رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما أقرأ نجاحات التقدم الباهر الذي بلغته تركيا اليوم والمنزلة العليا التي تبوأتها بين الأمم إقليميا ودوليا وأقارن بينها وبين بعض الدول العربية التي تفوقها مقدرات اقتصادية أو توازيها كفاءات بشرية أدرك حجم الفارق الكبير بين نهضة تركيا وتخلف البقية وليس السر سوى عودة نخبة تركيا الحاكمة إلى أصالتها الإسلامية وتورط باقي الدول العربية فيما أسميه الحداثة الدخيلة وقبلي سماه كذلك المفكر الجزائري أستاذي مالك بن نبي طيب الله ذكره الذي حلل منذ الستينات مشكلات الحضارة واكتشف أن للأمم هندسة جينية (وراثية) كما للبشر تحدد أسباب تطورها أو معوقاتها والخطأ هو في تقليد الأمم الغالبة والتفريط في مقومات الحضارة الأصيلة. فانظر حولك يا قارئي العزيز لتدرك حالة التبعية والتذيل التي نتخبط فيها ودرجة الكبرياء التي بلغتها تركيا مع نخبة تلاميذ المهندس طيب الذكر نجم الدين أربكان.
وأستأذن الكاتبة الأردنية إحسان (هكذا وجدت مقالها دون لقب على المواقع الاجتماعية) فقد استعرضت بذكاء وإيجاز بعض مؤشرات النهضة الكبرى لتركيا الحديثة مما يدفعنا للتفكير في حالنا وتغيير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا. فالدخل القومي لتركيا المسلمة بلغ عام 2013 حوالي تريليون ومائة مليار دولار وهو يساوي مجموع الناتج المحلي لأقوى اقتصادات ثلاث دول في الشرق الأوسط إيران والسعودية والإمارات فضلا عن الأردن وسوريا ولبنان. أردوغان قفز ببلاده قفزة مذهلة من المركز الاقتصادي 112 إلى المركز 16 بمعدل عشر درجات سنويا مما يعني دخول بلاده إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار G-20 في العالم ويوافق العام 2023 ذكرى قرن كامل على إنشاء الدولة التركية الحديثة وهو التاريخ الذي حدده أردوغان لتصبح تركيا القوة الاقتصادية والسياسية الأولى في الشرق الأوسط.
يعتبر مطار اسطنبول الدولي أكبر مطار في أوروبا ويستقبل في اليوم الواحد 1260 طائرة فضلا عن مطار صبيحة الذي يستقبل 630 طائرة كما إن الخطوط الجوية التركية تفوز كأفضل ناقل جوي في العالم لثلاث سنوات على التوالي وفي عشر سنوات زرعت تركيا مليارين و770 مليون شجرة كما صنعت للمرة الأولى في عهد حكومة مدنية أول دبابة مصفحة وأول ناقلة جوية وأول طائرة من دون طيار وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام. وفي مجال العلوم أسس أردوغان في عشر سنوات 125 جامعة جديدة و189 مدرسة و510 مستشفيات و169 ألف فصل دراسي حديث ليكون عدد الطلاب بالفصل لا يتجاوز 21 طالبا، ونذكر حين اشتدت الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت أوروبا وأمريكا سنة 2008 رفعت الجامعات الأمريكية والأوروبية الرسوم الجامعية بينما أصدر أردوغان مرسوما بجعل الدراسة في كل الجامعات والمدارس التركية مجانية وعلى نفقة الدولة ومنذ عشر سنوات كان دخل الفرد في تركيا 3500 دولار سنوي ارتفع عام 2013 إلى 11 ألف دولار وهو أعلى من نسبة متوسط دخل المواطن الأوروبي ورفع قيمة العملة التركية إلى 30 ضعفا.
وفي تركيا تعمل الدولة جاهده لتفريغ 300 ألف عالم للبحث العلمي، وأكبر إنجاز سياسي قام أردوغان بإحلال السلام بين شطري قبرص ومحادثات تسوية مع حزب العمال الكردستاني لوقف نزيف الدم واعتذر للأرمن وهي ملفات عالقة منذ تسعة عقود.
