رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسفر صباح العيد وتهيأت للغدو إلى صلاته بعد صلاة الفجر والتمتع بهتاف التكبير فيه كما هي السنة.. هذا التكبير الذي يبدأ بسرد معاني العيد لا الوقوف على العيد نفسه فالله أكبر من كل شيء ولكن حال خروجي من المنزل نظرت إلى شاشة تليفزيون أورينت فإذا برنامج مختصر فيه إبداع الرسوم والكاريكاتير عن أطفال من سورية يسأل أحدهم أمه أين أبي فتجيب: يابني ذهب والدك إلى الجنة وطفلة تسأل أين أخي والجواب انه حي سيعود ولكن! وأم تبكي منتحبة على بنت لها في ميعة الصبا اختطفها الشبيحة في حمص وقد جاء العيد ولكنها لم تعد وتبكي الملوعة وتبكي وهي تذكر قصة مأساة زينب الحصني الشابة وماذا فعل بها من التقطيع أربع قطع والتشويه من قبل عصابة المقاومة والممانعة كذلك في عاصمة الثورة السورية بحمص الأبية التي لم تركع للمغول فهل ستركع لهذه الطغمة؟ خرجت إلى المصلى والحزن ممتزج بالسرور الذي يجب أن نشيعه ولو قليلا في العيد ثم قلت في نفسي: إن الشباب الحر في سورية يوم وقفة عرفات وقد سقط منهم أكثر من ثلاثين شهيدا أخذوا يزفونهم بكل فرح إلى الجنة فلماذا لا أفرح وقد هل يوم النحر عيد الأضحى وزف عشرات من الشهداء كذلك حتى تمنيت أي والله أن أكون واحدا منهم فطوبى وألف طوبى.
وعدت من صلاة العيد والتفكير لم يتوقف في خاطري وأدرت قناة الجزيرة فإذا الشبيح الأكبر ومعه وزير النفاق ومفتي الفساد في مسجد النور بمحافظة الرقة وليس في المسجد الأموي في دمشق ولا تسأل عن نفاق خطيبنا الشبيح الصغير الذي تزيا بزي العلماء وأخذ يكيل المدح والثناء لصاحب الإصلاح والمبادرات والسيد الذي يجب أن يكون المطاع وقد تناسى إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في عرفات ويقول: واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله أي وسنة نبيه، وكان قد ذكر الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة في حجة الوداع عند التعليق على هذا أن الحاكم إذا لم يقم بكتاب الله ويحكم به فلا طاعة له على الرعية ولا حصانة له ولا امتيازات ويا ليته كان ممن وافق قوله فعله ولم ينزلق مع أولئك الشبيحة ليكون العلم حجة عليه لا له، لكن نظرت في الصورة المقابلة وإذا بخطيب عالم رباني في بلدة جرجناز بمحافظة أدلب يقول: إن عمره قد بلغ الآن ثمانية أشهر فهو بعمر الثورة السورية ليؤكد أنه لم يكن مولودا على وجه الحقيقة منذ العقود الأربعة الاستبدادية في عهود الشبيحين الأب والابن، ففرحت وارتقت معنوياتي وزاد فيها أنه بعد انتهاء الصلاة من مسجد النور ابتدأت مظاهرات تهتف بسقوط الشبيح الكبير حتى قطع البث.. كل ذلك أقنعني أن العيد يعود ليعلمنا دروسنا في الاصطفاف مع الأحرار لا مع الأشرار وهكذا يمتزج الحزن بالسرور في العيد ولكن الذي لم يغب عن خاطري البتة وأنا والعرب والمسلمون والعالم نعيش موقف الجامعة العربية في مبادرتها الأخيرة التي هبت على غير عادة لحل ما أسمته الأزمة السورية اليوم وكانت من قبل تميل بتوجه أمينها العام نبيل العربي إلى عدم نزع شرعية أي زعيم عربي مع تأييد بشار والانخداع بإصلاحاته الخلبية قلت: لعل الأمر تغير واشتعلت نيران الغيرة والحماسة في صدور مسؤولينا العرب من جديد بعد أن تمادت عصابة دمشق وعاقرت القمع وبعد إعطاء مهلة أسبوعين لها قتلت فيهما 410 شهداء فضلا عن الجرحى والمعتقلين في ربوع سوريا وخاصة في حمص وتم اللقاء في القاهرة ووافقت سلطة دمشق بلا تحفظ على شروط المبادرة التي أهمها إيقاف العنف فورا وسحب الدبابات والأسلحة من المدن والبلدات والأحياء وإطلاق سراح جميع المعتقلين بسبب الاحتجاجات ثم بدء الحوار مع المعارضة وقد أحسنت في طرح هذه البنود التي هي مطلب الشارع في قسم منها لكن الأهم منه في ذلك أنها لم تتضمن أي نقاط لضمانات تنفيذ الخطة والاستجابة الفورية التي أعلنتها وكذلك لم تحقق مبدأ المحاسبة لكل القتلة الذين أزهقوا أرواح المتظاهرين العزل والمدنيين وهم بالآلاف وعلى رأس القتلة الشبيح الأكبر وأخوه وعصابتهما ولذلك فإن الخطأ في هذا كان خطرا لم يستوعب درس الشرع ولا القانون ويضاف إليه أنه أعطى الظالم مهلة أسبوعين أيضا لبدء الحوار، فإذا باللؤماء يزيدون في قمعهم وقتلهم وقصفهم بالطائرات والدبابات وقد سقط أمس واليوم 48 شهيدا وخاصة في بابا عمرو بحمص، ألم يتذكر المسؤولون في الجامعة كيف اتصل رأس العصابة بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل أشهر وهو يؤكد له أنه غدا سوف يسحب الجيش والدبابات من الشوارع ثم لم يفعل حتى علق كيمون بقوله: إن الرئيس السوري ليس بصادق، قالها غاضبا وهو لا يعرف أنه:
