رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحالة السياسية في اللحظة الراهنة أقرب إلى حالة اختلاط الأنساب، الأصلاب متعددة أو مجهولة والأرحام تلفظ الأجنة مبتسرة غير مكتملة النمو، ويبدو الوطن غائبا عنه الأمن والمستقبل والثورة.
لم أكد أبدأ كتابة المقال حتى تواترت الأنباء حول هجوم من ملثمين على نقطة أمن على معبر رفح، مع توقيت الإفطار، واستشهاد 16 جنديا مصريا على الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة، وهروب المهاجمين باتجاه رئيسي إلى قطاع غزة، بينما تولت القوات الإسرائيلية التعرض للهاربين ودمرت إحدى المدرعات التي استولى عليها المهاجمون.
تحولت الثورة المصرية إلى حالة من التفكك السياسي، وصارت النتائج التي ترتبت على الثورة تتوقف عند مجرد الكشف عن عوار الحالة السياسية، وخروج طرفين داخل المجتمع يتربصان ببعضهما، الأول يسعى داخليا لهدم الدولة، والآخر يدعو إلى حرق مقار جماعة الإخوان ومقار حزب الحرية والعدالة.
الخطر يتجاوز الداخل إلى المحيط العربي حيث لا يمكن الفصل بين ما يجري في الداخل عن الآثار المترتبة على الأحداث في تونس أو ليبيا في الغرب والسودان واليمن في الجنوب وسوريا في الشمال الشرقي، فهذا كله وامتدادات العمق فيه هو نطاق الأمن القومي المصري.
التحول داخل مصر انتقل وبإصرار من تيارات الإسلام السياسي، والتي وجدت الساحة خالية لها في أعقاب وقائع الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، ووجدت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أبوابا مفتوحة، في تناقض مريب لخبرة التعامل السابق معها، ولتاريخها، ولكن هذا ما جرى. وأطلقت هذه التيارات شعارات التحول إلى الدولة الدينية واستخدمت كل الفرص المتاحة أمامها لتطويع الظروف التالية للثورة لتحقيق الوجود لذاتها وإحالة الثورة إلى متوالية الاستيلاء على السلطة، لتتصاعد بالمواجهة إلى الاستيلاء على الدولة ومقوماتها، أو هدم هذه الدولة إن تطلب الأمر غير عابئة بما يمكن أن يترتب على ذلك.
الأمر الأول أن هذه التيارات لم تطرح تصورا سياسيا، ولكنها اتخذت من الخطاب المستتر بالشعارات الدينية بديلا عن الخطاب السياسي.
والأمر الثاني أنها استخدمت توافقا بينها وبين المجلس العسكري، لحصار الثورة وضربها، حتى تتمكن من الساحة منفردة، وبعد أن لاح التمكن عبر مسيرة الاستفتاء ثم الانتخابات النيابية، انقلبت على المجلس العسكري ذاته، وصارت هي مصدر المطالبة بإسقاط حكم العسكر بعد أن كانت تدينه حين كان يصدر من غيرها فترة التوافق بينهما.
ومكن لهذه التيارات والإخوان في الصدارة منها، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ارتكب خطأ عدم استيعاب مطالب الجماهير في الثورة، وتوقف في رؤيته عند حدود التخلص من أمر التوريث، ولم يكتشف، أو هو كان يقصد!، أن المسار الذي يسلكه يفتح باب الاستحواذ أمام من لا حق لهم في نتائج الثورة فضلا عن كونهم كانوا خارجها. ولم يتوقف عند هذا المدى بل وضع نفسه في مواجهة بالسلاح مع حركة الشباب والعناصر التي ظلت تطالب باستكمال مطالب الثورة بما فيها تسليم السلطة، فصار الخندق الذي يهدر الثورة يضم كلا من التيارات الدينية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في مفارقة يدفع فيها الوطن الثمن الآن عند اختلافهما، وصار الاختيار بين الطرفين مصدرا للحيرة وكأن التساوي بينهما أمر يقبله المنطق.
ولم تكن الحالة الذاتية لباقي الأطراف مهيأة لمواكبة الوقائع التي تجري على الأرض، وصارت المواقف ردود أفعال تتخبط ولا تستطيع أن تقيم توازنا مع أي من الطرفين، الإخوان والمجلس العسكري.
