رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يحلو للرئيس الامريكي جورج بوش مخاطبة وزيرة خارجيته إلابِ «كوندي» بدلا من الدكتورة فهي حاصلة على الدكتوراة من كلية الدراسات الدولية في جامعة دينفر في 1981 ، او كوندليزا والتي تطلق على نوع خاص من الحلوى الايطالية، وان كان من النادر ان يتخلى المسؤولون سيما من رجالات الدول عن التخاطب بالأسماء الحقيقية فان كوندي أو دكتورة رايس تشذ عن القاعدة ان كان المخاطب بوش لأنها لعبت ومازالت دورا كبيرا في توجيهه- ويقول البعض في توريطه-، اكثر مما ادت دورا في تحسين صورته.
وعلي اعتبار ان اوروبا الغاضبة احد افرازات الورطة بعدما غزت القوات الأمريكية العراق مع حليفها البريطاني بدأت كوندي جولتها الاولى بأوروبا واختارت بريطانيا أولى محطاتها لتقول امام وكالات الانباء «مامن صديق افضل من بريطانيا».
هذه هي كوندي اما طلائع الطغيان فهو الوصف الذي انفردت باطلاقه الدكتورة رايس على مجموعة من الدول ستكرس السنوات الأربع المقبلة لتأديب هذه الدول وجرها الى الحظيرة الأمريكية وتطبيق ماتراه تحت دعاوى الحريات وحقوق الانسان.
وان كان اشهر كاتب لخطابات بوش ديفيد فروم صاحب عبارة محور الشر التي ضمت الثلاثي المغضوب عليه كوريا الشمالية وايران والعراق في 2002، فان رايس في 2005 حذفت العراق بعدما اصبحت تنعم بالحرية خصوصا التعذيب في سجن ابوغريب«!!» وهلم جرا من ممارسات، واضافت لايران وكوريا كلا من بورما وروسيا البيضاء، إلا أنها في رحلتها الحالية اضافت روسيا ووجهت ملاحظتها من دون ان يسألها أحد ووعدت روسيا بالويل والثبور ان لم تنفذ وان لم تبادر وان لم تبدأ في تحسين صورتها، تقول رايس: «علي روسيا بذل المزيد لاظهار التزامها بأساسيات الديمقراطية اذا كانت ترغب في علاقات أعمق مع الغرب، وكان من الطبيعي ان يسأل الصحافيون رايس عما تعني بأساسيات الديمقراطية فقالت: تدعيم حكم القانون وتقويه دور القضاء المستقل والسماح بصحافة حرة مستقلة».
وعلى مايبدو أن رايس خانها التعبير في تعريف الديمقراطيه لأسباب أو معطيات تدركها هي قبل غيرها:
اولا: اي قانون تتحدث عنه وواشنطن تنتهك القانون وتدوسه في معتقلاتها ولكن فلندع المعتقلات وخصوصا غونتانامو بعد تبين انها سجنت أبرياء دون ذنب وهو أمر ذكّرني حين قبضت السلطات المصرية في الستينيات علي أحد المسيحيين بتهمة الانتماء لجماعة الاخوان المسلمين، فلندع غوانتانامو جانبا، ونقول هل احترمت واشنطن القانون الدولي أو حتى استندت اليه حينما غزت العراق واحتلت ارضه؟ نحسب ان الدكتورة في العلاقات الدولية تعرف حجم الخرق لكنه خرق مقبول ومبرر في حاله واشنطن فقط
ثانيا: هل المحاكمات التي تجري للمعتقلين في غوانتانامو أو حتي المتهمين الواقعين تحت الاحتلال في العراق تخضع لقضاة مستقلين؟ أليست واشنطن هي التي تفكر في انشاء اكبر سجن في العالم لحبس مشتبه بهم وليس متهمين مدى الحياة من دون محاكمة أو قضاة أو حتى مثوله امام كاتب في النيابة؟
اما السماح بحرية الصحافة فهو موضوع فضحه غزو العراق والشهادة لصحفي أمريكي يدعى جميل ضاهر ونشرنا له في الشرق شهادته الصارخة على مايحدث في العراق، متضمنة تجاوزات القوات الأمريكية ويقول ضاهر نفسه إنه رفض ان يكون ضمن جوقة الصحفيين المصاحبين للقوات الأمريكية لكي ينشر ويكتب مايراه وليس مايملى عليه، وهناك سيمور هيرش الكاتب في نيويوركر صاحب صور التوابيت التي حملت الضحايا الأمريكيين في العراق والذي يتعرض لاضطهاد كبير.
