رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة

- كاتب من مملكة البحرين

مساحة إعلانية

مقالات

144

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة

إبستين.. ووجه الحرية القبيح

12 فبراير 2026 , 02:33ص

حين تفجَّرت فضيحة جيفري إبستين، حاول كثيرون حصرها في إطار «جريمة أخلاقية فردية»، أو «انحراف شخصي»، أو «ثغرة قانونية». غير أن ما كُشف من شبكات استغلال، واعتداءات ممنهجة على قاصرات، وتورّط نخب سياسية واقتصادية، وصمت مؤسسات يفترض أنها حارسة للقيم، كان أكبر من أن يُختزل في حادث عابر.

لقد كانت الفضيحة نافذة فاضحة على عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها العالم المعاصر، عالم يتقدّم ماديًا، لكنه ينحدر إنسانيًا، ويُحسن صناعة الخطاب الحقوقي، بينما يعجز عن حماية الإنسان الضعيف حين يتعارض ذلك مع مصالح الأقوياء.

الحرية بلا ضمير… حين تسقط الأقنعة

في قضية إبستين، لم يكن الانتهاك محصورًا في الجريمة نفسها، بل في المنظومة التي سمحت بها، وتستّرت عليها، ثم حاولت طيّها.

حرية بلا أخلاق، وحقوق بلا مسؤولية، وقانون يُطبَّق على الضعفاء، ويُعلَّق عند أبواب النافذين. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى. 

الغرب الذي يملأ الفضاء الإعلامي حديثًا عن حقوق المرأة والطفل، ويجعل منها سلاحًا سياسيًا ضد خصومه، هو ذاته الذي عجز – أو تواطأ – حين تعلّق الأمر بانتهاكات فادحة ارتُكبت في قلب مجتمعاته. إنها ليست أزمة أفراد، بل أزمة ميزان. بل لقد وصل الأمر إلى التستر على المتورطين من كبار المتنفذين، فقد وصل بهم الأمر في ملف إبستين لتنسيق تسويات علنية ‏تناقلها الإعلام، فها هو الغرب وأمريكا «إذا سرق فيهم الشريف تركوه».

قبل أكثر من (80) عامًا، كتب - عام 1945م - المفكر الإسلامي أبو الحسن علي الحسني الندوي كتابه الشهير «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟».

لم يكن الكتاب رثاءً لحضارة مضت، ولا بكاءً على أمجاد، بل تشخيصًا حضاريًا مبكرًا لفراغ أخلاقي قادم.

كتب الندوي – في معنى لافت – أن العالم حين فقد القيادة الإسلامية «فقد الميزان الذي كان يزن به الأشياء، ويضبط به الشهوات، ويقيم به العدل».

لم يكن يقصد سلطة سياسية، بل قيادة قيمية؛ قيادة تجعل الإنسان غاية لا وسيلة، وتحول دون أن تتحول الحرية إلى غابة.

يرى الندوي أن أخطر ما أصاب العالم الحديث ليس التقدم المادي، بل «انفصال الحضارة عن الضمير، والعلم عن الأخلاق، والقوة عن الحق». وهذا بالضبط ما كشفته فضيحة إبستين، قوة بلا رادع، ونفوذ بلا مساءلة، وإعلام ينتقي معاركه الأخلاقية وفق البوصلة السياسية لا الإنسانية.

من إبستين إلى غزة… الخيط واحد

وإذا كان إبستين قد كشف الوجه الخفي لانتهاك الإنسان في غرف مغلقة، فإن غزة تكشف الوجه العلني لانتهاك الإنسان على مرأى العالم. أطفال يُقتلون، مدن تُمحى، حصار وتجويع وعقاب جماعي … ومع ذلك، يُعاد تعريف الجريمة، ويُشوَّه الضحية، ويُستدعى خطاب “حق الدفاع عن النفس”، وهنا تُغلق أبواب القانون الدولي!!

الميزان نفسه المختل، والمنظومة نفسها التي صمتت عن إبستين، تبرّر ما يجري في غزة. وهنا يستحضر الندوي فكرة محورية حين قال – بمعنى قريب – إن العالم بدون القيم الإسلامية «لا يعرف عدلًا إلا ما يخدم مصالحه، ولا أخلاقًا إلا ما يحمي قوته».

لم تكن الهيمنة الغربية يومًا عسكرية فقط، بل هيمنة سردية. إعلام قادر على تضخيم قضايا وتغييب مجازر وتشويه ثقافات وإعادة تعريف المفاهيم فزواج القاصرات يُستدعى انتقائيًا لتشويه المجتمعات الإسلامية، بينما يُسكت عن شبكات استغلال جنسي موثقة في الغرب نفسه. والرق يُستحضر كاتهام تاريخي، بينما يُتجاهل أن أشكال العبودية الحديثة – الاقتصادية والجسدية والإعلامية – تُمارَس اليوم تحت لافتات “الحرية”، بل تعدت الاستغلال الجنسي حين استباحوا أكل لحوم الأطفال!!!

يؤكد الندوي أن خسارة العالم لم تكن في غياب المسلمين كعدد، بل في غيابهم «كحملة رسالة، وشهود على القيم، وأمناء على ميزان الإنسانية». وحين تخلّى المسلمون عن هذا الدور، لم يملأ الفراغَ بديلٌ أخلاقي، بل ملأته المادية المتوحشة. فضاعت: كرامة الإنسان، قدسية الحياة، ومعنى العدالة، وبقيت القوة وحدها هي الحكم.

نبوءة تحقّقت… والسؤال مفتوح

ختاماً ما نراه اليوم، من إبستين إلى غزة، ومن ازدواجية المعايير إلى انفصام الخطاب الحقوقي، ليس سوى تحقّق عملي لنبوءة الندوي. لم يكن الرجل متشائمًا، بل كان يرى أبعد من زمنه، وحين سأل: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ كان يضع البشرية كلها أمام مرآة المستقبل. ويبقى السؤال - بعد 8 عقود - أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل يمكن للعالم أن يستعيد إنسانيته دون استعادة ميزان أخلاقي حقيقي؟ وهل آن للمسلمين أن يعودوا إلى قيمهم، لا دفاعًا عن أنفسهم فقط، بل إنقاذًا للإنسانية من نفسها؟

اقرأ المزيد

alsharq حروب ما بعد الحرب!

الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد

225

| 13 فبراير 2026

alsharq لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر

جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد

138

| 13 فبراير 2026

alsharq ما أصعب الفراق

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد

114

| 13 فبراير 2026

مساحة إعلانية