رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حديث السياسة المتأنق لغة وصياغات عما يجري في مصر، يبدو مع الوقائع هروبا من الحقيقة، والولاية على الشعب والثورة تبدو أيضاً لونا آخر من القرصنة واختطافا جديدا للثورة والدولة.
استهلكت كلمة الشرعية واستبيحت حرمات كثيرة وجرى التجرؤ على قواعد استقرت في علم الثورة والسياسة وتكوين الدولة، وتجري ممارسات في مضمونها فوضى تحت عناوين هزيمة الخوف، وتحبس الثورة في نطاق تفاصيل جزئية، ويبلغ السفه مبلغه عندما يقع ذلك كله ويصمت من يدعون الفكر والثقافة.
تبدو مصر وقد تحولت إلى ساحة للتقاضي وليست ساحة للثورة، محاكمات وإحكام، مظاهرات واعتداءات، كيانات تولدت بلا جذور وغيرها ادعت ملكية الدين، أمراء السياسة وليسوا أمراء الحرب، ولكنهم يشاركونهم في تجارة الأفيون.
الأفيون المنتشر في ربوع مصر الآن لا علاقة له بزهور الخشخاش، ولكنه لون جديد من الأفيون تنتجه أجسام عطنة وعقول احتلتها الأنا وهي تتغنى باسم الشعب، فأطاح بالكثير من المفاهيم والقيم الحاكمة للعلاقات في الوطن، وأكثر من هذا حوَّل قضايا الثورة والتغيير إلى عراك بلا هدف غير النفي والإقصاء والاستحواذ، وانتقلنا من توصيف المجتمع بقواه الاجتماعية، إلى توصيفه بالقدرة على الصلف والبلطجة ولو تحت عباءة الدين، أو عباءة الرياضة، والفارق بينهما يتسع ليشمل كل مقومات الحياة.
في الفترة قبل يونيو 2013 كان واضحا أن هناك من يمكن اتهامه بمحاولة الاستحواذ وتفكيك الدولة، ولكن ما بعد يونيو 2013 تعددت الكيانات التي تتولى المهمة بالوكالة، وكأننا بواحدة من جمهوريات الموز، قوى من الخارج وتجار الكوكايين وجماعات مسلحة تعلن أهدافا سياسية وفساد يعشش في ثنايا المجتمع، والضحية لهذا كله مجتمع في القاع يعاني الجوع والمرض والجهل والاغتصاب، وإذا كان الاغتصاب الجنسي مرفوضا، فإن اغتصاب الشارع والأماكن واستعمال العنف يصمت عنه المجتمع في مصر وكأنه من طبيعة الأشياء أو كان ينشده أو أنه لا يراه خداعا للنفس وهروبا من المسؤولية.
الحقيقة المفزعة التي تطل من ثنايا صخب الأفيون المصري، أن الشعب فقد ثقته في الجميع، وهي مرحلة تكلل فيها الفوضى بداية تحلل القيم والانفلات والبحث عن بديل للصبر والدولة ومؤسساتها، هي بدايات لظلام لا يعلم أحد مداه.
صخب الأفيون المصري نقل الثقل من حركة للشارع مثلت نقطة التعادل والمواجهة لنظام مبارك بكل ما عليه من مآخذ، نقله هذا الثقل إلى جماعات تحاول أن تثمن وجودها بادعاء الولاية على الشعب وحركة الثورة، وهي بما تعلن وتفعل تمارس تفكيك الوطن والدولة على حد وعي قاصر أو عبقري لم يستوعبه الشعب بعد، وأضاف إلى إرهاب العنف إرهابا فكريا ومعنويا تجري ممارسته من الذين هبطوا من سماء الثورة على المجتمع المصري، أسماء أو كيانات كل رصيدها أنها تحمل ختم الحصانة من اسم ميدان أو شارع أو موقف، وصارت بذلك تملك حق الولاية، يدعون الثورة ولا يدركون أن من أهم قواعد الفعل الثوري المجرد، أنك تحمل شرف البداية ولكنك على أي نحو لا تملك حق الولاية على حركة مجتمع بأكمله.
