رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن الموازين هنا، لا يعني موازين الحكم على المونديال من حيث النجاح والفشل، فالمونديال ناجح بكل المقاييس الموضوعية، ومن وجهات نظر عالمية وعربية ومحلية، بل يعني الحديث عن موازين التعامل مع المونديال ذاته، والتفاعل مع فعالياته أو عدم تقبله بصورة إيجابية لحاجة في النفس، فهناك الكثير من المتربصين لتنظيمه من الحاقدين والعنصريين الذين لا يريدونه أساساً أن يُنظم في المنطقة العربية لحجج واهية، ومبررات غير منطقية، وخصوصاً في قطر باعتبارها دولة عربية إسلامية في المقام الأول، وهذا واضح وجلي للقاصي والداني. ولكن قبل الخوض في هذه العبث، والمكائد الدنيئة، وغيرها من الأحقاد، لابد من تسليط الضوء على المونديال من لحظة انطلاقه.
فالمونديال منذ بدايته كان رائعاً ومبهراً، فقد انبهر العالم بافتتاحه الاسطوري العالمي الراقي الذي مزج بين الثقافات الوطنية المحلية والعربية بعاداتها وتقاليدها وأعرافها وما يزينها من كرم وضيافة ورفعة خُلق وترحيب بالجماهير الكروية، وبين الثقافات العالمية وتوجهاتها وتكنولوجيتها، ونمط حياتها المتسارع الخطى، فالافتتاح كان لوحة تصويرية فنية رائعة عكست الثقافة الإسلامية الأصيلة حيث بدأ بتلاوة من آيات الذكر الحكيم، وتضمنت فنوناً كثيرة ذات خلفية موسيقية، ومشاهد فيديو تصويرية تعبر عن الصلة بين أصالة الماضي وإيقاع الحاضر ونقماته، وبوسائل تقنية حديثة. وبذلك فقد نال الحفل الافتتاحي إعجاب الجماهير في كل بقاع الأرض من الحاضرين في موقع الاحتفال في أستاد البيت بمدينة الخور القطرية، أو الجالسين أمام شاشات التلفاز داخلياً وخارجياً، حيث كان البثُ مباشراً على القنوات الفضائية المتاحة لجماهير كأس العالم لكرة القدم. ولذا، فقد نجح المونديال رغم أنف الحاقدين المتشككين في قدرة قطر على التنظيم والاستضافة. فكان تنظيماً رائعا، واستضافةً راقيةً مغلفةً بكرم الضيافة، وطيب المعاملة، ومبطنة بالقيم الأخلاقية المتجذرة في المجتمع القطري والعربي.
ويمضي المونديال شامخاً مستمراً في علوه وارتقائه يضيء الأجواء العالمية نوراً ساطعا وصيتاً ذائعاً طوال هذه الفترة منذ انطلاقه يوم السبت 20 نوفمبر 2022 إلى الآن حيث بداية الاسبوع الثالث، والدخول في منافسات الدور الثاني (دور الــ 16)، ولم ينخفض صيت المونديال، ولم يخفت له ضوء، ولم يبهت له بريق، فلازال براقاً متلألئاً في سماء الكرة الأرضية برمتها. وما هذا في الحقيقة إلا نجاحاً باهراً يحسب للمونديال، ولكن لهذا النجاح أعداء ومغرضون يملؤهم الحقد الدفين، والعنصرية المقُيتة التي بدورها تؤدي إلى اختلال الموازين والمقاييس، وبروز المعايير المزدوجة في التعامل مع المونديال قبل أن يبدأ.
وإحقاقا للحق، ووضع المونديال في موازينه الموضوعية الصحيحة، فيمكن القول بأن مونديال العرب قد حقق أهدافه بجمع الجماهير العربية، ووحد كلمتهم حول قضيتهم الأولى «القضية الفلسطينية» فكان العلم الفلسطيني، والوشاح الفلسطيني وغيرها من الرموز الشعارات الفلسطينية حاضرة في كل أرجاء قطر، وفي كل فعاليات المونديال، مما أدى إلى حصار الوجود الإعلامي الإسرائيلي، وتحجيمه وتعريفه بقيمته الرخيصة عند الشعوب العربية، فالكيان الصهيوني منبوذ عربياً شعبياً. وبذلك أصبح المونديال بمثابة استفتاءٍ شعبي لرفض ما يسمي بالتطبيع الشعبي العربي كما يُروج له في دول التطبيع المجاني، والذي لم ولن يكون موجوداً أصلاً، فهو وهم لا حقيقة له على الإطلاق، وبذلك فقد ندم الإسرائيليون على حضورهم هذا المونديال الذي لم يحقق لهم مرادهم ولا في الحصول على مقابلة واحدة مع عربي واحد أثناء المونديال، فرجعوا بخفي حنين خائبين يلطمون وجههم من الحسرة والندم. كما يحسب للمونديال نشره للثقافة العربية بقيمها وأخلاقها الأصيلة من سماحة وضيافة وكرم وأخلاق ظهرت في تآلف وتفاعل المواطنين والجماهير العربية مع الجماهير العالمية وغيرهم مما أعطى صورة جميلة عن هذه الشعوب العربية الأصيلة، وعمل على تغيير صورتهم النمطية في الدول الغربية وأمريكا وغيرها ممن يتأثر بالإعلام الغربي المضلل. أما بالنسبة للتعامل مع الموازين المقلوبة كما ورد في عنوان المقالة، فقد تمثلت في بعض المواقف المشينة مثل موقف وزيرة اوروبية خالفت قوانين المونديال والتحايل عليها بإخفائها إحدى الشعارات، وهذا سلوك مشين وغير لائق من وزيرة.
هذا علاوة على الهجوم الإعلامي الشرس على قطر ومونديالها العالمي قبل أن يبدأ، وأثناء انطلاقه في الوهلة الأولى، حيث مُنعَ نقل مراسم الافتتاح بعالميته على قنواتهم الرئيسية بسبب منع رفع شعار الشذوذ الجنسي، فماذا يسمى هذا، أليس حقداً وكراهيةً وموازين مقلوبة من المرتدين لثوب النزاهة والعدالة والحضارة، فهل هذه هي الحضارة؟
وكل هذا شيء، وما يأتي من بني جلدتنا ويلبس ثوبنا ويتحدث بلغتنا، ويدين بديننا شيء آخر، فأول من انتقد افتتاح المونديال بآيات من القران الكريم هم أخوة لنا من العرب والمسلمين حين ابدوا تذمرهم بقولهم كيف يمكن افتتاح حدث عالمي كهذا يحضره الكثير من غير المسلمين بآيات من القرآن الكريم، ولم تفرضونه على جماهير العالم؟ في حين أن الآيات القرآنية التي بدأ بها الافتتاح كانت آيات تحث على التجمع والتآلف والمحبة بين الشعوب، بعيداً كل البعد عن معاني العنف والكراهية، فهل هذا موضع انتقاد وتذمر يا أخوتنا في العروبة والإسلام؟ وخلاصة القول، فمونديال العرب هذا كان محكاً مُحكَماً لبني البشر حيث ميز بين الصالح والطالح، والأصيل والخبيث، والغالي والرخيص، والرفيع والوضيع. فمبروك لقطر مونديالها العالمي الاستثنائي الرائع.
مونديال قطر 2022... والموازين المقلوبة
كلية التربية – جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلية التربية – جامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4077
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3810
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1260
| 05 مايو 2026