رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- جوّع كلبك يتبعك:
أول من قاله ملك من ملوك حمير كان جائرا على أهل مملكته يسلبهم ما في أيديهم، وذات مرة سمعت امرأته صياح الجماهير حول قصره فقالت: إني لأرحم هؤلاء، وإني لأخاف أن يكونوا عليك سباعا، بعدما كانوا لك أتباعا، فقال: جوّع كلبك يتبعك!! ثم إنه غزا بهم ولم يقسم عليهم شيئا، فقالوا لأخ له: قد ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج المُلك عنكم إلى غيركم، فساعدنا على قتل أخيك، واجلس مكانه، فوافقهم على ذلك، ثم وثبوا على الملك فقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول، فقال: ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم يشبعه!! فصارت مثلا، والمثل يضرب في اللئام وما ينبغي أن يعاملوا به.
جاءوا على بكرة أبيهم:
أي جاءوا جميعاً لم يتخلف منهم أحد، وقيل: بل البكرة تأنيث البكر، يصفهم بالقلة أي بحيث تحملهم بكرة أبيهم. وقيل بل البكرة التي يستقي عليها، معناه جاءوا بعضهم يتلو بعضا كدوران البكرة على نسق واحد، وقيل: المراد بالبكرة الطريقة كأنهم جاءوا على طريقة أبيهم، وقال ابن الأعرابي: البكرة: جماعة من الناس أي بأجمعهم.
حسبك من غنى شبعٌ ورىُّ:
قال امرؤ القيس
إذا ما لم تكن إبل فمعزى... كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً... وحسبك من غنى شبعٌ ورى
قالوا: يحتمل معنيين: أحدهما أعط كل ما كان لك مقابل شبعك وريك، والآخر القناعة باليسير.
خلا لكِ الجوُّ فبِيضِي واصْفِري:
قاله طرفة بن العبد، وكان في سفر مع عمه فنصب فخاًّ للقنابر ونثر حباً فلم يصد شيئا، فلما تحركوا للرحيل، رأى القنابر يلقطن الحب الذي نثره لهن، فقال في ذلك:
يا لك من قنبرةٍ بمعمر... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقِّري ما شئتِ أن تنقري... قد رحل الصياد عنك فابشري
ورفع الفخَّ فما ذا تحذري... لابد من صيدك يوما فاصبري!
إذا عزَّ أخوك فهِنْ:
ينطقها الكثيرون: إذا عزَّ أخوك فهُن [ بضم الهاء ] والصواب: فهن [ بكسر الهاء ] من هان يَهين إذا لان. ومنه الوصف المعروف: هَيِّنٌ لَيّنٌ؛ لأن هُن من هانَ يَهون، وهان يهون مأخوذ من الهوان؛ والعربُ لا تأمرُ بالهوان، ومعنى عزَّ – في هذا المثل العربي - ليس من العِزَّة التي هي المَنَعَةٌ والقُدْرة، وإنما هو من قولك: عزَّ الشيءَ إذا اشتدَّ، ومعنى الكلام إذا صعب أخوك واشتدَّ فَذِلّ له من الذّل، والمعنى: إذا صعُب أخوك فلِن أنت له،
تعدية الفعل بالباء:
الفعل في لغة العرب يتعَدَّى تارة بهمزة تُسمى همزة النقل كقولك خرج الرجل وأخرجته وتارة يتعَدَّى بالباء كقولك خرج وخرجت به فأما الجمع بينهما فممتنع في الكلام كما لا يجمع بين حرفي استفهام، وقد اختلف النحويون هل بين حرفي التعدية فرق أم لا فقال الأكثرون هما بمعنى واحد وقال أبو العباس المبرد بل بينهما فرق وهو أنك إذا قلت أخرجت زيداً كان بمعنى حملته على الخروج وإذا قلت خرجتُ به فمعناه أنك خرجت واستصحبته معك والقول الأول أصح بدلالة قوله تعالى ذهب الله بنورهم.
الحَمل والحِمل:
الحَمْل [ بفتح الحاء ] ما تَحْمِل الإناثُ في بطونها. والحِمْل [ بكسرها ] ما يُحْملُ على الظَّهْر. قال اللغويون: الحَمْل بالفتح ما كان في بَطْن أو على رأس شجرة والحِمْل بالكسر ما كان على ظَهْرٍ أو رأسٍ. ويقال امرأة حامِل وحامِلة إذا كانت حُبْلَى فمن قال حامِل قال هذا لأن هذا الوصف لا يكون إلا للإِناث، ومن قال حَاملة بَناهُ على حَمَلت فهي حَاملة، لأن المرأةُ إذا حَمَلّتِ شيئاً على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير. لأن الهاء إنما تَلْحَق للتفَرْقة، فما لا يكون للمُذَكَّر، لا حاجة فيه إلى عَلاَمة التأنيث فإن أتِي بها فإنما هو على الأَصل. هذا قول أهل الكوفة. وقال أهل البصرة: هذا غير مستمرّ لأن العَرَبَ تقول رَجُلٌ أيِّمٌ وامرأة أيِّمٌ ورجل عانِسٌ وامرأة عانِسٌ مع الاشتراك.. قالوا والصَّوَاب أن يقال: إن قولهم حَامِل وطَالِق وحَائِض ونحوها أوصافٌ مذكرة وُصِف بها الإِناث كما أن الرَّبْعة والرَّاوِية والداهية أوصافٌ مؤنثةٌ وُصِف بها الذكور.
