رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحالة السياسية في اللحظة الراهنة أقرب إلى حالة اختلاط الأنساب، الأصلاب متعددة أو مجهولة والأرحام تلفظ الأجنة مبتسرة غير مكتملة النمو، ويبدو الوطن غائبا عنه الأمن والمستقبل والثورة.
لم أكد أبدأ كتابة المقال حتى تواترت الأنباء حول هجوم من ملثمين على نقطة أمن على معبر رفح، مع توقيت الإفطار، واستشهاد 16 جنديا مصريا على الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة، وهروب المهاجمين باتجاه رئيسي إلى قطاع غزة، بينما تولت القوات الإسرائيلية التعرض للهاربين ودمرت إحدى المدرعات التي استولى عليها المهاجمون.
تحولت الثورة المصرية إلى حالة من التفكك السياسي، وصارت النتائج التي ترتبت على الثورة تتوقف عند مجرد الكشف عن عوار الحالة السياسية، وخروج طرفين داخل المجتمع يتربصان ببعضهما، الأول يسعى داخليا لهدم الدولة، والآخر يدعو إلى حرق مقار جماعة الإخوان ومقار حزب الحرية والعدالة.
الخطر يتجاوز الداخل إلى المحيط العربي حيث لا يمكن الفصل بين ما يجري في الداخل عن الآثار المترتبة على الأحداث في تونس أو ليبيا في الغرب والسودان واليمن في الجنوب وسوريا في الشمال الشرقي، فهذا كله وامتدادات العمق فيه هو نطاق الأمن القومي المصري.
التحول داخل مصر انتقل وبإصرار من تيارات الإسلام السياسي، والتي وجدت الساحة خالية لها في أعقاب وقائع الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، ووجدت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أبوابا مفتوحة، في تناقض مريب لخبرة التعامل السابق معها، ولتاريخها، ولكن هذا ما جرى. وأطلقت هذه التيارات شعارات التحول إلى الدولة الدينية واستخدمت كل الفرص المتاحة أمامها لتطويع الظروف التالية للثورة لتحقيق الوجود لذاتها وإحالة الثورة إلى متوالية الاستيلاء على السلطة، لتتصاعد بالمواجهة إلى الاستيلاء على الدولة ومقوماتها، أو هدم هذه الدولة إن تطلب الأمر غير عابئة بما يمكن أن يترتب على ذلك.
الأمر الأول أن هذه التيارات لم تطرح تصورا سياسيا، ولكنها اتخذت من الخطاب المستتر بالشعارات الدينية بديلا عن الخطاب السياسي.
والأمر الثاني أنها استخدمت توافقا بينها وبين المجلس العسكري، لحصار الثورة وضربها، حتى تتمكن من الساحة منفردة، وبعد أن لاح التمكن عبر مسيرة الاستفتاء ثم الانتخابات النيابية، انقلبت على المجلس العسكري ذاته، وصارت هي مصدر المطالبة بإسقاط حكم العسكر بعد أن كانت تدينه حين كان يصدر من غيرها فترة التوافق بينهما.
ومكن لهذه التيارات والإخوان في الصدارة منها، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ارتكب خطأ عدم استيعاب مطالب الجماهير في الثورة، وتوقف في رؤيته عند حدود التخلص من أمر التوريث، ولم يكتشف، أو هو كان يقصد!، أن المسار الذي يسلكه يفتح باب الاستحواذ أمام من لا حق لهم في نتائج الثورة فضلا عن كونهم كانوا خارجها. ولم يتوقف عند هذا المدى بل وضع نفسه في مواجهة بالسلاح مع حركة الشباب والعناصر التي ظلت تطالب باستكمال مطالب الثورة بما فيها تسليم السلطة، فصار الخندق الذي يهدر الثورة يضم كلا من التيارات الدينية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في مفارقة يدفع فيها الوطن الثمن الآن عند اختلافهما، وصار الاختيار بين الطرفين مصدرا للحيرة وكأن التساوي بينهما أمر يقبله المنطق.
ولم تكن الحالة الذاتية لباقي الأطراف مهيأة لمواكبة الوقائع التي تجري على الأرض، وصارت المواقف ردود أفعال تتخبط ولا تستطيع أن تقيم توازنا مع أي من الطرفين، الإخوان والمجلس العسكري.
