رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تذكرت مشهد وضع فيه خروشوف حذاءه فوق منبر الأمم المتحدة وطرق به المنبر متوعدا أمريكا عام 1960، وحديثا لنتنياهو في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يشرح لهم ما تقبله إسرائيل من إيران وما لا تقبله والجمعية العامة على رأسها الطير، وكأنه يضع حذاءه فوق المنبر، وكأن إسرائيل هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم مطلقة الإرادة في فعل ما تشاء وقتما تشاء وحيثما تريد، والأمثلة بلا حدود ودون أي رد فعل من عالم أكلت القطط ألسنتهم وطحنت أمريكا إراداتهم، وتمثلت الرئيس المنتخب وكأنه يضع نعل حذائه في وجه كل قوى المجتمع المصري، متناسيا أن نعل حذائه يحمل من الثقوب ما لا حصر له، وأنه ملطخ بدماء شباب وثورة، وإن فتح الباب أمام حديث الأحذية لا رادع له، وإن الشعب قام بإزاحة رئيس سابق في مواجهة قوات أمنه التي عجزت عن الصمود أمام إرادة الشعب، ولم يكن الشعب قد استخدم أحذيته بعد.
الإخوان ليسوا ذئاب المجتمع وغيرهم من الحملان، ولكن الحقيقة أن مصر ورثت بعد الثورة الشعبية، قطيعا من الأحزاب والجماعات والنخب السياسية، أقل ما يوصف به أنه غريب عن ثورة الشعب، وأن السبب الحقيقي لوجودهم هو الفراغ الذي نجم عن ذهاب الحزب الحاكم السابق، وعدم وجود تنظيم للثورة يتحمل مسؤولية أهدافها ويملك رؤية لتحقيقها ويحشد قوى المجتمع وراء هذه الأهداف.
لم يكن المجلس العسكري هو راعي هذا القطيع، ولكن الحقيقة أن أمريكا هي الراعي، وأمريكا تبيع القطعان التي ترعى عندما يحين وقت ذبحها.
هذا القطيع استشرى في بدن مصر الدولة كفيروس الإيدز الذي يقضي على المناعة الذاتية للجسم البشري، بعد أن استحوذت عناصره الحديث باسم الثورة والديمقراطية والبكاء على الدم المسفوك فوق الإسفلت، سواء تحت رايات دينية أو رايات غير دينية.
أحذية وقطعان وفراغ يملؤه غير المهيئين له والموقف يتداعى والكل يلهث، والأفق ملبد بغيمة الذكرى الثانية للخامس والعشرين من يناير، والحوارات على برامج التلفزيون صارت كحالات الاجترار ولا تحمل جديدا، والمشاهدون يجرون إلى برامج تحول ألفاظا نابية متداولة في الشارع إلى كلمات مقبول أن تقال على مسامع الملايين، والسخرية من الذات صارت مبعث الضحك وكأن حالة الهوس بلغت مداها.
الإخوان والجماعات الإسلامية قضت عمرها في الظلام وتحمل فوق كتفها أوزار القتل في تاريخها، والتعامل مع الأجهزة داخليا وخارجيا، فتخبطت وانكشف وجهها الحقيقي وما تضمره تجاه وطن وأمة واتضح أمامها عدم قدرتها على هدم الهوية المصرية ولكنها هدمت أسماء كانت تمثل داخل المجتمع نوعا من الانحياز ضد السلطة السابقة عندما انحرفت بهم كما جرى مع البشري والغرياني ومجموعة القضاة المستقلين، بل إنها تجاوزت كل ذلك وتجرأت على إحداث فتنة داخل الدين الإسلامي ذاته، وتتوعد وتكذب، وكما سرقت الثورة، سرقت الدستور، وكما أشعلت وأججت الفتنة بين الشعب والجيش، ها هي تنادي بحق ليهود مصريين أن يعودوا لمصر متهمة جمال عبدالناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954أنه طردهم من مصر على غير الحقيقة والوقائع التاريخية، وفي الوقت ذاته يجري وأد حقيقة الخطر الكامن في إسرائيل، بل بلغ الأمر حسب خبر عاجل من سيناء أن الإخوان والجماعات الإسلامية تحرض مشايخ سيناء على الجيش المصري، وتجاوز الأمر كل هذا إلى تحريض من عناصر إسلامية ضد عدد من الأسماء التي تنتسب إلى شباب التحرير ويصاب أحدهم بطلق من الخرطوش ينتشر بوجهه ورقبته وكاد أن يصيب المخ، ومازال تحت العلاج وآخر بثلاث طعنات في البطن وتم علاجه، هل هي نقلة جديدة بعد مواجهات 5 ديسمبر أمام الاتحادية عندما هاجمت جماعات من الإخوان المعتصمين هناك وتقتل 10 من المعتصمين، أم أنه انفلات وليس مخططا؟ وسواء أنه عمل منظم أو هو انفلات فإن تحقيقات الاتحادية تعرضت لمحاولة الإجهاض من النائب العام الجديد الذي عينه الرئيس المنتخب. ورغم كل ذلك فإن الإخوان ومن معهم ليسوا بالذئاب، بل هم ضمن قطيع الراعي الأمريكي.
