رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية..
بكل الحب.. بكل الترحاب.. نقول أهلاً وسهلاً ومرحباً بقادة دول مجلس التعاون الخليجي في بلدهم وبين أهلهم وبضيافة أخيهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في دوحة الخير، وكلنا ثقة بأن هذا اللقاء الأخوي سيتعزز بمخرجات ترسخ مسيرة العمل الخليجي المشترك، وتوطد تماسك بناء منظومة المجلس، وتخلق دروعاً جديدة لحمايتها، والتصدي لكل المخاطر...
تنعقد القمة الخليجية الرابعة والأربعون بالدوحة اليوم في ظروف استثنائية، ووسط تحديات وأزمات متفاقمة إقليميا ودوليا، وملفات مفتوحة على أكثر من صعيد.
قادة مجلس التعاون الذين يجتمعون بالدوحة تلتفت إليهم الأنظار شعبيا ـ على صعيد الشعوب الخليجية ـ وإقليميا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خاصة ما يتعلق بالعدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة، والجرائم والمجازر التي يرتكبها الكيان بحق أهلنا في غزة.
هذه التحديات تفرض اليوم أكثر مما كان في السابق على المنظومة الخليجية، مزيدا من العمل البيني التكاملي الاتحادي، فالمخاطر تحدق بنا جميعا، لن تستثني أحدا، والاستهداف في نهاية المطاف لنا جميعا دون استثناء، وهو ما يحتم تقوية الصف الخليجي على مختلف المستويات، وتدعيمه عبر مزيد من الشراكات والمشاريع النوعية التي من شأنها توطيد العلاقات بصورة أكبر، وإشراك الشعوب الخليجية عبر القطاعات الخاصة والمشاريع الاستثمارية البينية، بما يخلق كتلة خلجية موحدة متماسكة، تتصدى لكل التحديات والعواصف التي قد تتحرك في أي لحظة.
نعم مجلس التعاون الخليجي صمد أمام كل التحديات والعواصف والحروب التي مرّت على المنطقة، وهو الكيان العربي الوحيد الذي مازال صامدا في وجه العواصف، بعد أن تلاشت كل الكيانات التي أتت بعده ـ عدا الجامعة العربية بالطبع ـ ولم تستمر إلا سنوات، وعصفت بها الخلافات، ثم اندثرت أو ظلت هياكل وأسماء، إلا أن الحروب والصراعات والأحزمة النارية لازالت تحيط بالخليج، مما يستدعي المزيد من اليقظة والحيطة والتعاون والتكاتف.
إن بقاء هذه المنظومة الخليجية، والحفاظ على استمرارية انعقاد دورات المجلس الأعلى للقادة ـ حتى في وقت الأزمات ـ أمر يحسب لقادة الخليج من المؤسسين إلى الجيلين الثاني والثالث، وهو ما يؤكد إيمان الخليج قيادة وشعبا بهذا الكيان، وأهمية استمراره وبقائه، وأنه لا خيار أمامنا إلا هذه الوحدة، وهذا التكامل بروح أخوية، جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
اليوم أنظار الشعوب تتجه نحو القمة الخليجية في دوحة الخليج، وسط آمال وتطلعات معقودة على اجتماع القادة وما سيخرجون به من قرارات وتوصيات تعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك، الذي هو هم يحمله القادة، كما تحمله الشعوب أيضا.
42 عاماً من مسيرة عمل خليجي رسمي، تحققت فيها مكتسبات ومنجزات وإنجازات، وقطعنا أشواطا في اندماج وتكامل مشاريع متعددة، وهو أمر لا خلاف عليه، ونعتز بما تحقق، وان كانت الآمال والتطلعات لازالت أكبر مما تحققت، وأجزم بان القادة طموحاتهم وتطلعاتهم لإنجاز ما هو أفضل وأكثر مما تحقق، لازال قائما، ويعملون على إنجاز وتحقيق المزيد من هذه المشاريع التي هي محل بحث وتساؤل العديد من المواطنين في خليجنا المعطاء.
هناك مشاريع أنجزت كالربط الكهربائي والمواطنة الخليجية والتنقل والعمل.. وغيرها، ومشاريع تمضي في الطريق وينتظر اكمالها كما سكك الحديد والسوق الخليجية ومنطقة التجارة الحرة وتوسيع مساحات المواطنة الخليجية في كل القطاعات..، وربما كان الاستثمار الأهم خليجيا كان في قطاعات التعليم والصحة والمواطن الخليجي نفسه والبنى التحتية.. وطالما نحن نسير على الطريق فإننا سوف نصل بإذن الله تعالى.
وإذا كانت الشعوب الخليجية معنية بشكل مباشر بقرارات الدورة الرابعة والأربعين للقمة، فإن الشعوب العربية ومعها الشعوب الإسلامية تجد فيها ملاذها وأملها.