صخب الأفيون المصري وصم كل من مارس العمل العام زمن مبارك بالفلول ولم يتخذ موقفا من التطهير أو من الفساد وخلط بين الحق الإنساني وحق الوطن، وجرى نسخ تعبير العدالة الانتقالية للتهرب من حق المجتمع في المحاسبة، وعجز عن إيجاد تصور للمستقبل فهرب تحت دعاوى العدالة الانتقالية أيضاً إلى ما أسماه بالمصالحة، وعجز عن وضع قواعد للمشاركة في الحياة السياسية، وادعى فضلا من أدعيائه بلا حق يملكونه أن العزل السياسي لا مكان له وكأنه فعل من الشيطان وليس فعلا في مواجهة الفساد والفاسدين.
وصخب الأفيون المصري تعامل بعدم معرفة أو علم مع قضية الجيش المصري والدولة. أفقد صخب الأفيون حقيقة موقف الجيش المصري في 25 يناير، وكأن ميلاد مصر يبدأ من حيث يولد لدى الصاخبين بالأفيون بميلاد وجودهم، وكأن الجيش المصري لا يملك تاريخا أعمق من ميلادهم ورصيدا يجعل من العلاقة بين الجيش المصري وقضاياه الوطنية علاقة تكامل لا تضاد ولا تنافر، وكأن الأمن القومي، الذي هو بالضرورة مجموع مقومات الوجود والحفاظ على البقاء، لديه بديل عن الجيش والشعب.
وصخب الأفيون المصري يمزج بين الأخطاء وبين مقومات الوجود، ولا يعيد الوعي بمكونات القوة للوطن. وإذا كنا ننكر على صخب الأفيون المصري الذي يملأ الأفق المصري بادعاءات ضد الجيش المصري، فإننا في الوقت ذاته لا ننكر أخطاء الفترة الانتقالية، ولن تعود الصحة النفسية للعلاقة بين الجيش والشعب بغير قراءة دقيقة للفترة الانتقالية، نحتاجها نعم، ولكنها لا تستبدل صحة العلاقة بتربص الثأر، فاستبدال الخصومات هو طريق الانهيار للثورة ولعناصرها المخلصة.
وصخب الأفيون المصري يتجاهل حقائق ميلاد 30 يونيو 2013 وموقف الجيش الحاسم لإرادة الشعب، ويبقى من حوله جدلا آخرس مبهما لا يملك نورا ولكنه يشيع ظلام خصومة مدعاة بين الشعب وقواته المسلحة.
إن صخب الأفيون المصري يحيل الوطن إلى ساحة عراك غير مبرر بين قوى الفوضى وبين مكونات الدولة، لن يدفع الزاعقين وصانعي الصخب ثمنا له، ولكن مصر كلها ستدفع الثمن، والصورة من حولنا تتحرك فيها القوى والعلاقات والأهداف لتعيد السيطرة وتقتل الإرادة الشعبية أو تنحرف بها عن مرادها.
لو أنهم تخلصوا من صخب الأفيون وراجعوا بالعقل نقطة مفصلية في عام 1967 لوجدوا أن مراجعة علمية وموضعية للعلاقة بين الجيش والدولة، ولكن تعجل المغانم يدفع بالصاخبين إلى النظر تحت أقدامهم فتطيح برؤوسهم جلسات الكلام والجدل الأجوف.
إن مشهدا آخر يجري في رحاب الجامعة، يأخذ من رصيد الحركة الوطنية الطلابية ولا يضيف إليها، مشهد أحال الحركة الطلابية إلى حالة من البلطجة، في مواجهة المكان والمضمون والأساتذة، وصارت ظاهرة العنف للجماعات الإسلامية التي دخلت الجامعات على يد محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان وأنتجت كل من نراهم من قيادات التيار الإسلامي، تتحول من الاقتتال في مواجهة الطلاب إلى تدمير الجامعة والتجرؤ على قيم دامت داخلها أنها ضمير للأمة يعبر عنها ولا يتحداها، وليس قوة تغيير.
إن ما يجري في الجامعة يزيد من علامات الاستفهام والتعجب لدى جموع الشعب، ويدفع بالحركة الشعبية إلى أتون إنتاج عنف لم يره المجتمع المصري من قبل.
إن مشهد الصخب الأفيوني المصري في الشوارع من مظاهرات، لا ينم عن جدل داخل وطن بين قواه السياسية، ولكنه يكشف عن صدام يستجضر عناصر تكوينه وببطء.
