رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في وقت تتطلع فيه الشعوب الخليجية الى مزيد من الوحدة والتكامل والتعاضد، للوقوف في وجه التحديات التي تواجه "الكيان" الخليجي، اقليميا ودوليا، صدمت شعوب مجلس التعاون بالقرار الذي صدر امس من الاشقاء في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، بسحب سفرائهم من دولة قطر، في سابقة غير مألوفة في العلاقات الاخوية الخليجية - الخليجية، وفي الاعراف الدولية ايضا، التي درجت على ان السحب يكون في حال الخلاف للتشاور، ولكن في حال الاشقاء يكون الاستدعاء!.
هذه الخطوة من قبل الدول الثلاث جاءت بعد اقل من 3 اشهر على القمة الخليجية التي عقدت بدولة الكويت الشقيقة، التي دار حديث قبلها بالانتقال بالمجلس الى صيغة الاتحاد، التي دعا اليها خادم الحرمين الشريفين في قمة الرياض 2011، واذا بالمملكة العربية السعودية التي دعت الى هذا الاتحاد تضرب اسس مجلس التعاون، فكيف سيكون الحال اذا ما تم الانتقال الى الاتحاد؟
نعود للقضية نفسها: لماذا اقدم الاشقاء في السعودية والامارات والبحرين على سحب سفرائهم وبصورة مفاجئة من قطر؟.
من قرأ البيان "الثلاثي" لا يستطيع ان يمسك تهمة واحدة تستدعي هذا الموقف الغريب، بيان اقل ما يقال عنه انه "هلامي" و"مطاط"، يتحدث عن الأمن والحفاظ عليه، ولا يذكر موقفا واحدا صدر من قطر يستحق مجرد التوقف عنده، فلماذا لم يتم ذكر "افعال" قطر التي تخل بالامن اذا كانت بالفعل موجودة؟
ثم يتحدث البيان الذي "بيّت بليل" عن الاتفاقية الامنية، ولم يذكر لنا هذا البيان التاريخي ماذا يريدون بالضبط من هذه الاتفاقية، حتى تكون الشعوب الخليجية على بينة من امرها؟
امن الخليج يتصدر اهتمام قطر، والشغل الشاغل لقيادتها، وتعمل بكل ما اوتيت من قوة من اجل الحفاظ على امن واستقرار الخليج، ورفاهية شعوبه، وتعزيز التواصل فيما بين الاسرة الخليجية الواحدة، وهو نهج لا يحتاج الى كلام، فمواقف قطر تجاه هذه القضية بارزة، ولا تستطيع دولة او شخصية خليجية ان تنكر ذلك، ونتذكر جيدا عندما اعلنت وزارة الداخلية البحرينية عن قيام قطر في نوفمبر 2011 بتسليمها خلية ارهابية افرادها بحرينيون، كانت تخطط لتنفيذ عمليات ارهابية ضد منشآت حيوية واشخاص في مملكة البحرين، هذه الخلية خرجت من البحرين ولم تمسكها الاجهزة الامنية البحرينية، ودخلت السعودية ولم يتم اكتشافها، وخرجت من السعودية ولم يتم اكتشافها، وعندما ارادت الدخول الى قطر استطاعت الاجهزة الامنية القطرية اكتشاف هذه المجموعة ووجدت عندها مستندات واجهزة، وقامت قطر بتسليم الخلية الى الاشقاء في البحرين، واشادت السلطات البحرينية بالدور القطري آنذاك، هذا هو موقف قطر، ام انكم نسيتموه.
ثم يتحدث البيان عن اتفاق وقع بالرياض في نوفمبر الماضي خلال زيارة قام بها سمو الامير المفدى الذي التقى خلالها بخادم الحرمين الشريفين بحضور امير دولة الكويت الشقيقة، وهذا صحيح، ولكن البيان لم يشر الى هذه البنود، ولم يشر الى ما تم الاتفاق عليه في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الذي عقد بالكويت الشهر الماضي، والذي تم خلاله الاتفاق على قيام دولة الكويت باعتبارها رئيسة القمة الخليجية الحالية بوضع آليات لتنفيذ الاتفاق وارساله الى الدول الخليجية لمناقشته في الاجتماع الوزاري الذي عقد مؤخرا بالرياض، وهو ما قامت به مشكورة دولة الكويت، وقامت بارساله الى الدول المعنية، فلماذا تفاجأ الحضور في اجتماع الرياض بإلغاء كل ما قامت به الكويت، ووضع آليات وشروط جديدة، لماذا لم يشر البيان "العظيم" الى هذا الامر، ام ان الامر يكتفي بـ "ولا تقربوا الصلاة"؟.. (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
القضية باختصار ليست خلافا خليجيا خليجيا على شأن خليجي، بل هو خلاف خليجي خليجي حول ملفات خارج الاقليم، وهو ما اشار اليه البيان القطري بكل وضوح وشفافية، عندما قال "لا علاقة للخطوة التي اقدم عليها الاشقاء في المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين بمصالح الشعوب الخليجية وامنها واستقرارها، بل باختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون".