إن القمة الخليجية التي تستضيفها الدوحة للمرة السابعة لم تعد شأنا خليجيا فحسب، بل أصبحت شأنا عربيا خصوصا وأنها تنعقد في ظل العدوان الغاشم على قطاع غزة وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.. وقد كانت دول الخليج متحدة ومنفردة سباقة في اتخاذ المواقف منذ اليوم الأول للعدوان، وكانت أول جهة تصدر بيانا كمنظمة إقليمية أدانت فيه العدوان فيما بادرت الشقيقة المملكة السعودية السعودية إلى جمع العالم العربي والإسلامي في قمة عربية إسلامية، بينما بذلت قطر جهودا جبارة للتوصل إلى هدنة وإدخال المساعدات إلى غزة، واستطاعت عبر وساطتها إنجاز الهدنة الانسانية، وما زالت مساعيها مستمرة لتحقيق دائم لإطلاق النار، فيما لم يدخر جهدا كل من الأشقاء في الكويت وعمان والإمارات والبحرين، وبذلوا جهودا، وساندوا الجهود السعودية والقطرية، وكان لدول الخليج الدور الإغاثي والإنساني الأكبر للأشقاء في غزة، دون فضل أو مَن، فدول الخليج ـ قيادتها وشعوبها ـ ترى أن دعم القضية الفلسطينية والأشقاء في غزة في هذا الظرف العصيب لهو واجب يمليه ديننا وأخوّتنا وعروبتنا.
في العدوان على غزة كان السقف الخليجي في التنسيق وتقديم الدعم وتوحيد المواقف عاليا، وهو أمر نحييه ونشيد به، وهو موقف مبدئي أصيل ثابت تجاه دعم القضية الفلسطينية في الماضي والحاضر وسيظل كذلك في المستقبل، ويستشعرون أن غزة تمثّل حائط صد أمام التغول الإسرائيلي في المنطقة.
ومن المؤكد أن الموقف الذي ستخرج به القمة بشأن فلسطين سيكون له أثره وفاعليته لدى المجتمع الدولي وصناع القرار، ليس بخصوص وقف العدوان فقط بل أيضا بخصوص الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، بعدما أصبح دور دول الخليج أساسيا في أي حل مستقبلي لقضية فلسطين.
ولم يعد خافيا على أحد أن مجلس التعاون الخليجي اصبح رافعة العمل العربي ونقطة الثقل والارتكاز بعدما تراجع الدور العربي وتقاعس بعض العرب، فقادة دول الخليج أخذوا على عاتقهم تحمل المسؤولية تجاه جميع قضايا الأمتين العربية والإسلامية كما انهم يمثلون ضمير الأمة.
ولعل حرص القادة على دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمشاركة في قمة الدوحة لها دلالات وأبعاد على مستويين: الأول على المستوى الإسلامي لما تمثله تركيا من ثقل وازن بين الدول الإسلامية، والثاني على مستوى العلاقات الخليجية التركية حيث تعتبر تركيا شريكا إستراتيجيا لدول الخليج وتربطها علاقات استثنائية ومميزة مع جميع دول الخليج.
لقد تمكن مجلس التعاون الخليجي من الصمود طوال أربعة عقود في وجه الكثير من التحديات واستطاع اجتياز اصعب وادق المراحل بنجاح وجدارة.
فقد جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981 خلال الحرب العراقية الإيرانية، وما رافقها من تداعيات طوال ثماني سنوات، ثم ما تعرضت له الكويت الشقيقة من غزو غاشم، والذي اظهر مجلس التعاون تماسكا عظيما، واسنادا بكل ما يستطيعون لعودة الشقيقة الكويت، واحتلال العراق والصراع بين شطري اليمن ثم الحرب اليمنية واشتعال ثورات الربيع العربي..، فخلال العقود الأربعة لم تهدأ المنطقة من الصراعات، إلا أن المجلس أظهر قدرة عالية من الحكمة السياسية، ومهارة التعامل مع الملفات الساخنة بمرونة، وسياسة خارجية متزنة اكدت تماسكه ووحدته وعززت مكانته الدولية، مما جعله من انجح وافضل المؤسسات الإقليمية على مستوى العالم.
هذه المكانة الدولية لدول الخليج ومصداقيتها في المجتمع الدولي ليست وليدة الصدفة بل هي ثمرة عمل دؤوب وجهد متواصل وسياسات حكيمة ومتوازنة، اثبتت خلالها للعالم أجمع، بأنها شريك موثوق فيه، وشريك حقيقي.
وقد ساهمت الأذرع التنموية التي ينفرد مجلس التعاون بتعزيز دوره الإنساني وحضوره الكبير على الصعيد التنموي عربيا واسلاميا وعالميا مما جعله شريكا استراتيجيا للمجتمع الدولي والمؤسسات والمنظمات الإقليمية.
قمة الدوحة نراها تشكّل روحا جديدة من التعاون، وستدفع بالعمل الخليجي المشترك خطوات إلى الأمام، وستعزز من التعاون البيني، وستفتح آفاقا جديدة من التعاون والتنسيق والتكامل، فالخليج وأبناؤه أسرة واحدة، ولا يمكن أن تجد بيتا في خليجنا إلا وله ارتباط بأي شكل من الأشكال مع بيت أو بيوت عدة في دولنا الخليجية، هذا النسيج الواحد هو الضمانة لبقاء هذه المنظومة قائمة وفاعلة، إضافة إلى إيمان قادة المجلس بها.
وما يميّز الخليج أن قياداته وشعوبه، متوافقة ومتواصلة ومتلاحمة ومترابطة، على قلب رجل واحد.
أهلاً بقادة الخليج في دوحة الخليج
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1329
| 08 يناير 2026
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1278
| 14 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
792
| 13 يناير 2026