الخطر تجاوز إهدار الثورة ومطالبها، أو الاستحواذ على السلطة، أو حتى اختطاف الجمعية الوطنية للدستور والعبث بكل معاني يتطلبها التوافق الوطني، ووجدت التيارات الدينية أنصارا من خارجها، يلوكون الكلمات دون الانتباه إلى حالة التدحرج بالدولة والوطن إلى هاوية الاقتتال الداخلي. تجاوز ذلك كله إلى تهديد الوجود ذاته.
وفتحت وقائع الهجوم على معبر رفح ومقتل 16 جنديا بابا جديدا للفتنة، فالبعض استخدمه ذريعة للدعوة لحصار مقر الرئاسة، واتفق في هذا بعض من بقايا النظام السابق (الفلول) وبعض من عناصر تنتمي لتيارات مدنية، وجدت في الحادثة مبررا لتقديم موعد نداء سابق لحصار مقار الإخوان يوم 24 أغسطس. بينما اتجه البعض الآخر إلى إدانة أداء المجلس العسكري والأجهزة الأمنية، والبعض الثالث ربط بين الهجوم وبين نمو سيطرة التيارات الدينية على السلطة وإطلاق يدها في الداخل وطبيعة العلاقة بين حكومة حماس والإخوان في مصر، ليتجاوز الأمر الفتنة بين مكونات المجتمع إلى تهديد الأمن القومي.
الأمن القومي ليس مجال صراع سياسي أو حزبي، الأمن القومي يرقى إلى مستوى العقيدة الوطنية، وعندما تختلط الأنساب لمن يتولون أمر القرار السياسي، أو قرار الدفاع عن الوطن، ويتصاعد الصراع الداخلي حتى تحجب أدخنته الرؤية وتمييز المواقف، هنا يكون الخطر قد تجاوز مجرد التهديد، إلى تحقيق ناتج انهيار الرؤية، وانهيار نظرية الأمن.
إن الخطر يتمثل فيما يلي وبوضوح يستدعي المكاشفة:
أولا: أن خللا أساسيا أصاب مفهوم الأمن القومي بذلك الخطاب الذي تستخدمه تيارات الإسلام السياسي، والخلط المتعمد بين مفهوم الاستقلال الوطني وبين مفهوم مضغم للخلافة الإسلامية، وانحسار تحديد العدو الصهيوني كمصدر رئيسي للخطر الخارجي، والاكتفاء بمجرد فتح المعابر والتعامل القشري مع قضية الصراع العربي الصهيوني، وحصره في مجرد إجراءات رفع الحصار عن قطاع غزة وبخطاب سياسي أدى إلى ردود فعل شعبية معاكسة للموقف الوطني المصري من قضية الصراع العربي الصهيوني. وزاد من الأمر انعدام الثقة في جماعة الإخوان واحتمالات مواقفها في هذا الصدد، حتى أن حديث إسماعيل هنية عن مخططات الأراضي البديلة كان مثارا للرفض أكثر من القبول، وترددت مقولة تتساءل عمن هو حتى يقبل أو يرفض شأنا يمس الأمن المصري والتراب المصري؟ وهي لغة جديدة على الواقع الوطني المصري، ولكنها نتيجة ذلك الاندفاع المهووس من الإخوان تجاه حديث عن غزة وكـأنها هي القضية الأولى للثورة المصرية.
ثانيا: أن خللا أصاب العلاقة بين جماعة الإخوان ومكونات الدولة المصرية، وتمثل ذلك في الموقف من الجيش والقضاء والأزهر والصحافة، بل إن حديثا من أحد العناصر القريبة من مركز اتخاذ القرار اتجه إلى تأكيد جملة الإشاعات التي قالت إن الفريق شفيق هو الفائز وإن وحدات عسكرية اتخذت أوضاع التأمين له ولمنزله وفق مقتضيات هذا الموقف، غير أن تهديدا بأن ذكر اسم شفيق في إعلان النتيجة في الاستفتاء على منصب الرئيس سيكون كلمة السر لانطلاق عمليات اغتيال سياسي لأعضاء مجلس الشعب الأسبق، وبمعنى آخر المساس بالعصبيات العائلية والقبلية، وبقتل عناصر من الثورة، وبحرق للكنائس، والهجوم على ماسبيرو واحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وخامسا بدء عمليات عسكرية في سيناء وضد إسرائيل مما يفتح الباب أمام مواجهات عسكرية، وأن هذا التهديد وجد من يقبل به، وهو أمر إن صح، فإن الخطر تجاوز الصراع السياسي إلى لغة الصراع المسلح، وأن الوطن لم يملك القدرة على مواجهة ذلك سوى بالتزوير؟!، فهل وصلت مصر الدولة إلى هذا الحد؟ وهل مثل هذه الأقوال أو الإشاعات لا تستوجب ردا عليها ومكاشفة للشعب؟ ولمصلحة من يجري إهدار المؤسسة العسكرية إلى هذا الحد؟ وليس خافيا الموقف من القضاء، حتى أن الرجل الذي كان محسوبا يوما على تيار استقلال القضاء، والذي انحاز في مواجهة ضد المحكمة الدستورية، صار وزيرا للعدل، وفي الوقت ذاته يضرب مجلس الشورى عرض الحائط بكل الملاحظات حول موقفه من الصحافة المصرية.
