رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد الضحك والقهقهة مقصوراً على اليهود وأعوانهم من الأمريكان بعد نجاح مخططهم في ضرب ثورات الشعوب المطحونة في بلاد العالم العربي والإسلامي بل امتد الأمر ليشمل الإيرانيين الذين يضحكون ملء شدقهم ويقهقهون بل وينبطحون أرضاً من فرط فرحهم بنجاح مخططاتهم التي تقاسموها ورسموها مع حلفائهم الصهاينة والأمريكان في تقسيم منطقة الخليج العربي بعد نجاحهم في تقسيم العراق أو بالأحرى الاستحواذ عليه من قبل إيران بعد أن انتهت أو بالأحرى "شبعت" الولايات المتحدة الأمريكية من سرقة النفط من أرضه حتى أوشك "الضرع" أن ينشف من البترول فألقمته إيران لتستكمل سرقة خيرات وثروات العراق لتصدير عقيدتها الشركية الباطلة في العالم الإسلامي فضلاً عن تبادل الأدوار مع الأمريكان الذين قتلوا الشعب العراقي وتفننّوا في تعذيبه – كما في جرائم سجن أبو غريب وغيرها – ليستكمل الإيرانيون قتل أهل السنة وإبادتهم عن بكرة أبيهم على يد خادم إيران وعميلها نوري المالكي.
دول الخليج العربي بدأت تقطف ثمار مواقفها السلبية تجاه تحركات إيران وتقاربها مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا السكوت على قتل أهل السنة في الأحواز العربية وفي العراق على يد الإيرانيين بإشراف حقير من قبل الأمريكان لم تقابله دول الخليج العربي مجتمعة إلا بالمزيد من السكوت والتفرّج واستكمال مشاهدة سباقات الهجن والفروسية المشتركة فيما بينهم واستكمال مشاهدة مباريات كأس الخليج لكرة القدم وغيرها من الاهتمامات المشتركة لدول مجلس التعاون الذي يغلي على فوهة بركان يكاد ينفجر في أي لحظة بينما لايزال يعيش على ذكريات التعاون المشترك والإنجازات! كبرنامج "افتح يا سمسم" على سبيل المثال لا الحصر. هذا المجلس الذي لايزال كذلك يعيش على ذكريات السجاد الأحمر الذي تفترشه المطارات الخاصة لاستقبال رؤساء دول الخليج العربي والورود المنثورة على مواكب الضيوف فضلاً على الأغاني الوطنية التي تعجّ وتغصّ بها القنوات الرسمية في دول الخليج الست بينما كانت الطبول تقرع في خارج الخليج على أنغام حروب ونزاعات ومؤامرات تحاك للمنطقة في الوقت الذي لايزال المواطن الخليجي العربي ينتقل بمشقة وصعوبة وإهانة – أحياناً - بين هذه الدول الست! بينما ينتقل بكل يسر وسهولة وكرامة بين ثماني وعشرين دولة! هي دول الاتحاد الأوروبي التي نجحت في تغليب مصلحة شعوبها واقتصاد أوطانها على المصالح الشخصية والأهواء الفردية والنزاعات القبلية.
لقد أكدّ الكثير من الدارسين والمحللّين للوقائع والأحداث بأن دول الخليج العربي ستؤول إلى المزيد من الانقسام إلى دويلات وقبائل متنازعة متناحرة كما كانوا في زمن الجاهلية " قبل الإسلام" ما لم يتحدوا فيما بينهم ويفهموا حقيقة الصراع الدائر حولهم من قبل أمريكا وإيران، ولكن يبدو أن "أذن من طين وأخرى من عجين" فهم إمّا أنهم يدركون ويعرفون ذلك ولكنهم لا يريدون أن يفعلوا شيئاً تجاه إيران وأمريكا لأنهم يريدون تصفية حساباتهم فيما بينهم تطبيقاً للمقولة الخليجية "هدني وأهدّك" أو "فكني وأفكك" أو المصرية "سيب وأنا أسيب" أو مقولة البنات المعتادة "اتركي شعري وأترك شعرك" بينما العالم يتفرج على هذه الأضحوكة! وإما أنهم في المقابل لا يدركون حقيقة ما تخطط له إيران وأمريكا منذ سنوات طوال وما أكدته مؤخراً أحداث الشغب في البحرين واليمن وما سبقها من احتلال إيراني "طائفي" حاقد للعراق وسوريا، فإذا كان الاحتمال الأول نقول "فتلك مصيبة" وإذا كان الاحتمال الثاني نقول "فالمصيبة أعظم"!، وفي الحالتين فإن مصير دول الخليج العربي سيكون بمثابة قنبلة يدوية ستنفجر في يد المتنازعين عليها وفي وجوههم بدلاً من أن يتعاونوا معاً فيلقوها في وجه عدوّهم فتفجر فيه وتنتهي المشكلة.
