رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
متابعة المشهد السياسي في المحروسة – مصر- تنبئ بالرغم مما يبدو على السطح من تطورات إيجابية أهمها وصول رئيس مدني منتخب إلى السلطة وتشكيل حكومة أقرب إلى الائتلافية – بأن بلوغ حالة الاستقرار المأمول مازال بعيد المنال وذلك ناتج عن ظروف وملابسات موضوعية حددها لي السفير رفاعة محمد الطهطاوي الدبلوماسي المصري وحفيد مؤسس التنوير الفكري والثقافي في مصر الراحل العظيم رفاعة الطهطاوي في زمن محمد علي والذي كان واحدا ممن قرروا الانحياز إلى ثورة وثوار الخامس والعشرين من يناير تاركا بمحض إرادته منصب المتحدث الرسمي باسم الأزهر فيما يلي:
أولا: إن الاستقرار شرط ضروري ومطلوب بإلحاح بيد أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الاستقرار المطلوب أو حتى بداياتها ولكننا نأمل وبكل تحفظ أن نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق، لأن ما تشهده مصر الآن هو صراع حقيقي بين تيارين، لا أقول بين تيار إسلامي وآخر ليبرالي، وإنما بين الإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع وبين مراكز قوى راسخة مستندة إلى مؤسسات تمتعت بسلطان مطلق دون سند لا من قانون ولا إرادة شعبية ولا تزال الكلمة العليا في مصر لهؤلاء الذين لم ينتخبهم أحد والذين يفرضون أنفسهم أوصياء على المسيرة الشعبية. وعلى أي حال ثمة نوعان من الاستقرار يمكن أن تصل إليها الأمور، أحدهما ما يمكن وصفه باستقرار الركود والوقوع في وهدة الاستبداد مرة أخرى وقمع الحريات، بينما النوع الثاني من الاستقرار والذي ننشده فهو القائم على انتصار الإرادة الشعبية، ولا ينهض على الاستكانة للاستبداد والرضا بالهوان والقبول بالتخلف واستمرار الأمور على ما كانت عليه. وبالطبع ليس هذا استقرار الأحرار الذي ننشده إنما هو استقرار العبيد. أما ما نتطلع إليه فهو أن تقوم في مصر دولة حرة أساسها سيادة للقانون ويشعر أبناؤها بالعدل والمساواة ويختارون حكامهم بإرادتهم الحرة ويقررون مصيرهم وسياستهم بأنفسهم دون أي إملاءات. وعندما يتحقق هذا الاستقرار المنشود ستنطلق الطاقات وتتفجر الملكات ويحدث الإبداع الحقيقي على كافة الأصعدة.
ثانيا: بكل وضوح هناك صراع سلطة حقيقي واقع وقائم بين الطرفين وهو ليس أمرا معيبا إذ إن الصراع يكون معيبا فقط عندما يكون الهدف الأوحد منه مجرد الحصول على السلطة أو الوصول إليها. لكن عندما يكون هناك من يريد استنقاذ السلطة من أيدي من لا يستحقونها لتعود لأصحابها الشرعيين "الشعب" حتى يمكن تداولها بكل ديمقراطية فهذا ليس صراعا محموما على السلطة بل محمودا ومطلوبا. ببساطة لأن المعيار في تقييم الصراع على السلطة مرتبط بالهدف من الاشتراك فيه. وحركة التاريخ ترصد أن كافة الثورات التي حدثت كانت ضربا مسلما به من الصراع على السلطة ولكن لا يستوي في صراع أو آخر من لا حق له في تلك السلطة ومن له كامل الحق والشرعية فيها.
وهنا سألته: هل تقصد أن الصراع الآن على السلطة في مصر بين قوى ثورة يناير والقوى المضادة لها؟
فأجانبي قائلا: نعم الصراع الدائر الآن هو بين هاتين القوتين بالأساس. فلدينا رئيس منتخب ينتمي للثورة ومؤسسات ما يعرف بـ " الدولة العميقة" معظمها إن لم يكن جميعها تنتمي إلى النظام السابق وهو ما يجعل الصراع واضحا وضوح الشمس.
