رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لجوئي إلى استخدام الرمز التاريخي للإمبراطورية العثمانية وهو مقر خلافتها في اسطنبول والذي كان يطلق عليه الباب العالي لا يعكس حالة حنين إلى منهجية الحكم التي كانت تستند إليها هذه الإمبراطورية الإسلامية خاصة في عقودها الأخيرة والتي أفرزت حالة من الانقسام والضعف والهشاشة مما سمح للقوى الكبرى في ذلك الزمان البعيد بالانقضاض على جسدها وتمزيقها إلى دويلات وتوزيعها بين قبائل أوروبا بقدر ما تجسد رغبة قوية في استعادة الفعل الإسلامي القوي والموحد في التعامل مع الأعداء والخصوم والذين يتباهون بغطرسة القوة مثلما يفعل الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على أيدي القوى الأوروبية أيضاً مضافا إليها القوة البازغة الجديدة الولايات المتحدة في العام 1947
ثمة صحوة لاشك لدى الباب العالي والكائن حاليا في أنقرة وليس اسطنبول والتي تشكل عنصر الإسناد القوي تاريخيا وحضاريا لرجب طيب أردوغان الرجل الذي يتربع على عرش الباب وإن تغير مسماه إلى مقر رئاسة الوزراء بالدولة التركية في انطلاقتها الجديدة التي تحققت مع وصول حزبه العدالة والتنمية إلى الحكم في مطلع الألفية الجديدة وهذه الصحوة لا تتوقف عند حدود الداخل بكل تفاعلاته وتشابكاته بل وتعقيداته وتحقق على هذا الصعيد مردود شديد الإيجابية يلمسه المواطن التركي البسيط قبل النخب في ظل حالة من النمو الاقتصادي الذي يلبي متطلبات الأغلبية فضلا عن حالة الشفافية السياسية ودرجة مقبولة من الأمن بما في ذلك الأمن الاجتماعي.
لكن ما يعنيني بالدرجة الأولى هو ما يحققه الباب العالي الجديد تحت حكم رجب طيب أردوغان من فتوحات في السياسة الخارجية وبالذات على صعيد العلاقات مع الكيان الصهيوني وهو ما ينطوي على رسائل واضحة في كيفية إدارة الصراع مع هذا الكيان خاصة بالنسبة للنظام الإقليمي العربي وفي صدارته الدولة المصرية التي تشكل القطب الأهم في هذا النظام. ففي خلال الساعات الثمانية والأربعين الأخيرة أقدم الباب العالي على قرار مذهل يتمثل في طرد سفير الكيان الصهيوني من أنقرة وتخفيض مستوى تمثيله إلى درجة سكرتير ثان فضلا عن وقف العمل بالاتفاقيات العسكرية والتي كانت تشكل العمود الفقري للعلاقات بين الطرفين على العقود الخمسة المنصرمة الأمر الذي يخلق في تقديري معادلة جديدة بوسعها أن تتدحرج ككرة الثلج في المنطقة العربية والتي هي في أشد الحاجة إلى مثل هذه المعادلة لتتخلص من عقد سنوات طويلة ظل فيها الخوف من قوة هذا الكيان ومن يقف وراءه هاجسا يحول دون أي إجراءات رادعة ضده حتى في حالة عدوانه الواضح على الأرض والبشر والحدود
لم يخش الباب العالي الجديد من ردود فعل من داخل الكيان أو من القوى الكبرى وبالذات الحليف الأكبر له الولايات المتحدة أو حتى من شركائه في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كان يهمه هو الرد على محاولة النيل من الكرامة والسيادة والوطنية التركية ووصل الأمر بوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى التأكيد على أنه: "لا عودة إلى العلاقات الطبيعية قبل أن تقبل إسرائيل بالمطالب التركية " والتي تتمثل في الاعتذار الرسمي وتقديم تعويضات للضحايا الأتراك.
وجاء هذا الموقف القوي من قبل الباب العالي تعقيبا على تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن الممارسات الإجرامية التي أقدمت عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية في حق أسطول الحرية في مايو من عام 2010 والذي شارك فيه قرابة 750 ناشطا ممثلين عن أكثر من 50 دولة بينهم أكثر من 10 من أعضاء المنتدى والتي أسفرت عن قتل أكثر من 19 من بينهم 9 أتراك وإصابة أكثر من 26 من المتضامنين.
واللافت أن هذا التقرير بكل ما انطوى عليه من انحياز واضح لرؤية الكيان الصهيوني خاصة فيما يتعلق بوصفه لحصار غزة بأنه أمر مشروع لم يحالفه الصواب ويسيء لسمعة الأمم المتحدة ويشجع على العدوان والحرب ويمكن أن تتخذه إسرائيل ذريعة لاستمرار حصار غزة ولعل ذلك هو ما دفع الموقف التركي إلى تبني هذه الجملة من القرارات القوية والجريئة والتي لم يتوقعها قادة الكيان والقوى الكبرى والتي سارعت إلى وقف ما وصفته بالتدهور في العلاقات التركية الصهيونية دون أن تقف عند أصل المعضلة المتمثلة في الشراهة العدوانية التي امتدت إلى مواطني دولة صديقة بل واعتبرت في بعض المراحل من حلفاء الكيان قبل حكم حزب العدالة والتنمية الذي أسس لمرحلة مغايرة في أشكال التعاون مع الدولة العبرية وضعتها في مكانها الصحيح بحسبانها مجرد دولة عدوانية ومن تستحق تعاملا قويا في الرد على شراهتها العدوانية التي لم تتوقف عن التمدد أفقيا أو رأسيا وكان آخر تجليات تلك الشراهة اختراق الحدود المصرية وقتل ضابط وأربعة من الجنود بحجة ما وصفته قوات هذا الكيان بأنه مطاردة لعناصر مسلحة دخلت الأراضي المصرية بعد قيامها بالعملية الفدائية النوعية في مدنية إيلات مؤخرا.