لهذا نقول كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به حال أولها) ونقول أيضاً كما نجح الرسول عليه الصلاة والسلام في جمع كلمة العرب على أرض هذه الجزيرة بالإسلام بعد أن كانوا قبائل متناحرة متقاتلة تعيش على هامش الحياة وجعلها الله بالإسلام خير أمة أخرجت للناس فإنها ينبغي أن تعود للإسلام الصحيح كي تعود لها العزّة والمكانة والهيبة في نفوس أعدائها، قال تعالى (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) وكما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام).
لهذا فإن الفرقة قد دخلت على العرب والمسلمين عموماً وعلى دول الخليج العربي خصوصاً عندما ابتعد بعضهم عن الإسلام وأراد العزّة بأمريكا أو إيران أو بالصهاينة وغيرهم من أعداء الأمة المتربصين بنا الدوائر، وأعجب كثيراً من دول خليجية تدّعي الإسلام بينما تحارب الإسلام في كثير من نواحيه فتبيح ما حرّم الله ورسوله من الخمور والربا والزنا وغيرها من المنكرات وفي المقابل تضطهد وتعتقل وتخرس ألسنة الدعاة والمصلحين الذين يريدون الخير للبلاد والعباد.
لقد نجح المنافقون وأدعياء الإسلام من المحسوبين على أهل منطقة الخليج أو من الدخلاء عليها من خداع بعض حكّام الخليج وإقناعهم أن الإسلاميين أو إن صحّ التعبير الملتزمين بدينهم يريدون زعزعة الأمن في بلادهم والانقلاب على الحكّام والاستحواذ على السلطة وغيرها من الإدّعاءات الباطلة التي ينفيها العقل والأدلّة، فهذه المنطقة وحكّامها كانوا بخيرٍ ورخاءٍ طالما التزموا بدينهم ولطالما كان بعض حكّام الخليج محبين لدينهم ملتزمين بالفطرة، يقرّبون العلماء والصالحين بل إنّ بعضهم كان يؤمّ المصلين ويكرّم العلماء ويدنيهم من مجلسه، ولكن هؤلاء المنافقين المحاربين للإسلام يزعجهم أن ينادي أهل الخير ودعاة الإصلاح بمنع الخمور والربا وتطبيق العدالة العامة بين الناس، فماذا يريد أهل الخير والصلاح من أهل الخليج من حكّامهم أكثر من إقامة حكم الله وتطبيق شرعه وتحريم ما حرّمه الله تعالى، ووالله الذي لا إله إلا هو أقولها وأنا على يقين بأن أهل الخير ودعاة الإصلاح لايريدون الحكم ولا السلطة وإنمّا يتهرّبون منها لعلمهم بأنهم محاسبون على كل صغيرة وكبيرة وأن الأمانة خزي وندامة يوم القيامة لمن خانها ولم يؤدّ حقّها.
إننا على أعتاب مرحلة جديدة وخطيرة كنّا قد حذّرنا منها مراراً وسابقاً – في مقال سابق بعنوان زلزال الخليج - بأنه كما تضررت وتأثرت دول الخليج العربي بالهزّات الأرضية القادمة من إيران فإنها ستهتز فعلاً إن لم تتعاون فيما بينها ضد مخططات الإيرانيين والأمريكان في المنطقة، فالخليج الآن على أبواب بركان لا زلزال هذه المرّة يوشك أن يثور وينفجر وتوشك المنطقة أن تنشطر بعده إلى دويلات متفرقة تتقاتل فيما بينها.. ويلهو بها الفرس والروم "الإيرانيون والأمريكان".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1329
| 08 يناير 2026
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1278
| 14 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
792
| 13 يناير 2026