ثالثا: إن ما شهدته الفترة الماضية من محاولات دؤوبة ومستمرة لتعكير الصفو وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه فيما يعرف بالثورة المضادة لا تهدف في مجملها إلا إلى تكفير الناس بالثورة وتأليبهم على الثوار وإغراقهم في بحر من الحيرة بين ما يسمعونه من نخب وإعلام لا يخدمان سوى أجندات بعينها تهدف إلى اختلاط الحق بالباطل وإلباسه صورة الحق، وكل ذلك من خلال تجويع الشعب وجعله مفتقدا للأمن وضروريات الحياة. مما يجعله ثمرة ناضجة ومؤهلة لقبول استمرار الركود وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة. وكاد أن يحدث هذا في معركة الإعادة لانتخابات الرئاسة. وهي لا تزال مستمرة لم تتوقف حتى اللحظة ولكن هذه المخططات باتت معروفة كما أن من يقفون وراءها أصبحوا معروفين محليا وإقليميا ودوليا. وهذا التحالف الداخلي - الخارجي المشترك الذي مازال يستهدف الثورة ليس مجرد افتراض أو إحساس أو تبنى لنظريات تخوين بل هو حقيقة على الأرض يلمسها الجميع ولا داعي للمراوغة أو الإنكار.
رابعا: قلت للسفير طهطاوي: لتفادي الوقوع في سيناريو الركود ووهدة الاستبداد والارتماء في أحضان وبراثن الثورة المضادة، ما هو المطلوب في رأيك لتطهير تلك المؤسسات من الفساد المستشري بها من ناحية وإعادة تقنين أوضاعها على النحو الذي يجبر كافة الفاسدين لإعادة تأهيل أنفسهم بما ينسجم مع مقتضيات الديمقراطية التي نتطلع إليها، إذ لم يعد ثمة مجال للإقصاء في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير؟
فعقب موضحا: دعني أعلق على أهم نقطة من منظوري الشخصي وهي إعادة تأهيل العناصر الفاسدة بمؤسسات الدولة لأن هذه المسألة بها قدر عال من المثالية، ببساطة لأنها لن تعيد النظر في إصلاح نفسها وسلوكها فهي لا ترى في الثورة إلا كل شر يقوض من سلطاتها القائمة على غير أساس من الكفاءة أو الاستحقاق أو الشرعية. ثم حتى إذا اتفقنا على إمكانية إعادة تأهيلهم تجاوزا، فلا تزال هناك ثمة مشكلة حقيقية تكمن في أن من يقوم بخطوة من هذا النوع لابد أن يتمتع بسلطة كاملة وهو مالا يتفق مع الواقع القائم على الأرض والذي يشير إلى أن السلطة الفعلية حتى هذه اللحظة لا تزال في يد مؤسسات أخرى وكيانات قانونية أنشئت نشأة غير طبيعية في وقت مريب وبسرعة أكثر ريبة. وتأتي أحكامها وقراراتها كلها وبدون استثناء لصالح هدف معين وبما يوحي للناس أن هذا هو حكم القانون بينما في الواقع الأمر مسيس تماما. لذا ينبغي أن نصارح الناس ونتكلم بوضوح، هل بمقدور أحد أن ينكر أن هذه الأحكام مسيسة وأنها تحاكى بالليل لتصدر بجزء من النهار عندما يضغط البعض على ذر التشغيل. وكل هذا يدل على أن السلطة الحقيقية لا تزال في غير من انتخبهم الشعب ليمثلوه وهو أمر لا ينذر بخير إذا استمر.
خامسا: ثمة مخرج بالتأكيد يكمن كما يقول السفير الطهطاوي - في ثقتنا في الله أولا ثم في هذا الشعب العظيم وقراءة التاريخ الذي يشير إلى حتمية انتصار صوت الحرية وإرادة الشعوب مهما طال الأمد فشعاع الصبح لابد طالعٌ. فنحن وحتى يوم ٢٤ يناير ٢٠١١ لم نكن نتصور أن يسقط النظام السابق ولكن عندما تحرك الشعب اهتزت أركانه وهوى إلى الأرض. من كان يصدق أن شعبا أعزل وشباب دون تنظيم ولا عدة استطاع أن يقتلعه ويجتثه من جذوره؟ أقول لكل من لا يعبأ بالوطن وشعبه ومقدراته وإرادة أبنائه: لا تستهينوا بهذا الشعب ولا بإرادته واحذروا غضبته ببساطة لأن الشعب أفاق من سباته وخرج من القمقم.
إجهاض الثورة
السطر الأخير: يا رب متعب أنا في حاجة إلى فضلك ورحمتك وعونك كي تنقذني من ألوان حصارات عديدة تجتاح الروح والقلب والجسد، من لي يا رب ينقذني وينجيني فارفع مقتك وغضبك عني يا رحمن يا رحيم.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
386
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
449
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
319
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1953
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1389
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1167
| 11 أكتوبر 2026