الإخوان ومن معهم ليسوا بالأقوياء وليس وراءهم من يدعمهم، ولا أدل على ذلك غير حرق مقارهم ووقائع الإسكندرية والمحلة الكبرى عندما كانوا يلوذون بالفرار أمام جماهير غاضبة، وهم أيضا لا يملكون قوة تتمثل في القدرة على إدارة دولة، والغريب أن الراعي الأمريكي ينصحهم بعدم الاعتماد على الأغلبية التي تحققها الصناديق فهي حتى اللحظة لم تحدث توازنا لصالحهم، بل رغم الأغلبية منذ استفتاء 19 مارس حتى استفتاء الدستور، فإنهم فقدوا القبول السياسي والاجتماعي بين الشعب.
ومن يقف في مواجهتهم، يفتقد أيضا ظهيرا شعبيا، بل انكشف أمام الشعب وعناصر الثورة، واختار ذات لعبة الصناديق، وهو لا يملك أدواتها، بل واكتفى بالأسماء والعداء للإخوان والتيارات المتحالفة معهم كمبرر للبقاء، فخسر قيمة أن يطرح رؤية ليس امتناعا عن ذلك، ولكن لأن ذواتهم البشرية عششت كما العنكبوت داخل العقول وصارت شخوصهم والسلطة والصندوق هي الوطن.
الكل يسهم في اغتيال الوطن... ولا أستثني منهم أحدا.
المشهد يحفل بصور تستدعي الرثاء..
1. لا أستطيع الحصول على نسخة كاملة للدستور الذي جرى الاستفتاء عليه.
2. أن قانون الانتخابات الجديد تجري صياغته بين وزارة العدل وبين مجلس الشورى الإخوانيين، وسيتم إقراره، ونحن ننتظر حكم الدستورية بشأن مدى صحة مجلس الشورى يوم الثلاثاء 15 يناير.
3. أن التناطح بين الإخوان وحلفائهم وبين الأزهر والقضاء والإعلام مستمر وبكل الإصرار والخروج على المألوف.
4. أن أعضاء النيابة في مصر يواجهون تعيين النائب العام ويصفونه بأنه تعد على السلطة القضائية التي توجب أن يختار المجلس الأعلى للقضاء النائب العام، والرئيس المنتخب مستمر في عناده، وهاتوا آخر ما عندكم!!
5. أن عناصر في الإعلام بدأت مؤخرا بناء جبهة في مواجهة الاعتداء على حرية الصحافة والإعلام.
6. أن يخرج مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية والذي أصبح بديلا لوزير الخارجية، ومعه رئيس جهاز المخابرات إلى دولة الإمارات العربية، لبحث أمر القبض على 11 مصريا اتهموا بتكوين خلية إخوانية، بينما هناك ما يزيد على 300 مصري لم يجدوا من يبحث أمرهم هناك.
7. أن اقتراح العريان بشأن اليهود المصريين الذين خرجوا من مصر وحقهم في العودة، لم يكن من بنات أفكاره، ولكنه رد على مطالبة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في أكتوبر الماضي بحل أزمة 850 ألف من اللاجئين اليهود في إسرائيل والذين أخرجهم العرب من بلادهم، وحقهم في العودة والتعويض، وتذكرت استجابة بيجن للسادات.
8. أن دعوة تصم الآذان بإصدار صكوك أعلنوا أنها إسلامية، ترهن أصول الدولة، ومازال الأزهر يرفضها.
ليس هناك طريق سهل أو مختصر للوصول إلى القوة الثالثة التي تعبر عن إرادة الشعب في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ولكن وجود القوة الثالثة صار ضرورة لإنقاذ الوطن من الاغتيال، فهل يخرج من 25 يناير القادم بداية جديدة للقوة الثالثة.
قالت مهندسة شابة بحكمة فاقت حكمة المسنين والنخبة والساسة:
لو كان للثورة قائد أدرك أهدافها وامتلك الإرادة التي تعبر عنها، وحقق ما نصبو إليه، لنجح خلال العامين الماضيين أن ينجز إنجازا رائعا، ولكن الإنجاز المادي فوق الأرض كان سيفقدنا حالة اليقظة الشعبية...
وأكملت: الآن تنكشف الحقائق أمام الشعب، نعم نحن ندفع ثمنا متكررا لما كنا نطالب به، ويضيع منا زمن نحن أحوج ما نكون إليه، ولكن هذا ثمن مضاف ليبقى الشعب في حالة اليقظة ويقبض على أمره بيده ويحول دون إعادة بناء جدار الخوف،
حقيقة هو جيل يثق في نفسه ويرى أن البناء الشعبي لأهدافه وتحقيقها هو سبيل الاستقرار، هذا جيل لا يهزم، جيل رأى أنه لا فارق بين من قفز للسلطة ومن يقف معارضا لها.
جيل يبحث عن البديل، ولا يجد فيما هو مطروح عليه بديلا.
جيل يعيد صياغة ذاته وما حوله ويرفض القائد الفرد، ويطالب بالرؤية الواضحة لتحقيق الوجود قبل الحديث عن الأسماء.
جيل روى واحد منهم، عن ابنه وعمره 13 عاما قال لأبيه: أنا لا أخاف من شيخ بدقن أو شيخ ببندقية!! فكيف وهذا حال الأحفاد أن يكون حال آبائهم؟
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4665
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2616
| 08 سبتمبر 2026