كان تدخل الجيش لإزاحة نظام الإخوان يهدف إلى الحيلولة دون نشوب حرب أهلية، ولكن ذلك لم يحل بين تمادي المظاهرات بعيدا عن كونها تعبيرا عن رأي ولكن سعيا لصدام في مواجهة المواطنين. إنها لم تعد مجرد مظاهرات لتيار سياسي، ولكنها صارت أداة إرهاب مادي داخل المجتمع، فهي تدمر وتحاصر وتعوق، وفي الوقت ذاته تستدعي خروجا من الأهالي ضدها، وهو أيضاً يعبر عن نفسه بعنف مضاد.
استمرار هذه المظاهرات فضحت أن القوى السياسية تكمن بعيدا عن المشهد في مقاعد المتفرجين الانتهازية، وعدم قدرتها على مواجهة تيار الإسلام السياسي في الحشد بالشارع وركنت إلى أن الدور أمني وفقط، فارتدت زي نظام مبارك وعقيدته، فانتفى مبرر بقائها، وزاد اغترابها عن الشعب وعن احتياجات المرحلة.
وزاد ذلك من علامات الاستفهام لدى الشعب، كيف يمكن لجماعة، قيل في شأن تمويلها وإمدادها بالسلاح، وتماهيها مع باقي التنظيمات المسلحة، كيف لها أن تستمر طوال الأشهر الأربعة الماضية؟، وهل تملك مؤسسات الدولة سبيلا للحيلولة دون استمرار هذا المشهد؟، وهل كل ما يجري يمكن معه قبول هذه الجماعة من جديد داخل لحمة المجتمع؟، وهل هناك أي احتمال لإمكانية إقصائها وسط هذا التصحر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وسكين الخارج يبدو مقصلة ترقب وتتحين لحظة للانقضاض؟
وسط فوضى وصخب الأفيون المصري، يبدو الإعلام المصري وكأنه أداة لإشعال الحرائق، وتبدو وسائط الإنترنت الاجتماعية مدفعية الإرهاب اللغوي للمجتمع، والكل ترتعد فرائسه، ويحاول أن يفرغ طاقة العجز في تبادل مروع للنيران الإعلامية بين المنع والاحتجاج والإثارة، والنتيجة إعلام يكنز أموال الإعلانات ولا يقدم للوطن رؤية، ولكنه يثير من أسباب الفوضى أكثر مما يكشف الحقائق.
أنتج الشباب تعبير "مترمل" على من يتعاطى حبوب الترامادول المخدرة، ويبدو أن الحكومة الانتقالية في الحالة "مترملة"، فالأمر في مصر ليس اتخاذ قرارات تحت إرهاب فكري أو إرهاب بالعنف، ولكن الأمر الآن من يستطيع أن يخاطب الشعب ويجمع إرادته لما خرج من أجله في يناير ويونيو ويوليو، واستمرار الوضع على ما هو عليه، سيدفع الشعب إلى خيارات أخرى قد تكون دموية، أو هو قد يعيد إنتاج نظام الإخوان وتيارات العنف.
ويستدعي صراخ مرسي في قفص المحاكمة "أنا الرئيس الشرعي" مشهد لزكي طليمات "أرثر"، في نهاية فيلم صلاح الدين الأيوبي وقد أصابته لوثة عقلية بعد احتراق وجه جميلة الجميلات التي منى النفس بها عشقا، وانعدام أمله في ولاية حكم أورشليم، وقد وضعوه في قفص "حيوانات" في موكب انسحاب ريتشارد من القدس بعد هزيمة الصليبيين على يد صلاح الدين، وهو يصرخ "أنا أرثر ملك أورشليم".
إن صخب الأفيون المصري يحتاج إلى من يملك الشجاعة لإيقافه، ومن الجميع وبلا استثناء، فالأخطار التي تحيق بمصر لا تتحمل ترف ضياع الوقت، أو القبول بالاختراق الداخلي لأمن الوطن، واعتماد الفوضى بديلا عن التمكين، ومشاركة كل الأطراف في خلق الفوضى، هي بذلك تطلق نفيرا عاما جديدا للشعب أن يأخذ أمره بيده، ولكن كيف هذا؟ هو سؤال الأيام القادمة.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
72
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
72
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
81
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2037
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1131
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026