رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسعى اقتصادات الدول إلى توجيه إمكاناتها وطاقاتها لتأسيس بنية تحتية في الطاقة المستدامة، مستقاة من الموارد البيئية المتاحة والزاخرة التي لم تستغل بعد، وفي إنشاء العديد من مراكز الرصد والبحث العلمية لاكتشاف القدرات الكامنة لطاقات الرياح والشمس وحرارة باطن الأرض والأمطار والمياه والكربون، وصياغة خطط مستقبلية واحترازية لمواجهة قضايا نضوب الطاقة والمياه والتصحر والجفاف.. وهي مشكلات بدأت تطفو على سطح الكيانات الاقتصادية القائمة، وستزداد تفاقماً في ظل الزيادة السكانية والطفرة العمرانية.
تنوه دراسة بحثية صادرة عن وزارة الطاقة بالإمارات أنّ مشاريع الطاقة المتجددة تحظى باهتمام متزايد لفوائدها البيئية والاقتصادية، وتوقع تقرير لمؤسسة "بلومبيرج" أن يصل معدل الإنفاق العالمي في قطاع الطاقة المتجددة نحو "200" مليار دولار، كما قامت الدول الاقتصادية الكبرى باستثمارات ضخمة في مجال التقنيات النظيفة، فمثلاً الصين استثمرت في 2009 "34،5" مليار دولار في نظم توربينات الرياح والألواح الشمسية، وأنفقت الولايات المتحدة الأمريكية حوالي "16،6" مليار دولار في تقنية الطاقة البديلة.
ونوهت أنّ المنطقة العربية تتمتع بميزات مناخية وجغرافية مهولة من المقدرات البيئية، ولديها طاقة شمسية هائلة، ويتوقع أن يزداد الطلب عليها بنسبة "7%" سنوياً خلال الأعوام العشرة القادمة، ويمكن أن تلعب هذه الطاقة دوراً مؤثراً في تلبية احتياجات المنطقة.
كما نوه تقرير صادر عن مركز الدراسات الاقتصادية أنّ طاقتي الشمس والرياح في منطقة الشرق الأوسط من البرامج الواعدة، لأنها تلبي احتياجات العالم من الطاقة، وأنّ مصر والمغرب والسعودية تمتلك ثروة ضخمة من الطاقات الكامنة، حيث شرعت المغرب في بناء محطات رياح وطاقة شمسية، وشرعت مصر في بناء محطات للرياح البرية.
وأشار إلى أن معظم الدول العربية تقع على الحزام الشمسي التي تسطع عليها الشمس طوال العام، وذكر تقرير جامعة الدول العربية في إستراتيجية 2010ـ2030 أن إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة من المتجددة تبلغ "3،7%" من الحجم الكلي، وأشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنه يتم إنتاج "90%" من الكهرباء باستخدام المواد الهيدروكربونية في وقت لا تشكل الموارد الجديدة سوى "3،5%" فقط، وهذا يدل على أنّ الطاقة الكامنة في البيئة مستقبل واعد.
ولو أخذنا دول مجلس التعاون الخليجي مثالاً على الإعداد المستقبلي لتأمين طاقة مستدامة، فإنها انتهجت خططاً واعدة في إنشاء مصانع ومدن صناعية ومراكز بحثية، تقوم على دراسة علوم الطاقة البديلة والمتجددة.
ورغم صغر الفترة الزمنية التي بدأت فيها منطقة الخليج جهودها لتأمين الطاقة المستدامة والذي يقدر عمر البدايات بالسنوات العشر الماضية، إلا أنها بدأت بخطى حثيثة، حيث تمتلك الجزيرة العربية أكثر من "114" مشروعاً لتوليد الطاقة، ويقدر إجمالي قيمتها "160" مليار دولار، ومستندة إلى الخبرات الدولية في هذا المجال، وقد أسست العديد من المدن الصناعية العملاقة التي تقوم على إعداد بحوث في الطاقة والمصادر البديلة.
فقد ربطت قطر إنماء الطاقة البديلة بالاستثمار، وسعت إلى تأسيس شراكات محلية وخليجية ودولية لدراسة إمكانات الدولة في الاستفادة من مخزون الطاقة الطبيعية لديها، فمثلاً أسست شركة قطرية للاستثمار في الكهرباء والمياه برأسمال قدره "مليار" دولار وهو نوع من الاستثمارات الآمنة التي تحقق مردوداً على المدى البعيد.
كما تشرع المؤسسات البحثية حالياً إلى ترسيخ مفهوم الأبنية الخضراء في المنشآت، وتنويع الاستثمارات في مجالات الاقتصاد القائم على الطاقة المتجددة، وإنشاء مركز بحثي لرصد الكربون ولبحوث الطاقة الشمسية.
في المملكة العربية السعودية أنجزت بناء المجمع الشمسي لإنتاج الطاقة في القرية الشمسية، ووضعت مخططاً لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بحلول 2032.
وتقدر المؤشرات الدولية مكانة المملكة في المرتبة "12" لتقدمها في مؤشر الطاقة الشمسية، فهناك مشروع مدينة "ينبع" الصناعية بتكلفة "1،1" بليون دولار.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة أنجزت الدولة بناء مشروع "شمس" بتكلفة "600" مليون دولار لتغذية أكثر من "20" ألف منزل وتأمين احتياجاتها الأساسية من الكهرباء بحلول 2020، كما أنجزت بناء مدينة "مصدر" لإنتاج ما يقارب "68%" من الطاقة المتجددة في المنطقة، وأنشأت "3" مصانع للطاقة الشمسية في إسبانيا، ومشروعا في لندن الذي يعتبر أكبر مزرعة بحرية للرياح، وطورت مشروع "شمس" بطاقة "100" ميجاواط.
كما تخطط دول الخليج لإنفاق استثمارات ضخمة في الطاقة النووية المفيدة، فمثلاً دولة الكويت تخطط لبناء مفاعلات نووية بحلول 2022 لتشجيع استخدام هذه الطاقة في الأغراض الطبية والبيئية والصناعية الآمنة.
وترى دراسة إماراتية أنّ استمرارية نجاح جهود الطاقة هو في الدعم المادي والمعنوي، وتنشيط البحث في مجالات الطاقة الشمسية، وإنشاء مصادر لمعلومات الإشعاع الشمسي ودرجات الحرارة وشدة الرياح والغبار، وتحديث مجالات البحث بالاستعانة بخبرات الدول الأوروبية.
على المستوى الدولي قامت أكثر من "100" دولة في 2010 بوضع سياسات لتطوير الطاقة المتجددة مقارنة ًبـ"55" دولة في 2005، وهذا يدلل على أنّ الطاقة المستدامة تعد من الأولويات في برامج الدول المتقدمة، وعلى تنامي الزيادة في استخدامات المتجددة.
ففي فرنسا تعتمد على الطاقة النووية منخفضة الكربون، وتوجه اليابان إلى الاعتماد على الطاقة البديلة بعد كارثة "هيروشيما"، وألمانيا تعتمد على شبكة الطاقة الكهربائية الأوروبية، وتعتمد الدول الإسكندنافية على طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية.
وأخيراً.. فإنّ الطاقة البديلة هي نهج عالمي يخطو بقوة لإثبات مكانته الاقتصادية في سوق الطاقة القائم وأنه مطلب حيوي وإستراتيجي مستقبلي في ظل مشكلات بيئية تشكل تحدياً كبيراً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2154
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2151
| 25 فبراير 2026