رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استوقفتني مؤخرا اقصوصة جاءت على سبيل النكات الساخرة بعثها لي احد الزملاء في رسالة الكترونية وهو من الخبراء التربويين المحنكين في مجال التربية والتعليم على مستوى الوطن العربي، حيث تقع في مجال اهتماماتنا المشتركة، وإن كانت لدعابة، فإنني أحببت أن أشارككم روحها وعذرا لأنها منقولة من المصدر بالعامية ممثلة في:(قصة الثعلب والغراب) واليكم القصة:
"رأى ثعلب غراباً فوق شجرة وفي فمه قطعة جبن فقال له الثعلب:
ما أجمل صوتك أيها الغراب لماذا لا تغرد لنا؟
فوضع الغراب قطعة الجبن تحت جناحه وتفل على الثعلب وقال:
تحسبني الغراب إللي في كتاب القراءة يا ابن ال....
فقال الثعلب: ? لست انا الثعلب الذي في كتاب القراءة..
فقال الغراب: من انت؟
فقال: إنني ثعلب أحب الغناء والطرب! ومن عشاق موضي وعبدالمجيد عبدالله...
فغنى له الغراب ورقص الثعلب وقام بالتصفيق للغراب فاشتد حماس الغراب..
فقال له الثعلب ثنتين صفقه ياغراب.. تنكككككس فتنكس وسقطت قطعة الجبن..
فقال له الثعلب: خل جلسات وناسه تنفعك!!!!
أنا الثعلب اللي في كتاب القراءة..
المنهج المطور..
أضحكتني الدعابة، وأعادتني سنوات الى الوراء يوم ان كنا ندرس قصة الحمامة والثعلب في المرحلة الابتدائية في قصص القراءة وهي من القصص المنقولة عن رائعة "كليلة ودمنة"، تذكرت يومها كيف علمتنا المدرسة قيمة عظيمة وهي ان المكر والدهاء آفة من الآفات فحمدت الله ان مدرسينا ربونا على القيم واشبعوها شرحا رغم ان الحمامة المسكينة اكتوت بنار الثعلب واكتوى مالك الحزين الذي نصحها لتحتال على مكره، فباغت الثعلب ناصحها "مالك" ففتك به، على رأي المثل "ناصحكم يا عرب فاضحكم"، هذا حين تلقننا الحياة كل يوم دروسا مؤلمة في كيف يسود المكر والدهاء الأرض، وكيف ان الماكرين يستأسدون من حولنا لتقوض الدنيا الجائرة اليوم ما تعلمه المدرسة. ولتفتك المدرسة بعد ذلك بمعلميها ايضا.
ابن المقفع سرد بموضوعية وعن الهندية قصة أوردها بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك لحكمة من الحكم. ولكن عتب البعض على القاص او المؤلف نفسه كيف جعل الثعلب يحقق انتصارين على التوالي على الحمامة الضعيفة البريئة وهي في أعلى الشجرة، وعلى مالك الحزين رغم فطنته وكونه هو الحكيم الذكي، خصوصاً أنها تعرض لنا ونحن أطفال قد لا نميز بين الفضيلة والرذيلة لسيادة الثعلب حتى على مالك الذي ربما وُصفَ لذلك بانه "حزين".
لم أكن مع البعض في الطرح لأنني أرى أن المؤلف أبدع في إبراز مكر ودهاء الثعلب الذي لو نجح في الكيد للحمامة لما سمي دهاء ولكنه يطول أيضا من هو أكثر من الحمامة فراسة حتى لو كان على أعتى وأقوى درجات الذكاء إذ بين المكر والذكاء شعرة رفيعة في المكر، لذلك وصفه العرب في المثل: "أمكر من ثعلب"، وكم من ذكي عاقل سقط في براثن ماكر مخادع. ولكن الحكمة في النهاية هي أن المكر لا يستقيم للماكر وهذا هو بيت القصيد، كما يقول المثل العربي:
"قد تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".
هذا يبرزها قوله "ص": لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين"، ففراسة المؤمن في عقله، فالمرة الأولى قد تداهمه آفة المكر وخديعة الماكرين لأن المؤمن مفطور على حسن النية بداية، ولكن الثانية تقتضيه الحصافة فلا يلدغ مرتين.
