رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسفرت المواجهات بين متظاهري الغاز الصخري ومصالح الدرك والشرطة في عين صالح وتمنراست، عن توقيف 19 شخصا وإصابة ما لا يقل عن 90 آخرين من المشاركين في المسيرات، منهم 31 شرطيا ودركيا، وتدهور الوضع بشكل يبعث على الخوف والتشاؤم.
إن الوضع، حسب المتابعين والملاحظين للأوضاع في عين صالح سيشهد المزيد من التصعيد، في ظل اختيار السلطات الحل الأمني، بينما قرر عدد كبير من المشاركين، في اعتصام ساحة الصمود في عين صالح إعادة تنظيم الاعتصام مجددا في نفس الساحة في الأيام القادمة، بعد أن تمكنت قوات التدخل التابعة للشرطة والدرك الوطني من إخلاء ساحة الصمود من المعتصمين. وتستمر المظاهرات منذ نحو شهرين في عين صالح -المدينة الصحراوية الأقرب إلى موقع حفر أول بئر تجريبية للغاز الصخري- للمطالبة بتوقف الأشغال، ويقول المحتجون إنهم يرفضون مشروع استغلال الغاز الصخري بعد أن أثبتت أبحاث أنه يمثل خطرا على البيئة والمياه الجوفية، بينما تقول الحكومة إنه لا وجود لمشروع استغلال الغاز الصخري حاليا، وكل ما في الأمر عمليات استكشاف لمعرفة احتياطي البلاد من هذه الطاقة. وهنا نلاحظ أنه بدلا من استعمال الحل الأمني كان ينبغي على السلطات الجزائرية تبني طريقة الحوار والنقاش في جو من الصراحة والشفافية واحترام الرأي العام. ففي ظل غياب سياسة اتصالية واضحة المعالم من قبل السلطات الجزائرية نلاحظ تضارب في الآراء والتصريحات وتصعيد في المواقف بين المتظاهرين والسلطة. وتجدر الإشارة هنا إلى السلوك الحضاري الذي تحلى به سكان عين صالح في مظاهراتهم اليومية للتعبير عن معارضتهم للأعمال الاستكشافية للغاز الصخري في منطقتهم.
ففي غضون الأسبوع الماضي دخلت قوات الأمن والمتظاهرين في مواجهات مفتوحة في مختلف شوارع مدينة عين صالح، لدرجة أن عددا من عناصر الشرطة حوصروا عدة ساعات في أحد المواقع من طرف محتجين، واستعملت قوات التدخل من شرطة ودرك كميات ضخمة من الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وأصيب عدد كبير من الشباب بجروح أثناء المواجهات، فيما قال مصدر من قيادة الدرك الوطني في عين صالح، إن الأوامر كانت صريحة وهي عدم استعمال العنف والرصاص المطاطي، وأسفرت المواجهات في عين صالح عن إصابة ما لا يقل عن 40 شخصا بجروح بسبب المطاردات العنيفة والكر والفر بين قوات الدرك الوطني والشرطة. وخرجت الأمور في مدينة عين صالح عن السيطرة، كما هو الأمر في العاصمة الإدارية لولاية تمنراست، حيث تواصلت المواجهات بين قوات الشرطة ومحتجين من حركة "مافرات" المنضوية تحت لواء "اللجنة الشعبية لمناهضة الغاز الصخري" لعدة ساعات، وأغلقت حركة "مافرات" الطريق الوطني رقم واحد عند المدخل الشمالي لمدينة تمنراست لعدة ساعات. وقالت قيادة الحركة إن حصيلة الجرحى في مواجهات الأحد ارتفعت إلى 90 شخصا، منهم 31 دركيا وشرطيا، حسب مصادر غير رسمية، و9 حسب مصدر من مديرية الصحة بولاية تمنراست. وأفاد مصدر طبي من مستشفى عين صالح بأن أغلب الإصابات بسيطة ولا تبعث على القلق، حيث عولج المصابون وغادروا المستشفى باستثناء حالات معدودة.
لفترة تزيد على الشهرين يتظاهر سكان عين صالح بجنوب الجزائر يوميا معبرين عن رفضهم لاستغلال الغاز الصخري في منطقتهم. إن تمسك سكان الجنوب بحقهم المشروع في الاحتجاج ورفض مشروع التنقيب واستغلال الغاز الصخري، يعود إلى مخاطر استخراج الغاز الصخري بتقنية التشقيق الصخري على البيئة بشكل عام وعلى تلوث مخزون المياه الجوفية، خاصة أن حياة المواطن في الصحراء مرتبطة قبل أي شيء بالماء.