وحين سئل ضاهر ألا تخشى الموت من الانتحاريين في العراق فقال الرجل إنهم يملكون حق المقاومة عن وطنهم وهم مقاومون، ولكن ما اخشاه هو المساءلة من قبل رجال البنتاغون لدى عودتي إلى الولايات المتحدة، وهذا الخوف الصريح يكذب حرية الصحافة، وان كانت رايس تفقد الشيء فلا يجوز مطالبة الغير به اما ان الأمر مجرد عبارات رنانه وشعارت براقة من أجل تسويق إدارة بوش امام الغرب والعالم؟.
لو لم تكن رايس هي اللاعب الرئيسي في غزو العراق، وفي سجن غوانتانامو، وفي اقتراح السجن الخاص، لقلنا إن الامر التبس عليها وانها رددت عبارات ديبلوماسيه لن تسمن ولن تغني من جوع لاحقا، لكن الكارثة انها رايس نفسها التي يجمع المحللون بانها وراء توريط بوش من جهة وتوسيع دائرة الكراهية للولايات المتحده في شتى انحاء المعمورة، وحينما تحل رايس ضيفا على الغاضب شيراك لعلها تتطلب صحيفة التابلويد الساخرة التي تصدر في فرنسا والتي كتبت يوم اعادة انتخاب بوش «فرنسا مستعدة لمنح حق اللجوء السياسي لجميع مواطني الولايات المتحدة» في تعبير صريح عن الورطة من اعادة انتخاب بوش!!
وان كانت حرية الصحافة إحدى مقومات رايس غير الحقيقية أو المنطقية فقد طالنا في صحيفة الشرق جانبا منها حين أثارت شبكة «سي ان ان» الاخبارية نقاشا موسعا حول كاريكاتير نشرته الشرق للزميل المبدع خميس الراشدي عن الانتخابات العراقية في ظل الاحتلال، واعتبرت الصحف الأمريكية ان نشر الكاريكاتير يعد تأليبا للمواطن العربي ضدها، وان الزميل خميس المسلح بفكرة وريشة قادر على تأليب الامة العربية ضد الولايات المتحدة، وفي عموده اليومي طرح الزميل نائب رئيس التحرير جابر الحرمي سؤالا جوهريا حول الغضب الأمريكي من كاريكاتير الراشدي وقال: والغريب ان «سي ان ان» لم تتحدث عن وسائل اعلام أمريكية عديدة انتقدت الدور الامريكي خلال الانتخابات العراقية. ونشرت المئات من الرسوم الكاريكاتورية في صحف ومواقع امريكية، فهل يجوز لمثل هذه الجهات ان تنشر مايحلو لها بينما يحرم على مؤسسة اعلامية عربية ان تبدي رأيا حول قضية عربية نتفق أو نختلف بشأنها، ولأن الزميل جابر لن يتلقى اجابة شافية حول هذا السؤال فانني اقول له نعم حلال عليهم حرام علينا، حتى وان كانت القضية تخصنا، وان كنا نحن الذين نكتوي بنيرانها، والسبب واضح هو ان امريكا تكيل ليس بمكيالين بل بمئات المكاييل، وما علينا مثلما على بوتين ان نقبل وان نقر وان نهتف ليل نهار، وان نعلم اولادنا واحفادنا ان الحرية الأمريكية صنوان لا يجوز المساس به.
نعود إلى طلائع الطغيان، فبعد ان سمت رايس 5 دول قالت عن الشرق الاوسط كله، وفي القلب منه الدول العربية «إن الشرق الاوسط سيبقي مصدرا للتطرف يهدد أمن الولايات المتحدة واصدقاءها مادام منطقة استبداد ويأس وغضب»، الشرق الاوسط اذن من طلائع الطغيان بل اكثر من ذلك بكثير، فهو مصدر قلق وتهديد لأمن امريكا والغرب الذي تزوره حاليا، ومثلما حرمت رايس علينا التعبير بريشة وقلم فهي تحرم علينا ان نغضب رغم انها سبب الغضب وهى أدرى!! فهل لا تدري ان مايحدث في العراق يؤرقنا؟ وهل لا تدرك ان منظر الدماء الفلسطينية الذي روى الاراضي المحتلة لا يحرك مشاعرنا؟ وهل لا تستوعب ان خطابنا الإعلامي يتهم قادة العرب بكثير من الاتهامات بسبب حالة العجز التي بلغناها فتعاطينا الصراخ حتى ادمناها وبعدما كنا والحمد لله نسبق الدنيا في الادانة والاستنكار والشجب صرنا في حالة من البلادة تعتبرها رايس غضبا!!!
اما كون المنطقة منطقة استبداد فماذا فعلت امريكا لوقف الاستبداد؟ أليس من الاولى ان تلتزم امريكا بمحاربة استبداد قواتها قبل ان تطالب بوقف الاستبداد في الشرق الاوسط.