كانت مواعيد عرقوب لهم مثلا
وما مواعيدهم إلا أباطيل
والآن نقول لأرباب هذه الجامعة ونحن نقرأ في الأخبار إذا صدقت ان الجامعة تعتبر أن سوريا لم تنفذ خطة الجامعة العربية فلعل ذلك يعدل من الموقف ويدين النظام ليفتح بابا جديدا من الحلول التي نبه نبيل العربي أنها ربما تكون كارثية تجاه سوريا حيث لم تلتزم ولذلك لم نجد عجبا أن يكون رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها حمد بن جاسم يؤكد أن المهم هو تطبيق مبادرة الجامعة لا مجرد الموافقة عليها وعندما سئل عن تهديد الأسد للمنطقة وإحراقها أحسن في الإجابة: إننا لا نريد اللف والدوران بل نريد إصلاحات جدية وباعتبار ان قطر هي رئيسة هذه الدورة للجامعة فقد اعتبر حمد بن جاسم رئيس الوفد المتابع ان الجامعة في انعقاد دائم، ولكننا مازلنا نرى أن الدم السوري في نزيف دائم ولذلك فلعل المهلة خفضت حيث قرأت في الأخبار الآن أن الجامعة ستعقد السبت المقبل اجتماعا طارئا لبحث الأزمة كما صرح المسؤول القطري لعل الدم الذي مايزال يسيل مدرارا وخاصة من الأطفال يحرك أكثر وأعمق وإن كان يجب هذه المرة ان تكون جازمة فقد أعطى بشار من مهل الأمم المتحدة وتركيا والجامعة ما غدا أضحوكة يتندر بها حتى الأطفال، وما ندري لماذا هذا الدلع والدلال الزائد له عن غيره من الحكام المستبدين.
لعلنا نقرأ أن مبادرة الجامعة وقد جاءت عربية بمباركة روسية-صينية-إيرانية، وأن أمريكا والاتحاد الأوروبي حريصون على تطبيقها يقودنا إلى القول إن المصالح هي التي تملي ذلك عندهم، أما روسيا والصين وإيران فلنصرة موقفهم الظالم الداعم للنظام وخاصة إيران التي ترى انه إذا نجحت المبادرة وتم الحوار وبقي بشار فستبقى وحزب الله وأحلافها في صولات وجولات، إذ أن بشار عندهم خط أحمر كما صرحوا، أما إذا قرأنا أن المبادرة سوف تفشل سيما أن الشعب السوري البطل لن يقبل بعد كل الذي جرى ويجري أي حوار مع بشار وجوقته مهما كلف ذلك من الضحايا مما يعني انه لو حدث تدخل دولي من نوع آخر من الطرف الآخر لحماية المدنيين ولو تصرف عسكريا فإن النظام الأحمق الذي يدعي التعاقل هو الذي يكون قد دفع إلى ذلك بفعله القمعي.
أقول: وفي كل الأحوال فإن المستفيد الأول هو إسرائيل التي أجزم أنها ما تزال تقنع أمريكا التي أصبحت أكثر وأكثر العوبة بيدها أن تبقى على نظام الأسد لأن بقاءه مصلحة إسرائيلية بلا شك وكل الوقائع تدل على ذلك إذ ما تزال الجبهة معها هادئة منذ أربعة عقود فهل تجد أفضل منه، ولذلك نجد أنها لا تصرح ولا تجعجع وإن كان مسؤولوها ومفكروها نطقوا منذ البداية بذلك بل قال الرهبان انهم يصلون لبقاء نظام الأسد.
لاريب أن الثورة لن تنكسر وان الليل سوف ينجلي وان الجامعة مطالبة ومنظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي بان ينحازوا لمصلحة الشعب دون نقصان في حقوقه وان يكون الحوار فقط للتفاوض على نقل السلطة إلى حكومة مدنية تعددية ذات تداول سلمي للسلطة ولو تم ذلك بالقوة لأن المستبد يتجاوز حدوده ما لم يقم أمامه سد من حديد كما قال ولي الدين يكن وكما قال عبدالرحمن الكواكبي: إن الحكم الذي يقوم على الظلم لا يدوم عاجلا أو آجلا.
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال «نعمتان مغبون... اقرأ المزيد
45
| 18 مايو 2026
رواتب لربات البيوت
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى... اقرأ المزيد
54
| 18 مايو 2026
لعبة روبلوكس المدمرة
تذكرون بلا شك حينما اتخذت دولة قطر وبعض الدول الخليجية قرارا لا رجعة فيه بحظر لعبة (روبلوكس) الشهيرة... اقرأ المزيد
42
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5526
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026