وهذه هي الحقيقة، الخلاف وحتى نكون دقيقين يتمحور حول الاوضاع في مصر، كل له رأيه ومواقفه، فليكن ذلك، ولماذا نهدم كيان مجلس التعاون بسبب خلاف في وجهات النظر حيال ملفات لا تخدم شعوب الخليج، كنا نتمنى ان يكون هناك نقاش حقيقي حتى وإن وصلنا الى مرحلة الاختلاف في وجهات النظر حول ماذا يجب ان تقدم الحكومات الخليجية من خدمات افضل لشعوبها، وان يكون التنافس على هذا الصعيد، بدلا من ان تؤثر اختلافاتنا حيال قضايا واقعة خارج مجلس التعاون على علاقاتنا الاخوية.
ثم لماذا يجب ان نكون "نسخا مكررة"، وان "يبصم" الجميع في مواقفنا الخارجية، خاصة ان ذلك لا يؤثر - او هكذا يجب ان يكون - في الشأن الخليجي، فالاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية، وهو يحدث في اي منظومة، وما يحدث في الاتحاد الاوروبي خير شاهد، فهذه الدول تختلف في سياساتها الخارجية تجاه العديد من الملفات، لكن هذا الاختلاف لا يدفع نحو سحب سفرائها او توجيه التهم لبعضها البعض.
قطر تغرد خارج السرب.. مقولة باتت ممجوجة، نعم قطر لديها مواقفها التي تنطلق من مبادئها وقيمها، ولا يمكن ان تتزحزح عنها مهما واجهت من تكالب البعض عليها، وفي نفس الوقت قطر تلتزم وتحترم التزاماتها، حتى تلك التي تقولها شفاهة، فما بالكم بالمكتوبة.
قطر كما قال سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير البلاد المفدى "نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا ولا نعيش على هامش الحياة ولا نمضي تائهين بلا وجهة ولا تابعين لاحد ننتظر منه توجيها، لقد اصبح نمط السلوك المستقل هذا من المسلمات في قطر وعند من يتعامل معنا نحن اصحاب رؤية".
قطر تفتح ابوابها للحوار حيال كل الملفات، وليس لديها ما تخفيه او تؤجل نقاشه، على اتم الاستعداد لطرح كل الملفات للنقاش امام الشعوب الخليجية، وعلى اتم الاستعداد لحوار حيالها، فقطر واثقة في نفسها، ولديها الثقة الكاملة في الحوار مع الجميع، ليس لديها "فوبيا" من اي جهة كانت، فعلاقاتها واضحة مع جميع الاطراف، وعلى مسافة واحدة، ولا يستطيع احد ان يدعي انحيازها الى طرف دون آخر، حتى الذين يدعون دعم قطر لجماعة الاخوان المسلمين في مصر، نسوا ان قطر وقفت مع الثورة المصرية منذ ايامها الاولى، ونسوا ان سمو الامير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عندما كان اميرا زار القاهرة بعد نحو 3 اشهر من نجاح الثورة وتحديدا في مايو 2011 وكان من يمسك بالحكم المجلس العسكري والتقى المشير الطنطاوي، وبعدها بشهرين وتحديدا في نهاية يونيو 2011 قام سمو الشيخ تميم بن حمد ال ثاني عندما كان وليا للعهد بزيارة القاهرة والتقى ايضا المشير الطنطاوي، ولم يكن آنذاك في المشهد اي ظهور للاخوان المسلمين، وقامت قطر بتقديم الدعم المالي والمساندة للشعب المصري الشقيق، واستمرت على ذلك حتى بعد حدوث الانقلاب العسكري، عندما واصلت ارسال شحنات الغاز التي تبرعت بها مجانا للشعب المصري خلال فترة الرئيس المنتخب محمد مرسي، واكملت ارسالها فيما بعد إزاحته، ولم تخل بتعهدها.
يتحدثون عن قناة الجزيرة، وضرورة ادخالها "بيت الطاعة" لتكون اعلاما "مدجنا" كما هو باقي الاعلام الرسمي في العالم العربي، ونسوا اننا اليوم في عالم مفتوح، وفضاء تتناقل فيه الكلمة والصورة اسرع من الصوت.
