رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد ساعات قليلة من إعلان حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى من على منبر الأمم المتحدة، "استعداد دولة قطر إجراء حوار بين مجلس التعاون وإيران، وأن الخلافات بين الطرفين هي خلافات سياسية (عربية – إيرانية، وليست سنية / شيعية)، وهذه يمكن حلها بالحوار، والاتفاق على تنظيم العلاقة بين إيران ودول الخليج على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية (محد باقر نوبخت) أن " بلاده ترحب بما أعلنه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن إطلاق حوار بين إيران والدول العربية ". وأضاف " أن طهران ترغب بتقوية علاقاتها مع جميع الدول العربية". وأكد أن ذلك " جزء من سياسيات إيران الخارجية"!
وبعد يومين من ذاك الإعلان نشطت وسائل الإعلام في تحليل ظروف وحيثيات العلاقة بين إيران ومجلس التعاون! كما بالغ البعض من " خطر" تطبيع العلاقات مع إيران، وأن ذلك سوف " يشطر" مجلس التعاون.
وكان سعادة الدكتور خالد بن محمد العطية وزير الخارجية قد أعلن أنه " لا يوجد طرف خليجي أو آخر لا يرحب بوجود الإيرانيين إلى الطاولة، لكن ذاك الوجود له بعض الشروط لدى بعض الإخوة والأشقاء، وهي مخاوف مشروعة. وأن الجلوس إلى الطاولة يتطلب أن نناقش الملفات كافة، لا أن تكون جلسة انتقائية ننتقي فيها ما نريد التحدث به وما لا نريد التحدث به، وهذا مطلب التعاون لدول الخليج العربية، أن يكون الحوار في الملفات كافة ".
من جانبه رحب السفير الإيراني في الدوحة السيد / محمد جود آسايش بالدعوة التي تفضل بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى لإجراء حوار بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. وأعرب السفير عن أمله في أن تتوفر أرضيات هذا العمل بأسرع وقت. وقال " إننا نرحب دائماً بهذه الحوارات وعلى استعداد كامل لها". وأضاف السفير الإيراني " مبادرة سمو الأمير مبادرة طيبة ومشكور عليها، لأن الحوار، خاصة بين دول الجوار التي تجمعها وشائج وأواصر وطيدة هو أفضل الطرق للتفاهم والتواصل والتعاون". (الراية – 1/10/2015)
بالطبع هناك جناح في مجلس التعاون يرى أن الحوار مع إيران يجب أن يشمل "حزمة" متكاملة من القضايا التي يجب أن تكون فوق الطاولة، لا أن تجري مناقشة القضايا العالقة منفصلة – كما أعلن ذلك سعادة وزير الخارجية - ولعل أهم ما يمكن تصوره في هذا الصدد أن يكون هناك (اتفاق أدبي وأخلاقي) بأن تكف إيران عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والمجاورة، خصوصاً بعد التوصل إلى اتفاق حول ملف إيران النووي مع الغرب، وعودة العلاقات من جديد بين الطرفين، ما يمكن أن يؤهل إيران أن تدير دبلوماسيتها بشكل مختلف عما كان عليه الوضع في السابق.
فلقد كشفت إحدى الفضائيات الإيرانية - قبل أيام – الوجود الإيراني في كل من لبنان، سوريا، اليمن، العراق، وأفغانستان، ودعمت الصور بخرائط توضح مكان التواجد الإيراني، وكذلك الأعلام الإيرانية وأعلام (حزب الله) في اليمن مثلاً! وكانت صور القادة الإيرانيين والأعلام الإيرانية قد ارتفعت في أراض عربية وخليجية، ضمن مظاهر العنف التي اجتاحت بعض العواصم العربية. وهذا يتنافى مع ما تأهلت إيران له باتفاقها مع العالم على محددات استخدام الطاقة النووية، واستحقاقات العلاقات الطبيعية بينها وبين العالم.
وقبل أيام اكتشفت الأجهزة الأمنية في مملكة البحرين مصنعاً كبيراً لصنع المتفجرات، واعتقلت عدداً من المُشتبة بهم ممن كانت لهم صلة بالموضوع ولهم اتصالات مع عناصر إرهابية في كل من العراق وإيران والحرس الثوري الإيراني. وإثر ذلك استدعت مملكة البحرين سفيرها من طهران وأمهلت القائم بالأعمال الإيراني 72 ساعة لمغادرة المنامة.