أعود لأشكر الدكتور الذي بعث هذه الدعابة الرمزية لأنها في سياق العصر الجديد عزفت على وترين مهمين الأول في مدلول التربية والتعليم والثاني في مدلول التربية والحياة بشكل عام.
الوتر الأول: ثعلب المنهج الجديد المطور مازال ثعلبا ولكنه لم يعد بذلك الرقي اللغوي ولا الفكري بل مسه طائف مما طال البشر والمناهج من مس الشياطين والآثار السلبية للعولمة وانحطاط الفضائيات حتى غدا تطبيق سلوكها في درس "الثعلب والغراب" في دعابة المنهج المطور "الساخر" مكرا يوازي شاكلة وذائقة مجتمع الدندنة والرقص والسطحية الفكرية رغم أن المكر واحد وان تعددت أشكاله، سواء كان مكرا راقيا او مكرا منحرفا أو وضيعا.
أما الوتر الثاني: هو أن الثعلب لا يخلع جلده أبدا، وان أخفى مكره فذلك منتهى الدهاء والمكر "المذموم" لا الدهاء والشيمة "المحمودة" الموصوفة عند خصمه "الذئب" وان كنا نعتقد بأن هذه الموروثات عند العرب فقط أو الهنود أو الفرس فنحن مخطئون لأنها معايير عامة فحتى فلاسفة اليونان قبل الميلاد اشبعوا مكر الثعلب تبيانا ونقلوا ذات القصة على رواية.
الفيلسوف اليوناني إيسوب (620 - 564) ق.م "جلس غرابٌ على فرع شجرة ممسكاً بمنقاره قطعةً من اللحم كان قد سرقها، ورآه الثعلب، فأراد أن يأخذ منه هذه القطعة من اللحم، فجلس تحت الشجرة وراح يتغزل في الغراب ويصفه بأنه طائرٌ جميل، وأنه ينبغي أن يكون ملكاً على جميع الطيور، وهو بالقطع سيكون ملكاً لو أنه يملك صوتاً جميلاً كذلك... الخ ".
حتى اليابانيون وآخرون متأخرون اجمعوا ضمن بحوث المفاهيم الثقافية على اعتبار الثعلب رمزاً للمكر والاستراتيجية والتفكير السريع. "وقد صوّر الكُتّاب الذين كتبوا قصصاً أخلاقية على ألسنة الحيوانات "bestiary writers" الثعلب الأحمر كرمزٍ للمكر. حيث تعني الكلمة اللاتينية "Vulpis"، والتي اشتقت من volupes، "القدم الملتوية" في إشارةٍ إلى الحقيقة المفترضة بأنّ الثعالب لا تسير أبداً في خطٍ مستقيم! لكنّ الحقيقة العلمية أنّ الثعالب تتبع مساراً مستقيماً عندما تكون مطاردةً، أما عندما تطوف بحثاً عن الطعام فإنها تطوف في سائر الاتجاهات. وبما أنّ الحيوان الذي يتبع مساراً ملتوياً يكون مراوغاً، فقد اعتبر ذلك جزءاً من مكر الثعلب".
ومن حيله انه عندما يكون جائعاً يستلقي ساكناً تماماً مغلقاً عينيه، ويكون لسانه متدلياً من فمه، ويحبس أنفاسه، كما لو أنه كان ميتاً. وعندما تراه الطيور الجائعة تظنّ بأنه ميتٌ فتدنو منه فينقض عليها فريسةً سهلة.
قد يمشي الثعلب مستقيما فقط عندما يريد مصلحته، اما اذا كان هو صاحب الهدف فلك الله من التواء مساراته، حفظ الله مناهجنا من مس الشياطين وحفظكم الله من شر مصائده.
ما أجمل قصص الماضي وما أجمل عبرها، وصدق أحمد شوقي عندما لخص مكمن الحذر بقوله:
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً أنّ لِلثَّــعلبِ دِينـا
كاتبة وإعلامية قطرية
medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9384
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1635
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1347
| 30 يوليو 2026