الجزيرة قناة اخبارية لا ترتبط بقطر وهو امر معلن، لكن ماذا عن وسائل اعلام خليجية رسمية تهاجم قطر ليل نهار، وماذا عن شخصيات خليجية رسمية تتولى مناصب رفيعة في بلدانها تتهجم على قطر وتسيء الى حق الجوار؟ لماذا لا يتم الحديث عن هذه الاطراف؟.
لقد ترفعت قطر طوال هذه السنوات عن الرد على هذه المهاترات، ورفضت الانجرار الى هذا المنزلق، ورفضت ابداء اي امتعاض او اصدار تصريح تبدي فيه استياءها، وظلت تؤكد ان ما يقال في وسائل الاعلام الخليجية هي حرية شخصية، وحرية اعلامية، وتركت للقارئ ان يقيم الوضع، لانها تدرك دور الاعلام، وترفض الحجر على العقول والافكار.
كل الادعاءات التي تقال عن قطر لا ترتكز ابدا على ادلة حقيقية بقدر ما هي "قصاصات" صحفية، وليتها من صحف محترمة، بقدر ما هي صحف "صفراء" تعيش في مستنقع آسن، وتعتمد على من يدفع لها اكثر.
يتحدثون عن دعم قطر للحوثيين، كيف يمكن التصديق بذلك، وقطر قبل نحو شهرين قامت بدعم الحكومة اليمنية بأكثر من 350 مليون دولار مساعدات، اضافة الى مشاريع تنموية في مناطق مختلفة من اليمن، دعما للاشقاء في هذا البلد العزيز.
يتحدثون عن دعم الاخوان المسلمين الذين كما يقولون انهم يريدون تغيير انظمة الحكم في بعض البلدان، واتساءل ما هو نظام الحكم في قطر؟ اليس نظام الحكم في قطر شأنه شأن بقية الدول الخليجية، حكما وراثيا؟ كيف يمكن التصديق بهذه الادعاءات..؟.
اشقاؤنا في المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين استاؤوا من اختلاف وجهات النظر والمواقف معهم حيال الملف المصري، مجرد اختلاف المواقف، فقاموا بسحب سفرائهم من الدوحة، ولم يقدموا على خطوة مماثلة او حتى قريبة عندما اطلقت صواريخ من العراق على الاراضي السعودية الشقيقة، ولم نسمع صوتا عن الاعدامات التي تنفذها حكومة المالكي بحق المعتقلين السعوديين في السجون العراقية..، وهو عمل اجرامي نؤكد تضامننا مع احبتنا واشقائنا بالمملكة تجاه اي تهديد يستهدفهم من اي جهة كانت.
اشقاؤنا في الامارات اقدموا على خطوة سحب السفير من الدوحة لمجرد اختلاف وجهات النظر والمواقف ليس في قضية خليجية - خليجية، انما في ملف خارج نطاق شعوب المجلس، لماذا لم نجد هذه الحمية مع دولة تحتل جزرا اماراتية، بل يعرف العالم ان اكبر تبادل تجاري هو مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، ونحن نؤكد دائما على رفضنا لاحتلال الجزر الاماراتية، وضرورة عودتها الى الوطن الاماراتي العزيز.
اما اشقاؤنا في البحرين فلا اريد الحديث او التطرق الى سحبهم للسفير...
ان المرحلة التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة حساسة، تتطلب مزيدا من التكامل والوحدة لمواجهة التحديات التي تواجهنا، كنا نتمنى ان نحتفل في الذكرى 34 لتأسيس مجلس التعاون في مايو القادم ونحن اكثر تماسكا، واكبر قوة، لمواجهة التكتلات الاقليمية والدولية، لكن ان تحدث مثل هذه الهزة، فهذا امر في غاية الاستغراب؟! وهل مثل هذه الخطوة وقتها الآن؟.
يشهد الله ان قطر قيادة وشعبا تبتغي للخليج قيادة وشعبا، فردا فردا، العزة والكرامة والمنعة والرفاهية لشعوبه، ومزيدا من الامن والاستقرار، وتسعى جاهدة لترسيخ هذا الامر بكل ما تستطيع من فكر ودعم، يدا بيد مع اشقائها في بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
املنا ان نتجاوز هذه "الغمة" لأننا مؤمنون بتاريخنا المشترك، ومصيرنا الواحد، وروابطنا المتداخلة اسريا..، لا يمكن ان تنفك اواصر ابناء الخليج تحت اي ظرف كان.
ستظل قطر على مبادئها وقيمها وثوابتها التاريخية، ولن تنحني، ولن تساوم على هذه المبادئ والقيم التي توارثناها ابا عن جد، وسننقلها الى ابنائنا واحفادنا، كل يسلم الراية الى الآخر، بكل عزة وشموخ وإباء...
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
141
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
138
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
120
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3312
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2601
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2280
| 02 يونيو 2026