ثالثا: أن الرئيس المنتخب لم يعط أي اعتبار لنداءات تحرير المحكوم عليهم من عناصر الثورة بواسطة القضاء العسكري بينما اتخذ قرارا بالعفو عن عناصر تنتمي للتيارات الدينية. وهو أمر زاد من الإحساس بأن الرجل ينتمي بالأساس إلى جماعة دينية، أكثر من كونه رئيسا للمصريين، حتى أن مصادر كثيرة تحدثت عن أن القرارات تصدر من مكتب الإرشاد وليس من الرئاسة.
رابعا: أن الموقف من المؤسسة العسكرية المصرية وهي القلب الصلب للدولة يزداد تطرفا وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انشقاق في الدولة يتجاوز القدرة على التحمل، حتى أن الوعي بدور الجيش في الدولة يجري إهداره تحت عنوان رفض حكم العسكر، ويرفع تنظيم الإخوان كما باقي القوى السياسية، أن حكم العسكر يمتد 60 عاما، وهو أمر له أثره الجوهري حول مفهوم الأمن القومي ومعنى المواجهة مع إسرائيل وبالأساس له أثره على العقيدة القتالية للجيش المصري. وبلغ الأمر حد تفسير سريع في أعقاب هجوم رفح أن الغرض الرئيسي منه هو التخلص من قيادة الجيش الحالية، كما كان أمر اختراق الطائرة الشراعية للميدان الأحمر في موسكو زمن جورباتشوف مدخلا لإقالة قائد الدفاع الجوي بالجيش السوفييتي وبداية الانهيار للإمبراطورية السوفييتية.
خامسا: أن الاتصالات السرية مع أمريكا وغيرها تمثل عنصر اتهام مستمر لغياب المكاشفة عن مضمونها، حتى صارت اتهامات التبعية والخنوع التي فجرت الثورة ضد النظام السابق صارت ذاتها اتهامات موجهة للإخوان بأنها تستمد شرعيتها من القبول الأمريكي بها.
سادسا: عدم إدراك حقيقة ما يجري فوق الأرض السورية والتعامل الخبري معه دون إدراك أن سوريا هي البوابة الشرقية لمصر، وأن المستهدف يتجاوز إنهاء نظام مستبد، إلى إنهاء الدولة السورية ذاتها.
ذلك كله يؤكد أن الحديث عن قوى الثورة وقوى مضادة للثورة صار حديثا خارج السياق، أن الخطر لا يحيق بالثورة وأهدافها بل الخطر يحيق بالوجود الوطني ذاته.
إن الشعوب العربية في ثورتها ضد استبداد النظم الحاكمة، كشفت عن افتقاد الرؤية الوطنية البديلة والتي جرى انتهاكها طوال أربعين عاما مضت، وأن العناصر التي خرجت ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي، فتحت الباب على مصراعيه أمام مخططات كانت جاهزة للتفتيت والتقسيم الطائفي والاجتماعي والجغرافي، وأنها وهي تسعى للمستقبل وقعت فريسة قوى الماضي التي لا تدرك غير كرسي الحكم هدفا لها، دون وعي بالحقائق الوطنية والقومية للوجود العربي، الأرض والإنسان فوق هذه الأرض.
عندما تكون القضية الثورة يكون الفرز الاجتماعي هو محور الصراع، وعندما تكون القضية هي الوجود ذاته، تكون الوحدة الوطنية مبرر البقاء، ولكن الأمة العربية ومصر فرضا عليها أن تخوض قضية الوجود وبالقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الأساسية للثورة، وهو أمر شديد الجدية بما لا يفتح أبواب التأويل، الأمة تعبر أحرج اللحظات في تاريخها، وهي قادرة على العبور كلما زاد اليقين واللحمة بين القوى صاحبة الحق في التغيير والساعية إليه.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4695
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026