الخطر تجاوز إهدار الثورة ومطالبها، أو الاستحواذ على السلطة، أو حتى اختطاف الجمعية الوطنية للدستور والعبث بكل معاني يتطلبها التوافق الوطني، ووجدت التيارات الدينية أنصارا من خارجها، يلوكون الكلمات دون الانتباه إلى حالة التدحرج بالدولة والوطن إلى هاوية الاقتتال الداخلي. تجاوز ذلك كله إلى تهديد الوجود ذاته.
وفتحت وقائع الهجوم على معبر رفح ومقتل 16 جنديا بابا جديدا للفتنة، فالبعض استخدمه ذريعة للدعوة لحصار مقر الرئاسة، واتفق في هذا بعض من بقايا النظام السابق (الفلول) وبعض من عناصر تنتمي لتيارات مدنية، وجدت في الحادثة مبررا لتقديم موعد نداء سابق لحصار مقار الإخوان يوم 24 أغسطس. بينما اتجه البعض الآخر إلى إدانة أداء المجلس العسكري والأجهزة الأمنية، والبعض الثالث ربط بين الهجوم وبين نمو سيطرة التيارات الدينية على السلطة وإطلاق يدها في الداخل وطبيعة العلاقة بين حكومة حماس والإخوان في مصر، ليتجاوز الأمر الفتنة بين مكونات المجتمع إلى تهديد الأمن القومي.
الأمن القومي ليس مجال صراع سياسي أو حزبي، الأمن القومي يرقى إلى مستوى العقيدة الوطنية، وعندما تختلط الأنساب لمن يتولون أمر القرار السياسي، أو قرار الدفاع عن الوطن، ويتصاعد الصراع الداخلي حتى تحجب أدخنته الرؤية وتمييز المواقف، هنا يكون الخطر قد تجاوز مجرد التهديد، إلى تحقيق ناتج انهيار الرؤية، وانهيار نظرية الأمن.
إن الخطر يتمثل فيما يلي وبوضوح يستدعي المكاشفة:
أولا: أن خللا أساسيا أصاب مفهوم الأمن القومي بذلك الخطاب الذي تستخدمه تيارات الإسلام السياسي، والخلط المتعمد بين مفهوم الاستقلال الوطني وبين مفهوم مضغم للخلافة الإسلامية، وانحسار تحديد العدو الصهيوني كمصدر رئيسي للخطر الخارجي، والاكتفاء بمجرد فتح المعابر والتعامل القشري مع قضية الصراع العربي الصهيوني، وحصره في مجرد إجراءات رفع الحصار عن قطاع غزة وبخطاب سياسي أدى إلى ردود فعل شعبية معاكسة للموقف الوطني المصري من قضية الصراع العربي الصهيوني. وزاد من الأمر انعدام الثقة في جماعة الإخوان واحتمالات مواقفها في هذا الصدد، حتى أن حديث إسماعيل هنية عن مخططات الأراضي البديلة كان مثارا للرفض أكثر من القبول، وترددت مقولة تتساءل عمن هو حتى يقبل أو يرفض شأنا يمس الأمن المصري والتراب المصري؟ وهي لغة جديدة على الواقع الوطني المصري، ولكنها نتيجة ذلك الاندفاع المهووس من الإخوان تجاه حديث عن غزة وكـأنها هي القضية الأولى للثورة المصرية.
ثانيا: أن خللا أصاب العلاقة بين جماعة الإخوان ومكونات الدولة المصرية، وتمثل ذلك في الموقف من الجيش والقضاء والأزهر والصحافة، بل إن حديثا من أحد العناصر القريبة من مركز اتخاذ القرار اتجه إلى تأكيد جملة الإشاعات التي قالت إن الفريق شفيق هو الفائز وإن وحدات عسكرية اتخذت أوضاع التأمين له ولمنزله وفق مقتضيات هذا الموقف، غير أن تهديدا بأن ذكر اسم شفيق في إعلان النتيجة في الاستفتاء على منصب الرئيس سيكون كلمة السر لانطلاق عمليات اغتيال سياسي لأعضاء مجلس الشعب الأسبق، وبمعنى آخر المساس بالعصبيات العائلية والقبلية، وبقتل عناصر من الثورة، وبحرق للكنائس، والهجوم على ماسبيرو واحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وخامسا بدء عمليات عسكرية في سيناء وضد إسرائيل مما يفتح الباب أمام مواجهات عسكرية، وأن هذا التهديد وجد من يقبل به، وهو أمر إن صح، فإن الخطر تجاوز الصراع السياسي إلى لغة الصراع المسلح، وأن الوطن لم يملك القدرة على مواجهة ذلك سوى بالتزوير؟!، فهل وصلت مصر الدولة إلى هذا الحد؟ وهل مثل هذه الأقوال أو الإشاعات لا تستوجب ردا عليها ومكاشفة للشعب؟ ولمصلحة من يجري إهدار المؤسسة العسكرية إلى هذا الحد؟ وليس خافيا الموقف من القضاء، حتى أن الرجل الذي كان محسوبا يوما على تيار استقلال القضاء، والذي انحاز في مواجهة ضد المحكمة الدستورية، صار وزيرا للعدل، وفي الوقت ذاته يضرب مجلس الشورى عرض الحائط بكل الملاحظات حول موقفه من الصحافة المصرية.