والحَمَلة بفتحتين جَمْعُ حَامِل يقال هُم حَمَلة العَرْش وحَمَلة القرآن.
الفرق في الدلالة بين حين وحيث:
يغَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ الْكتَّاب والخطباء فيَستعَملُون (حِينَ) بِمَعْنَى (حَيْثُ) وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ لظَرْفُ المَكَان وَحِينَ بِالنُّونِ لظَرْفُ الزَمَانٍ فَيُقَالُ قُمْتُ حَيْثُ قُمْتَ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قُمْتَ أنت فِيهِ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شئتَ أَيْ إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ شئتَ، وَأَمَّا حِينَ بِالنُّونِ فَيُقَالُ قُمْتُ حِينَ قُمْتَ أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الذي قمت أنت فيه، وَلَا يُقَالُ خرجتُ حَيْثُ خَرَجَ الْمدير بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. قال صاحب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: "... كُلَّ مَوْضِعٍ حَسُنَ فِيهِ " أَيْنَ " وَ" َيُّ " اخْتَصَّ بِهِ حَيْثُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَسُنَ فِيهِ "إذَا" و"لَمَّا" وَ" يَوْمٌ " و"وَقْتٌ " وَشِبْهُه ُ: اخْتَصَّ بِهِ حِينَ...".
الفرق بين (لديه) و(عنده):
لَدَى ولَدُنْ ظرفانِ للمكان والزمان، بمعنى "عن"، مَبنيّانِ على السكون، والغالبُ في "لَدُنْ" أن تُجرَّ بمن، نحو "وعلَّمناهُ من لَدُنّا علماً. وإذا أُضيفت إلى ياء المتكلم لَزمتها نونُ الوقاية، نحو "لَدُنِّي". والغالبُ على "لَدَى" النّصبُ على أنها ظرف زمان أو ظرف مكان، نحو "جئتُ لَدَى طُلوعِ الشمس" أو نحو "جلست لَديكَ". ولا تكون "لَدى وَلدُنْ" إلا للحاضر. فلا يُقال "لديَّ كتابٌ نافعُ"، إلا إذا كان حاضراً. أمّا "عند" فتكون للحاضر والغائب.
تذكير الفعل وتأنيثه:
يشتبه على بعض الكتاب المعاصرين أمر التأنيث والتذكير بين الفعل والفاعل، وخلاصة ما استقر عليه اللغويون في هذه الناحية هي أنه:
يجب تذكير الفعل مع الفاعل في حالتين:
- أن يكون الفاعل مفردًا مذكرًا أو جمع مذكر سالمًا.
- أن يكون الفاعل مؤنثًا ظاهرًا مفصولاً بينه وبين الفعل بـ «إلا» مثل:
[ ما يقول الحق إلا فاطمة. ]
ويجب تأنيث الفعل مع الفاعل في ثلاث حالات:
1- أن يكون الفاعل مؤنثًا حقيقي التأنيث متصلاً بالفعل مثل:
حضرت زينب، نجحت الطالبة.
2 - أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا يعود على مؤنث حقيقي أو مجازي مثل:
زينب نجحت في الامتحان.
الشمس تغرب آخر النهار.
3- إذا كان الفاعل ضميرًا يعود على جمع مؤنث سالم أو جمع تكسير لمؤنث أو مذكر عاقل مثل:
الطالبات نجحن في الامتحان.
الزينات ارتفعت في رمضان.
الفواطم نجحن.
الأقلام جفت.
ويجوز تأنيث الفعل في ثلاث حالات:
1 - أن يكون الفاعل مؤنثًا حقيقيًا منفصلاً عن فعله مثل:
نجح (أو نجحت) في الامتحان طالبة واحدة.
والتأنيث أفضل في هذه الحالة وإن كان التذكير جائزًا.
2 - إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا مجازي التأنيث مثل:
طلع (أو طلعت) الشمس.
والتأنيث أفضل أيضًا.
3 - إذا كان الفاعل جمع تكسير للمذكر أو المؤنث مثل:
قال نسوة في المدينة.
الأشجار أينعت.
الرجال قامت أو قاموا.
وقالت الأعراب آمنا.
[والتذكير أفضل هنا].
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1343
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7928
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4227
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3504
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026