وثمة تساؤل أظنه مشروعا: ألا يدعو هذا الموقف أمة العرب إلى الاقتداء بالنموذج التركي؟ وحتى أكون أكثر وضوحا ألا يدعو تحديدا صانع القرار في مصر الدولة المحورية في هذه الأمة إلى أن تتحرك وفقا لهذا النموذج؟
ومحاولة للإجابة سأقتبس بضعة سطور من بيان لحزب تحت التأسيس اسمه "التيار المصري" والذي أصدر بيانا دعا فيه السلطة الجديدة في المحروسة والتي تتمثل في المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومة الدكتور عصام شرف إلى الاقتداء بالنموذج التركي في إدارة ملف العلاقات الدبلوماسية الدولية والإقليمية بحيث تكون كرامة وسمعة وسيادة مصر هي العليا فوق أي مصالح عاجلة.
وذكر البيان أن الأمم ذات العزة والكرامة لن تعدم أن تجد وسيلة للحفاظ على هيبتها وسيادتها ضد من تسول له نفسه أن ينتهك أيا منهما دون الدخول في الحرب، ولا يوجد عاقل في هذا العالم ينادي بالحرب أو يمهد لها إلا في حال انسداد كل الطرق والمسالك لاستعادة الحقوق.
وأضاف "أن الدم التركي ليس أغلى من الدم المصري كي يجد من يثأر له، فكل الدماء عند الله سواء" وتابع: "إن السفينة التركية التي هوجمت في البحر ليست أطهر عند الله من أرض سيناء ورمالها المقدسة التي رواها الآباء والأجداد وجنود مصر وضباطها من دمائهم الزكية كي يستردوها ويطهروها من النجس الإسرائيلي".
ماذا يعني ذلك؟
إن رسالة الباب العالي في أنقرة تدعو بوضوح إلى تجاوز المواءمات السياسية التي تقود إلى الإجهاز على صدقية الإرادة الوطنية ومن ثم فإن مصر مطالبة بتبني قرارات أكثر قوة وجرأة مما تم اتخاذه في الرد على الفعل العدواني الصهيوني على حدودها ومقتل جنودها مؤخرا تتمثل في ضرورة طرد السفير الصهيوني من عاصمة المحروسة والإسراع بسحب السفير المصري من تل أبيب ووقف كافة أشكال التطبيع التي ما زالت قائمة سواء على مستوى تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان أو عبر اتفاقية الكويز التي يتشارك بمقتضاها رجال أعمال مصريون مع نظراء لهم في الكيان لتصدير منتجات إلى الولايات المتحدة أو غيرها من الأشكال
لن أطالب هنا بالسعي إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد والتي شكلت على 32 عاما نقطة اختراق للأمن القومي المصري بفعل ما تحتوي عليه من بنود جائرة خاصة فيما يتعلق بوجود القوات المسلحة في سيناء فقناعتي أن الوقت ليس ملائما لمثل هذه الخطوة والتي يمكن أن ينظر لها الكيان بحسبانها إعلان حرب ولكن يمكن الضغط بقوة باتجاه تعديل بعض بنودها على نحو يعيد السيادة الوطنية الكاملة على أرض الفيروز سيناء ترقبا ليوم أنا على يقين بأنه آت تلغى فيه هذه الاتفاقية وتستعيد مصر توهجها وإشعاعها القيادي والحضاري على المنطقة.
السطر الأخير:
أيا عصفورة القلب
اسكني في العش لا تبارحيه
لا تقذفي بأوراقنا الخضراء
كوني سرا للبهجة
ولسانا ذاكرا بالمحبة
فأنا المغني بحديقة قلبك
جئتك عاشقا من بلاد نائية الأطراف
ملتمسا شعري في عينيك
باحثا عن سندسي فيك
قلت إنك المبتدى والمنتهى
فكوني ضوءا لا عتمة يؤويني
مضيق هرمز ليس ورقة للمساومة
تشكل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على ممتلكات الدول الشقيقة، وآخرها الهجوم الذي استهدف الناقلة الإماراتية التابعة لشركة «أدنوك»... اقرأ المزيد
117
| 09 أغسطس 2026
مشهد من مُجمّع تجاري
يوم الأربعاء الماضي قررت أن أخرج مع شقيقاتي للتبضع من أحد المولات الكبيرة والجميلة المنتشرة في بلادنا وبالفعل... اقرأ المزيد
246
| 08 أغسطس 2026
قمة مكة.. والبعد الإقليمي في الردع
مع اجتماع القمة الثلاثية قمة مكة التي جمعت بين ولي العهد السعودي ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس... اقرأ المزيد
126
| 08 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8388
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4830
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026