أمور كثيرة غير منطقية في عقلية رايس تحتاج إلى إعادة نظر قبل ان تطلقها للعنان وتجعلها موضع التنفيذ وهنا ستقع كارثة لايعلمها الا الله، فحين كانت رايس مجرد مستشارة للأمن القومي حدث ما حدث ومازلنا نكتوي بنيرانه، فما بالنا حين تكون على قمة هرم الخارجية الأمريكية مدعومة بالثلاثي تشيني زميلها النفطي السابق في هالبيرتون ورامسفيلد عراب الضربات الاستباقية، وبول وولفويتز وعن الاخير حدّث ولا حرج فهذا الرجل لن يهدأ له بال قبل ان يجيّش قواته لضرب سوريا وايران معا.
ومايدور في عقلية رايس يحتاج إلى درس وتمحيص وتحليل لان المستقبل حين ينطلق من افكار رايس فهو جد خطير، هناك مثال حى سأورده للقارىء ليدرك حجم الخطر المحدق بنا جميعا، فبعد كارثة تسونامي قالت رايس إن المد البحري في آسيا كان فرصة رائعة للدبلوماسية الأمريكية وقالت: جنينا منه فائدة كبيرة، نعم لقد رأت رايس في مآسي الآلاف فرصة لتحسين صورة الولايات المتحدة لاسيما ان مراصدها في المحيط الهندي رفضت ابلاغ الدول المنكوبة لأنها كما قلت في مقال سابق لم تعرف ارقام الهواتف!!، وفي المقابل قامت الدنيا ولم تقعد حين قال الشيخ الفوزان إن تسونامي عقاب من السماء، وننقل هنا رد فعل امريكياً علي ما قالته رايس، تقول السيناتورة بربا بوكسر: «اشعرني تصريح رايس بخيبة أمل، تسونامي كان واحداً من افدح المآسي الانسانية في حياتنا، اطفال يعانون. انها كارثة كارثة طبيعيه حقيقية».
رايس مواطنة امريكية مفرطة في الوطنية، والوطنية أمر يستحق عليه الشخص التقدير مهما اختلفت معه، ولكن ان تستغل رايس موقعها وقوة بلادها لتكرس فقط مصالح امريكا الشخصية الضيقة جدا فهذا أمر مثير إن انسحب على مانحن فيه فهي في العراق من أجل نفطه.
وهي مع اسرائيل من أجل ابادة ماتبقى من الشعب الفلسطيني.
وهي ضد سوريا حتى لا تقوم لها قائمة الا بتجريدها من أسلحتها .
وهي تستعد لضرب ايران حتى تظل اسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك وسائل تأديبنا وتهديدنا وتنغيص حياتنا.
وهي في افغانستان لأن نفط قزوين دغدغ مشاعر امريكا الساعية لكل نقطة نفط.
وهي الضاغطة علي روسيا من أجل وقف تعاونها العسكري مع العرب.
وهي التي تناور السودان ليس حبا في قرنق أو كرها للبشير بل من أجل ماباحت به ارضه من ابار نفطية.
هذا غيض من فيض ولكن اخطر مافي الأمر، يكمن في ان رايس تعد انموذجا مثيرا من ساسة العالم، فهل يصدق احد ان جميع من عملوا معها يثنون عليها على اعتبار انها لا تأمر بشيء ولكن في الوقت نفسه تنفذ ماتراه داخل عقلها، فهى تترك المعارك من حولها تستعر، ولا تتدخل بالأمر بل تطرح اسئلة تفسد ما ينحو الاجتماع الذي تحضره لاتخاذ قرار لايروق لها.
إن قراءة طبيعة رايس يجب ان تكون متعمقة قدر أهمية دورها المقبل لا من أجل سبر اغوار مايدور في عقلها بل لمعرفة ما يخطط لنا في دهاليز واشنطن لانه أمر لا يهمنا وحدنا بل يهم اجيالنا المقبلة التي سنورثها قائمة طويلة من الهموم.
لقد بدأ عصر رايس وكل مانملكه أن نقرأ فيم تفكر هذه السيدة وهو موضوع مقالات مقبلة إن شاء الله.
الغرب الذي فضحه إبستين
لهذا لم يكن هناك تعاطف لأطفال ورُضع غزة حينما كانت تُنتَزع أرواحهم انتزاعا ويُمثَل في أجسادهم الصغيرة لأنهم... اقرأ المزيد
27
| 12 فبراير 2026
إبستين.. ووجه الحرية القبيح
حين تفجَّرت فضيحة جيفري إبستين، حاول كثيرون حصرها في إطار «جريمة أخلاقية فردية»، أو «انحراف شخصي»، أو «ثغرة... اقرأ المزيد
30
| 12 فبراير 2026
سلوك الناس.. اعترافات صامتة في العمل
في بيئة العمل، لا تكون التصرفات اليومية عشوائية أو بلا معنى: تعليق ساخر، تجاهل متعمد، تقليل من جهد،... اقرأ المزيد
27
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
12405
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1227
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
780
| 10 فبراير 2026