ الفهم الإسلامي التقليدي السائد، ويدعون للمراجعات، ويرفضون كثيراً من دعاوى احتكار الإسلام من قبل أي جماعة أو حزب أو فصيل.
أهمﱡ من هذا، ثمة احتمال كبير بأن اجتماع هؤلاء في تيارٍ فكري وثقافي أكثر تنظيماً، وتزايد درجة تواصلهم وتنسيقهم، وصولاً إلى تجميع عطائهم وإيصاله إلى السوريين بشكلٍ مؤسسي أكثر فعالية، يمكن أن يكون أحد مداخل حلول التعامل الفعال مع الإشكاليات التي يُسبِّبُها (الإسلاميون) بمعنى المصطلح المذكور أعلاه.
وإذا كان لنا أن نستخدم، تجاوزاً، المدخل الفقهي في هذا المقام، فقد ينقلبُ مثلُ هذا النشاط في حقِّهم (فرضَ عين) للمرابطة في ثغرٍ لم يعد يمكن تغطيته بمداخل (فروض الكفاية).
إن (غياب التراكم المعرفي) يُعتبر مشكلة المشاكل في حياتنا الثقافية والفكرية. فمثل هذا التراكم يُعتبر عِمادَ عمليات التغيير والتطوير الكبرى في المجتمعات التي تتحكم أنظمتها السياسية والاقتصادية بمفاصل النظام العالمي المعاصر، وذلك من خلال استفادة هذه الأنظمة من التراكم المذكور وما يضخُّه فيها من مُعطيات وأدوات وأفكار.
بالمقابل، تطغى الفردية الصارخة على عمل المثقفين والمفكرين والباحثين والكتاب العرب عموماً، لكن الفردية هذه واضحةٌ جداً فيما يتعلق بعطاء وإنتاج الشريحة التي نتحدث عنها من السوريين غير الحزبيين ولا المنظمين، ممن يفكر ويكتب ويتحرك بخلفيةٍ إسلامية.
إذ يندر في مثل هذه الظروف الحساسة أن تجد تعاوناً جدياً بين أفرادهم، ولا أعتقد مثلاً بوجود بحثٍ أو كتابٍ أو ورقةٍ اجتمع على العمل فيها باحثان منهم، وتتعلق بواحدةٍ من المسائل العديدة المتعلقة بالثورة، وإن كان يُعالجُها، جميعها تقريباً، كل واحدٌ منهم بمفرده، عبر كتابٍ أو مقالٍ أو مشاركةٍ (فيسبوكية) أو تغريدة..
وإذا كان هذا مقبولاً بحكم أمرٍ واقعٍ له ظروفه وملابساته قبل الثورة، فإنه يُصبح أمراً متناقضاً مع كل منهجيةٍ تَحكُمُ عمل المثقفين من جهة، وتنبثق من فهمٍ أصيل لقيم الإسلام من جهةٍ أخرى، خاصة بعد أكثر من ثلاث سنوات من عمر الثورة، باتَ واضحاً فيها لهم أين تكمن المشكلة ومن أين تبدأ مسيرة البحث عن الحلول.
لا تبدو ثمة حلول ناجعة لدى (الإسلاميين) بتوصيفهم المذكور أعلاه. ولا تبدو الغالبيةُ العظمى من العلمانيين، السوريين تحديداً، في مقام القدرة على تقديم مثل تلك الحلول. وإذا كنا قد فصَّلنا الحديث عن الشريحة الأولى في أكثر من مقال سابق، فإن قلة تركيزنا على الشريحة الثانية تأتي انسجاماً مع المقولة الرئيسية الواردة في أول المقال، فهم الأقل تأثيراً فيما يجري على أرض الواقع، والطريفُ أن شكوى بعضهم المستمرة من الإسلاميين تحمل مؤشراً على تناقضٍ آخر قد يكون أسوأ من ذاك الذي يعيشه الإسلاميون.
وإذا كانوا يتهمون الإسلاميين بأنهم يغسلون أدمغة السوريين بالغيبيات ويشترون ولاءهم بالعواطف والشعارات، فإن هذا يستدعي ملاحظتين. الأولى تتمثل في شبهة إلقاء التبعة واللوم على الشعب السوري الذي كثيراً ما يتغنون بوعيه ووطنيته، في حين أن كلامهم يحمل شبهة نظرة دونية لشعب تلك صفاته. ثم إن هناك سؤالاً كبيراً قد يدل على حالة من الإفلاس الثقافي والفكري والتنظيمي لديهم، لأن عليهم أن يسألوا أنفسهم أين ذهب زادهم الفكري ومؤونتهم المعرفية التي كان يجب أن تجتذب عقول وقلوب السوريين، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف نوعاً من الهروب الكامل.
ثمة من ينظر إلى الموضوع، في صفوف من يُصنفون علمانيين، ويحاول معالجته بمقاربة مختلفة تماما. وقد يكون في طروحات هؤلاء، وفي تعاونهم مع شريحة المثقفين والباحثين المستقلين من خلفية إسلامية، مدخل لفتح نافذة لتصحيح مسار الثورة.. هذا ما سيكون موضوع كلام قادم.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
90
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
72
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
63
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2892
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1347
| 13 مايو 2026