ثالثا: أن الرئيس المنتخب لم يعط أي اعتبار لنداءات تحرير المحكوم عليهم من عناصر الثورة بواسطة القضاء العسكري بينما اتخذ قرارا بالعفو عن عناصر تنتمي للتيارات الدينية. وهو أمر زاد من الإحساس بأن الرجل ينتمي بالأساس إلى جماعة دينية، أكثر من كونه رئيسا للمصريين، حتى أن مصادر كثيرة تحدثت عن أن القرارات تصدر من مكتب الإرشاد وليس من الرئاسة.
رابعا: أن الموقف من المؤسسة العسكرية المصرية وهي القلب الصلب للدولة يزداد تطرفا وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انشقاق في الدولة يتجاوز القدرة على التحمل، حتى أن الوعي بدور الجيش في الدولة يجري إهداره تحت عنوان رفض حكم العسكر، ويرفع تنظيم الإخوان كما باقي القوى السياسية، أن حكم العسكر يمتد 60 عاما، وهو أمر له أثره الجوهري حول مفهوم الأمن القومي ومعنى المواجهة مع إسرائيل وبالأساس له أثره على العقيدة القتالية للجيش المصري. وبلغ الأمر حد تفسير سريع في أعقاب هجوم رفح أن الغرض الرئيسي منه هو التخلص من قيادة الجيش الحالية، كما كان أمر اختراق الطائرة الشراعية للميدان الأحمر في موسكو زمن جورباتشوف مدخلا لإقالة قائد الدفاع الجوي بالجيش السوفييتي وبداية الانهيار للإمبراطورية السوفييتية.
خامسا: أن الاتصالات السرية مع أمريكا وغيرها تمثل عنصر اتهام مستمر لغياب المكاشفة عن مضمونها، حتى صارت اتهامات التبعية والخنوع التي فجرت الثورة ضد النظام السابق صارت ذاتها اتهامات موجهة للإخوان بأنها تستمد شرعيتها من القبول الأمريكي بها.
سادسا: عدم إدراك حقيقة ما يجري فوق الأرض السورية والتعامل الخبري معه دون إدراك أن سوريا هي البوابة الشرقية لمصر، وأن المستهدف يتجاوز إنهاء نظام مستبد، إلى إنهاء الدولة السورية ذاتها.
ذلك كله يؤكد أن الحديث عن قوى الثورة وقوى مضادة للثورة صار حديثا خارج السياق، أن الخطر لا يحيق بالثورة وأهدافها بل الخطر يحيق بالوجود الوطني ذاته.
إن الشعوب العربية في ثورتها ضد استبداد النظم الحاكمة، كشفت عن افتقاد الرؤية الوطنية البديلة والتي جرى انتهاكها طوال أربعين عاما مضت، وأن العناصر التي خرجت ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي، فتحت الباب على مصراعيه أمام مخططات كانت جاهزة للتفتيت والتقسيم الطائفي والاجتماعي والجغرافي، وأنها وهي تسعى للمستقبل وقعت فريسة قوى الماضي التي لا تدرك غير كرسي الحكم هدفا لها، دون وعي بالحقائق الوطنية والقومية للوجود العربي، الأرض والإنسان فوق هذه الأرض.
عندما تكون القضية الثورة يكون الفرز الاجتماعي هو محور الصراع، وعندما تكون القضية هي الوجود ذاته، تكون الوحدة الوطنية مبرر البقاء، ولكن الأمة العربية ومصر فرضا عليها أن تخوض قضية الوجود وبالقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الأساسية للثورة، وهو أمر شديد الجدية بما لا يفتح أبواب التأويل، الأمة تعبر أحرج اللحظات في تاريخها، وهي قادرة على العبور كلما زاد اليقين واللحمة بين القوى صاحبة الحق في التغيير والساعية إليه.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
892
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17364
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026