رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل مرحلة تاريخية تحتدم بهموم عديدة وتحديّات جمّة، يبرز في العادة: سؤال يختزل روح المرحلة، ويكتنه سرّها اللحوح، ويجسّد هاجسها. وغالبًا ما يتكوّن السؤال من جمعِ أسئلة صغيرة وغزيرة وقلقة وغاضبة ومتطّلعة ومصقولة وأخرى غير مكتملة، يأتي مُحمّلا بالتناقضات التي لا تعبّر إلا عن واقعٍ معقّد، وهذا شأن الحال، وشأن كل حال، ومهما نزع الإنسان إلى تبسيط الأشياء وتقريبها من صورةٍ يفهمها، تظل مسائل الحياة مُركّبة، تقتضي حَلاً مُركّبا. هو السؤال الجامع، الإطاري، الذي تنضوي تحته عصارة عقل الإنسان الحسابيّة: فهمه، وقياسه، وترجيحه، وتأكيده، وتحسّبه، ونبذه.
وتنتظم صفوة انفعالاته العاطفيّة: شوقه، وخوفه، وحبه، وكرهه، واهتياجه، وتهلّله. وتنداح حصيلة تراكماته الروحية: حلمه، وأمله، وأناته، وظمئه، وصبره، وإيمانه. يصل أحيانًا مجلجلا على هيئة ثورة، أو صارمًا على شكل إصلاح طال أمده، أو صموتًا ينساب بين أصابع الحديث العام المتداول.
في أشد الظروف ينطلق هذا السؤال مُتساميًا، يشرأبُّ عنقه نحو المُثُلِ العليا، يريد القضاء على كل مظاهر التردّي في ثانية، وخلق مدينةٍ فاضلة آنية، يحضر جامحًا لا يعبأ بمتانة العوائق، ولا بمسألة الزمن، ينزع نحو تمثُّلِ دورِ الطوفان الموعود، الذي سينفض كل شيء، ويعيد بناء كل شيء، ثم إمّا ينكسر أو ينحسر أو يعقّد الموقف أو ربّما ينجح ولكن بعد أن يصنعَ مشكلات جديدة وعوائق أخرى تختلف في النوع وتتفق في النسبة.
أما السؤال الذي يحلّ لا جاثما، ولا فضفاضًا، بل يَفِدُ مُفصّلًا على جسد اللحظة، يكون في كثير المواضع: سؤال الغَرْس، الذي يستشعر موقعه الزماني، ويدرك غاية الإدراك، ليس بالضرورة أن يكون الحاصد القاطف.
وهو من قبيل الأسئلة المرنة، التي تُجسّد فكرة المدافعة، وأن واقع الحياة داخل الحدود الاجتماعية والسياسية ليس روضًا مربعًا خالصًا، ولا جردًا قاحلًا دائمًا، إنما وليد المواسم وتقلّباتها، ورهن الأيادي التي تحاول أن تضبطه وتشكّله. فمن منظور تنزّله وتعاطيه واشتباكه مع الواقع، ينطوي هذا السؤال على قناعة مفادها بأن فرص التغيير وموانعه تمثّل أطوارًا من الصولات والجولات، التي ينبغي فهم طبيعتها، ومراعاةِ منطقِها، والتأهب لورودها، والنأي عن توهّمها، فما كلُّ موجةٍ تُركَب، ولا كلّ نسيمٍ تُفتح له الأزرّة.
بيد أن مسألة استحضار هذا السؤال تظل عصيّة، وإتقان تكييفه يبقى مُتجاذَبا بين سطوة النسيان وقصور الاستيعاب وفرط الاستعجال وشدّة التعطّش؛ وليست هذه الجوانب تقلل من قيمته، أو تهمّش من ضرورته، أو تلغي الحاجة إليه في كل وقت ومكان، فهو سؤال البقاء والذهاب، بقدر ما هو سؤال الطلوع والأفول، والنشاط والضمور. وجميع ذلك منطبع في هاجس العهود وإن اختلفت، والعصور وإن تباينت، والفترات وإن تباعدت، فنجده سؤالاً ينبعث في كل مجتمعٍ بين تصرّمٍ وأوبة، ويُنقل على ألسنة الأفراد بين تكتّمٍ وإعلان، وهلم جرّا.
أما ذلك السؤال الصموت الخِفر، الذي مهما تطاول وامتد وتراكم وتشعّب، لا يظهر إلا مثل ومضات البرق المتقطّعة، لهو أكثر الأسئلة خطورة، فسكوته الطويل من الوارد أن يحتال - فجأة - إلى دويّ مُربِكٍ ومفاجئ، لا يمكن احتواءه بطريقةٍ صحية، وانحباسه في غوائر النفس، بين عجزٍ وكبت، من الجدير أن يورّث طباعًا تستأنس بالركود، وتركن إلى اليأس؛ وتفشّيه غير المباشر عبر جملة من التفاعلات الاجتماعية والثقافية والإنسانية، من الممكن أن يتراكم بعشوائية، مُشرّعا الباب لخلط الأولويات وتضليل البوصلة.
وفي سياقنا الحالي، الحافل بالمفاجآت، والذي تتقاطع فيه طموحات الفعل والإرادة بإكراهات البنية والجغرافيا، أصبح من اللازم أن نبحث عن السؤال الذي يضم المتناثر منا، ويلم الشعث فينا، فيجعلنا نتعرّف على ما ينبغي أن نتعرّف عليه، كضرورة وجودية مُلحّة، يفرضها المسار الراهن المتغيّر، ثم يوزعنا أن نتبيّن موقعنا من التاريخ، تبيّنًا حاسِمًا، وأن نعرف قدر وعينا، وحجم صدقنا، ومساحة إمكاننا.
ليس من أمّة إلا ولها سؤالها الخاص بها، ولا تمنع خصوصيّته، أن تتشابه بعض أجزائه بأجزاء أسئلةِ أممٍ أخرى؛ ولكنّه السؤال الذي يعكس خصائص السياق المُعاش، وقضايا الإنسان الذي يعيش في داخله ويتأثّر به ويصنعه. ومن الأخطاء التاريخية الجسيمة: أن تنزلق أُمّة أو يتصدّى أفرادها للإجابةِ عن سؤال لا يمثّلها، فتنفرط سوانح الدهر بين يديها سُدى، وهذا الخطأ يظهر ويتكرر كأحدِ إفرازات العولمة. فلا ثمّة محيد أن نبحث عن السؤالِ الصائب، بوصفه اكتشافا متجددا، السؤال الذي يوقظنا من السُبات، يقظة أبديّة، فينطلق بنا من تفاصيلنا الصغيرة، وصولًا إلى التصوّرات الواسعة.
السؤال المُلحّ الذي نصل إليه، كي نجيب عليه، ونبحث عن سؤال صائب يتبعه.
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3759
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1950
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1769
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026