رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا نظر حزب المحافظين البريطاني الحاكم قصيراً، حينما وضع كل بيضه في سلة الرئيس الأمريكي المغادر دونالد ترامب؛ فرهن مستقبل بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي باتفاق تجاري بين بريطانيا والولايات المتحدة على حساب اتفاق خروج آمن وسلس ومجزٍ لكل الأطراف من الاتحاد الأوروبي، لكن رياح التغيير السياسي في الولايات المتحدة وانتخاب جون بايدن بعد فوزه على ترامب، جاءت بما لا تشتهي سفن بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا ورئيس حزب المحافظين الذي خطط ودبّر لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد 47 عاماً من العضوية الملتزمة والمؤثرة.
فغدا سيناريو الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون التوصل لاتفاق كما يهدد جونسون، كارثياً بسبب العواقب الاقتصادية، وجهر محافظ بنك إنجلترا بالقول وهو يؤكد أنّ التكلفة الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، ستكون أكبر على المدى الطويل من الضرر الناجم عن فيروس "كورونا" المستجد، ولفت محافظ البنك المركزي إلى أن فشل التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء المرحلة الانتقالية، من شأنه أن يتسبب في تعطيل التجارة عبر الحدود، ويلحق الضرر بالنوايا الحسنة بين لندن وبروكسل لبناء شراكة اقتصادية مستقبلية، وساد الهلع كذلك وسط مصنعي السيارات مع اقتراب الموعد النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، حيث لجأوا إلى مراكمة مخزونات إضافية من السيارات وقطع الغيار للتأكد من عدم تضررها من الرسوم الجمركية إذا فشلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي في الاتفاق على صفقة تجارية، حيث ستصبح أكثر تكلفة بنسبة 10% بين عشية وضحاها إذا تم فرض التعريفات بموجب نظام منظمة التجارة العالمية.
وكان خيار مغادرة الاتحاد الأوروبي قد أحدث جدلاً وانقساماً كبيرين في المجتمع البريطاني، إذ صوتت كل من اسكتلندا، وإيرلندا الشمالية للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وربح مؤيدو الخروج عام 2016 بفارق ضئيل بحجة أن مغادرة الاتحاد ستعيد سيطرة بريطانيا على حدودها، بينما ظل جونسون وحزبه يعزفون على أسطوانة أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يتماشى مع أحلام البريطانيين، ويؤكد حتمية الانفصال، ويرى أن مستقبل بريطانيا سيكون أفضل بعد بريكست.
صحيفة الغارديان البريطانية نقلت عن الرئيس الأمريكي المنتخب جون بايدن أنه لن يوقع أي اتفاقيات جديدة حتى تصبح الولايات المتحدة أكثر تنافسية، وهذا يعني أن آمال بريطانيا في الحصول على صفقة تجارية مبكرة مع الولايات المتحدة قد تبددت بسبب هذا التحذير الذي جهر به بايدن.
وكانت لندن تقترب من صفقة تجارية مع إدارة ترامب المنتهية ولايته، وقد كان الخصم الشرس للاتحاد الأوروبي وأراد بهذا الاتفاق أن يحرج الاتحاد الأوربي ويضعف موقفه التفاوضي مع بريطانيا، بيد أن العكس حدث تماماً لبريطانيا التي اليوم أمام تحدٍ جدي للحصول اتفاق تجاري بديل بعد خروجها النهائي من الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الفترة الانتقالية بنهاية ديسمبر الحالي.
ومعلوم أنه خلال الفترة الانتقالية، ستواصل بريطانيا الامتثال لقواعد الاتحاد، ودفع مساهمات له، كما ستبقى أغلب الأمور على حالها، فيما عدا سبعة أشياء مثل سقوط عضوية أعضاء برلمان الاتحاد من البريطانيين وعددهم 73 عضواً، إلا أنه ومع نهاية الفترة الانتقالية، تتوقف بريطانيا عن تطبيق القواعد الأوروبية ولا تعود جزءاً من السوق الموحدة.
وكان جونسون وقد زادته وعود ترامب صلفاً، قد اشترط "تغيراً جوهرياً في النهج" من جانب الأوروبيين لمواصلة المفاوضات التجارية بشأن مرحلة ما بعد بريكست، وأمعن في التهديد بالخروج من الاتحاد "من دون اتفاق" شاء من شاء وأبى من أبى، وكان ذلك فقط في أكتوبر الماضي قبيل هزيمة صديقه ترامب وتبخر آماله في الحصول على ولاية رئاسية ثانية، وظل حزب المحافظين البريطاني يماطل ثمانية أشهر بعد قرار الخروج من الاتحاد بشأن الاتفاق مع شركاء الأمس بتشجيع وتحريض من ترامب، واليوم تزداد ورطة حكومة جونسون ودول الاتحاد الأوروبي الـ27 تطلب تنازلات من جانب لندن للتوصل إلى اتفاق تبادل حرّ قبل العام المقبل، موعد وقف تطبيق القواعد الأوروبية في بريطانيا.
وهددت أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية التي تتولى بلادها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، بقولها على لندن تحمل عواقب ضعف علاقتها مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إن "المملكة المتحدة هي من أرادت مغادرة الاتحاد الأوروبي"، وهي "بحاجة لاتفاق أكثر منا"، وقال مستاءً "نتعثر بشأن كل شيء" مع البريطانيين وليس فقط بشأن الصيد، حيث يهدد البريطانيون بمنع الصيادين من الاتحاد الأوروبي من الصيد في المياه الإقليمية البريطانية، وتدور الخلافات بين الجانبين حول ثلاثة مواضيع؛ هي حق وصول الأوروبيين إلى المياه البريطانية الغنية بالأسماك والضمانات المطلوبة من لندن بشأن المنافسة وطريقة حلّ الخلافات في الاتفاق المستقبلي.
إن التبادل التجاري بين الطرفين؛ بريطانيا من جانب والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، كبير جداً، حيث تبلغ صادرات بريطانيا للاتحاد نحو 274 مليار جنيه استرليني، وهذا يمثل نحو 44% من صادرات بريطانيا، بينما تبلغ وارداتها من الاتحاد نحو 341 مليار جنيه استرليني أي نحو 53% من الواردات البريطانية، ويقوم هذا التبادل الضخم بصورة أساسية على الميزات التي تتمتع بها بريطانيا بسبب عضويتها في الاتحاد، ولذا تأتي أهمية اتفاق الخروج لكونه يوفر بديلاً لبريطانيا عقب خروجها النهائي.
ورطة جونسون تبدو في أن الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد أن قطع بايدن الطريق أمام اتفاق تجاري بريطاني أمريكي غير مستعد لتقديم المزيد من التنازلات لبريطانيا، حتى لا يشجع ذلك دولاً أخرى على الانسحاب عبر الباب لتعود عبر النافذة لتحصل على نفس الميزات التجارية، وتكسب التنصل من الاستحقاقات السياسية والقانونية الأخرى، كما يهدف حزب المحافظين في بريطانيا، ويبدو أن جونسون وحزبه على موعد مع تراجع سياسي قد يفسح الطريق مستقبلاً أمام حزب العمال المعارض.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4344
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3162
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026