وعلى إثر ذلك قدمت مملكة البحرين شكوى رسمية ضد إيران للأمم المتحدة يوم 2/10/2015، بسبب "انتهاكاتها السافرة، واستمرار تدخلها المرفوض في الشأن الداخلي لمملكة البحرين". كما جاء ذلك خلال اجتماع وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد الخليفة مع الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
بطبيعة الحال لن يستطيع أحد أن ينكر الدور الإيراني الواضح أيضاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأثر هذا الدور على عدم تحسّن العلاقات العربية الإيرانية.
وهنالك من يربط ربطاً غير موفق بين مساندة قطر لإعادة الشرعية في اليمن – وهو موقف مجلس التعاون – وبين الدعوة لإجراء حوار مع إيران، التي تدعم الحوثيين في اليمن! ويرون أن هذا الموقف طارئ أو مختلف عن مواقف بقية دول المجلس!؟ وأن في ذلك تجاوزاً لمجلس التعاون، كون تلك الدعوة " قراراً مصيرياً" لا بد وأن ينال الإجماع في منظومة مجلس التعاون. وللأسف فإن تلك النظرة قاصرة على إدراك المدار السياسي الخليجي، خصوصاً وأن أمير دولة قطر يرئس الدورة الحالية لمجلس التعاون، وهو يتحدث عن دول المجلس بتلك الصيغة، ولذلك دلالات هامة ترد على بعض " المتشككين" بوجود " انشقاق" داخل المجلس حول الحوار مع إيران! كما يربط بعض " المتشككين " العلاقات القطرية الإيرانية بالمصالح الاقتصادية، وهي التوافق حول إنتاج الغاز والبترول في الخليج. ولا نرى في ذلك أية غضاضة لأن مصلحة الدول المتجاورة، أو المتشاطئة تحتّم أن تكون هنالك حالة من الهدوء والسلام والأمن لحفظ مصالح الطرفين، بدلاً من زرع الشقاق المؤدي إلى مواجهات عسكرية وأزمات لن تكون فيها فائدة للشعوب. كما أن دعاة الموت والتخريب والرافضين لحل المشاكل العالقة بين دول الجوار عبر الحوار، لا شك يضرمون النار ويصبون عليها الزيت من أجل زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج. كما أن دول العالم التي تستفيد من النفط والغاز لن تسمح لأي دولة أن تلعب بالنار وتعيق تدفق النفط إلى العالم، ولعل الجميع يذكر حرب (عاصفة الصحراء) التي هدفت - ضمن ما هدفت - عدم تمكين (صدام حسين) من النفط الكويتي، ما يمكن أن يؤثر على العالم أجمع.
إن سلطنة عمان ظلت على الدوام فاتحة قنوات اتصال مع إيران، منذ قيام مجلس التعاون عام 1983، ولم يحصل أن " تعكَّرت" علاقاتها مع أي من دول المجلس، بل كانت دول المجلس تنظر إلى (الدفء) في العلاقات العمانية الإيرانية على أنه (نافذة) يمكن من خلالها توصيل رؤى المجلس إلى إيران والعكس. ولسنا نرى في ذلك أي انتقاص من دور سلطنة عمان، العضو المؤثر في مجلس التعاون. ذلك أن السلطنة تتقاسم حماية مضيق هرمز الاستراتيجي مع إيران، وهي ترى أن التفاهم حول تلك الإدارة تتطلب فتح قنوات اتصال.
ولئن فكّر البعض بأن الدعوة القطرية محاولة لإطفاء الحرب والمنغصات في الشرق الأوسط، فإن المحاولة بحد ذاتها نبيلة ولا يجب أن تؤخذ بحساسية لأنها جاءت من دولة قطر.
إن في تلك الدعوة استجابة لروح العصر ومتطلبات الدبلوماسية الناجحة لتجنيب المنطقة ويلات الحروب وتداعيات الإرهاب الذي عصف بالعديد من الدول، وكانت نتيجة ذلك سقوط الدول وتشتت شعوبها في المنافي وتدمير البنى التحتية التي عكفت تلك الدول على إنشائها لعشرات السنين.
وأخيراً، نقول إن بعض الأقلام – والفضائيات – التي تحاول دقَّ إسفين بين دول مجلس التعاون يجب أن تتوقف عن ذلك، لأن بين هذه الدول من التاريخ والمصير المشترك والمصالح، ما يمكن أن يسمو فوق كل اختلافات في وجهات النظر بين الدول حول هذا الموضوع أو غيره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2289
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026