الفترة طالت والسلطات الجزائرية تاهت في عدم القدرة على التواصل الصريح والشفاف والحوار الجاد، أزمة عجزت الدولة الجزائرية التعامل معها بمهنية وحرفية.
مقومات الاتصال الحكومي والاتصال أثناء الأزمة واضحة وضوح الشمس، الموضوع مهم ومصيري وله انعكاسات كبيرة جدا على السلطة والشعب، وفي مثل هذه الحالات كان ينبغي على المسؤولين الجزائريين الجلوس مع المواطنين في عين صالح ومناقشة الموضوع من كل جوانبه بكل صراحة وشفافية وتقديم الأدلة والمعطيات العلمية من قبل علماء ومختصين لتبيان تفاصيل الغاز الصخري بإيجابياته وسلبياته، ما لوحظ مع الأسف الشديد هو تضارب في التصريحات والأقوال وتجاهل سكان عين صالح أو قمعهم من حين إلى آخر من قبل أجهزة الأمن، فالموضوع بكل بساطة يحتاج إلى مصارحة وإلى احترام الرأي العام، رأي الشعب وسكان عين صالح والمنطقة بالدرجة الأولى. وقد نتساءل هنا عما فعلته السلطات الجزائرية لضحايا ومتضرري التجارب النووية الفرنسية في رقان والتي مازال سكان هذه المنطقة يدفعون ثمن انعكاساتها وأضرارها غاليا وفرنسا تتهرب وتتجاهل الموضوع والسلطات الجزائرية غير مبالية تماما.
التعامل السلبي مع الأزمة أدى إلى تفاقمها مع مرور الزمن وقد تتشعب في المستقبل إلى منعطفات أخرى قد تزيد في تعقيدها وخطورتها وفقدان الثقة بين الشعب والسلطة، فقبل أسبوع ونتيجة للاشتباكات التي وقعت بين رجال الأمن والمتظاهرين ردد عدد من المحتجين عبارات معادية للرئيس بوتفليقة في عين صالح وتمنراست، للمرة الأولى منذ بدء الاحتجاج قبل شهرين تقريبا، وحمّلت اللجنة الوطنية لمناهضة الغاز الصخري في بيان لها السلطات مسؤولية تدهور الوضع في عين صالح، وقالت إن السلطة تتحمل مسؤولية كل مظاهر استعمال القوة، ودعت المسؤولين لاحتواء الوضع عاجلا من أجل الحفاظ على سلمية الاحتجاجات المشروعة وتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق. وقال القيادي الثاني في اللجنة، عبد السلام حمدان، إن السلطات خططت قبل أكثر من شهر للتصعيد حيث نقلت قوات التدخل برا في البداية ثم بالطائرات واستفزت المحتجين ومارست عليهم حربا نفسية تثير الاحتجاجات المتصاعدة للمناهضين لاستغلال الغاز الصخري بجنوب البلاد، مخاوف كثيرة لدى الرأي العام الوطني، على خلفية المواجهات العنيفة بين المحتجين وقوات الأمن، كما تثير تساؤلات حول فشل الحكومة في احتواء الاحتجاجات رغم تدخل رئيس الجمهورية شخصيا في الملف، يقول وزير الاتصال الأسبق عبد العزيز رحابي: إن رسالة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة التي ألقاها مستشاره محمد علي بوغازي بولاية بوهران بمناسبة الذكرى الـ44 لتأميم المحروقات، أزمت الأوضاع في عين صالح عوض إخمادها وإقناع المحتجين بالخطاب الرسمي". ويرفض الناطق باسم الحكومة الأسبق اتهام المعارضة بالضلوع في احتجاجات سكان مدينة عين صالح ضد الغاز الصخري ويقول: إن اتهاما كهذا يؤجج سكان الجنوب أكثر لأن السلطة تنقص من وعي هؤلاء وتعتبرهم دمى "عرائس القاراقوز" في يد المعارضة في الشمال"، لقد حان الوقت للسلطات الجزائرية أن تواجه الأزمة بكل حزم وجدية وأن تمارس الاتصال الحكومي المسؤول وتواجه المتظاهرين بكل احترام وديمقراطية وشفافية، فإذا كانت السلطة على حق فما عليها إلا أن تقدم برهانها، أما إذا كان العكس فمن حق سكان عين صالح أن يحموا بيئتهم ومياههم ومستقبل أبنائهم خاصة أن حرية التجمع والتظاهر والرأي مكفولة في الدستور الجزائري.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2829
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2144
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1350
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2631
| 30 أكتوبر 2026