رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مازلت أتذكر تلك القصة الحقيقية التي قرأتها والتي تمّ تمثيلها وعرضها في دور السينما، قصة أحد الأزواج الذي علم من طبيب زوجته أنها مصابة بمرض عضال وأنها سوف تعيش لمدة سنة واحدة فقط، حينها لم تكن الزوجة تعلم عن ذلك، فقد حرص الزوج على تكتم الموضوع، تبدل الزوج تبدلا رهيبا، فأصبح الزوج الرومانسي الرائع، الذي يفتتح نهاره بقبلة على جبين زوجته، ويختتم ليلته بقبلة على يديها، أصبح لسانه معسولا، فلا تكاد تخلو عبارة من "حبيبتي" أو "يا حياتي" أو ماشابه ذلك من كلمات الحب والوداد والرحمة. كان يمنحها ما كانت تتمنى طوال حياتها من هدايا، وكان يتفنن في مفاجأتها وتقديم الهدايا لها. حتى مرّ العام، وذهبا إلى الطبيب كمراجعة عادية ليصدم الطبيب أنها شفيت من المرض تماما! حينها قلت في نفسي: صدق من قال إن الأمراض العضوية هي أصلها نفسية. عزيزي الزوج، إن كنت تملك تلك المواهب كلها في إظهار المشاعر لزوجتك، والفن العظيم في تقديم الهدايا وصياغة العبارات والقبل، لم بخلت عليها طيلة أيام زواجكما التي مضت؟، ما فعلت ذلك إلا حينما أدركت أنها مغادرة دون رجعة. فأي بخل هذا؟ وأي نوع من البخلاء أنت؟
حكت لي صديقة سعودية مرّة، والتي قدّر الرحمن أن أتعرف عليها في رحاب الحرم المكي، أن زوج أختها الكبرى لم يقل لها كلمة حب واحدة طوال حياتهما الزوجية، حتى لحظة الوداع وهي تحتضر من سرطان عانت منه سنوات عديدة — حفظ الله الجميع من سائر الأسقام —، صرّح فيها الزوج السعودي بأنه لن ينساها وسيبقى يحبها، بينما كانت — رحمة الله عليها — تشتكي طوال حياتها من فتور الارتباط، وجمود العلاقة وجدّيتها، ورغبتها في سماع كلمة رقيقة كما في الأفلام، كأن تسمع "أحبك" في نهاية المكالمة، بدلا من أن تسمع "طووووووط" حيث كان يغلق السمّاعة مباشرة بعد أن يرتل عليها الأوامر والنواهي، دون أن يكلف نفسه حتى بأن يختم المكالمة بـ:"مع السلامة". مازلت أتذكر ملامح وقسمات صديقتي حين يممت وجهها نحو الكعبة وهي تبكي وتدعو لأختها، التي لم تر الراحة ولم تشعر بالسعادة في كل أطوار حياتها. فلم البخل في البوح؟ ولم البخل في التعبير، ولم الحرص على عدم إظهار المشاعر؟ حتى ما إذا تمّ الإفصاح يكون ذلك في لحظة الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى، ويعلم الله إن كانت قد استطاعت هذه الزوجة تلقي تلك الكلمة وهي في مرحلة تحشرج الروح! فأي بخل هذا؟ وأي نوع من البخلاء أنت؟
المؤلم أن هناك أشخاصا في الحياة، حين يصيح هاتفهم الجوّال ويكون المتصل هي الزوجة/الزوج، فإن الملامح تتشقلب، ويرد بطريقة فاترة وكأنه قد شرب الحنظل المرّ، ولا داعي أن أذكر لك الترحيب الشديد والتهليل الطويل حين يكون المتصل صديقا.. فكيف ولماذا ولم؟ أوَليس الأقربون أولى بالمعروف، أوَليست المعاملة الحسنة أولى درجات المعروف.. فأي بخل هذا؟ وأي نوع من البخلاء أنت؟
أستاذي في الأدب، رائعٌ جدا، على مستوى عال من الدين والخلق، يحب زوجته حبا جما، يتفنن بكل الطرق في التعبير عن الحب لزوجته ولا يحول بينه وبين التغزل بها أي أمر، بل ويبدع في ذلك، بقصائده ونثره، وخواطره، وحتى كلماته العامية البسيطة، ومؤخرا علمت أنه هو صاحب كلمات نشيدة "زوجتي" التي أنشدها المنشد "أبو خاطر" والتي انتشرت انتشارا كبيرا، وعرف هذه النشيدة القاصي والداني. ولا عجب فكلماته الصادقة لزوجته تستحق الانتشار والنجاح. حفظ الله أستاذي فداء الجندي، لهو الرجل الكريم، كريم الأقوال والفعال..
الكلمات الجميلة الرقيقة، هي بمثابة البلسم الشافي، مهما توترت العلاقة ومهما تكالبت عليها المسؤوليات ومهما عانت من المشاكل المادية. الكلمات الحانية كلماتٌ مجانية، تجمل العلاقة وتبعثر آلامها وتشتت مشاكلها، ناهيك عن الأجر العظيم، فتلك هي الكلمة الطيبة التي لا تتنافى مع الأديان كلها والمذاهب جلّها، ولا تناقض الأخلاق في كل بقاع العالم، لها مفعولها السحري، وأثرها العميق.
يظن البعض، أنّ ذلك دليل قوة، حين يكتم مشاعره، ويغلف فؤاده بغلاف الفتور ويصون لسانه من كل كلام ليّن حان، جاهلا أنّ في ذلك ضعفا شديدا وبخلا عنيفا. لعلي من الموقنين أنه لو كان الجاحظ في زماننا لألّف كتابه البخلاء مرة أخرى، ولكنه في هذه المرّة لن يذكر لنا قصص بخلاء الدراهم والدنانير، ولكنه سيذكر قصص بخلاء المشاعر، فهم أعظم دنواً من بخيل الدرهم والدينار.
اللهم باعد بيننا وبين البخل كله كما باعدت بين المشرق والمغرب.. اللهم آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1674
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
834
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
648
| 31 ديسمبر 2025