في تركيا المسلمة ارتفعت الرواتب والأجور بنسبة 300% وارتفع أجر الموظف المبتدئ من 340 ليرة إلى 957 ليرة تركية وانخفضت نسبة البطالة من20% إلى 6% وفي تركيا المسلمة ميزانية التعليم والصحة فاقت ميزانية الدفاع كما تمّ إنشاء 35 ألف قاعة مختبرات لتكنولوجيا المعلومات وقواعد بيانية حديثة يتدرب الشباب الأتراك فيها.
ومن جهة أخرى سدد أردوغان عجز الميزانية البالغ 47 مليارا وكانت آخر دفعة للديون التركية300 مليون دولار تم تسديدها في يونيو الماضي للبنك الدولي السيئ السمعة بل وصل أن أقرضته تركيا 5 مليار إضافة إلى وضع أردوغان 100 مليار في الخزينة العامة في حين كانت دول عريقة في أوروبا وأمريكا تتخبط تحت وطأة الديون والربا والإفلاس مثل اليونان التي لولا ضخ 240 مليار يورو من الدول الأوروبية الغنية في خزينتها لانهارت تماما! كانت صادرات تركيا قبل عشر سنوات 23 مليارا أصبحت 153 مليارا تصل إلى 190 دولة في العالم وتحتل السيارات المركز الأول تليها الإلكترونيات حيث إن كل ثلاثة أجهزة إلكترونية تباع في أوروبا فيها جهاز صناعة تركية.
ونجحت حكومة أردوغان حين أنجزت عملية رسكلة القمامة لاستخراج الطاقة وتوليد الكهرباء ليستفيد منها ثلث سكان تركيا وقد وصلت الكهرباء إلى 98%من منازل الأتراك في المدن والأرياف.
وفي سجل مختلف جلس أردوغان مع طفلة لا تتعدى الـ 12 من عمرها في مناظرة تليفزيونية نقلتها وسائل الإعلام على الهواء وتحدثا عن مستقبل تركيا بنديّة واحترم ذكاءها واندفاعها فأعطى الأطفال الأتراك المثل والقدوة في مناقشة ومناظرة من يحكمهم وفي مساهمتهم في تحديد المستقبل.
أردوغان صديق إسرائيل حسب زعم العلمانيين العرب وجه صفعة قوية لإسرائيل وجعلها تعتذر عن ضربها لسفينة مرمرة التي كانت متوجهة إلى غزة واشترط في قبول الاعتذار أن ترفع الحصار عن غزة.. أردوغان يوجه انتقادا لاذعا للحضور الذين صفقوا لكلمة بيريز التي برر فيها الحرب على غزة في المنتدى الاقتصادي دافوس 2009 وخرج غاضبا من المنتدى بعد أن قال للحضور: عار عليكم أن تصفقوا لهذا الخطاب بعد أن قتلت إسرائيل آلاف الأطفال والنساء في غزة.. أردوغان واجه معارضيه بالماء ولم يقصفهم بطائرات الميغ والسكود وبراميل الموت، ويرفض أن تخلع ابنته الحجاب فيرسلها لتدرس في أوروبا وذلك قبل أن يُسمح بالحجاب في الجامعات التركية وهو الوحيد الذي يزور بورما هو وزوجته ويلتقي أهالي إقليم مينامار المنكوب كما أنه أعاد تدريس القرآن والحديث النبوي إلى المدارس الحكومية بعد تسعة عقود من الحكم العلماني، وكرّس حرية ارتداء الحجاب في الجامعات الحكومية والخاصة وهو القائد المسلم الذي أنار أكبر جسر معلق في العالم على شواطئ البحر الأسود بأضخم إنارة تضمّ حروف كلمة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهو الذي أطلق مسيرة مكونة من عشرة آلاف طفل مسلم بلغوا السابعة من العمر يجوبون شوارع اسطنبول معلنين بلوغهم سن السابعة متفاخرين بأنهم سيبدأون بأداء فرض الصلاة وحفظ القرآن.
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
159
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
288
| 27 أغسطس 2026
فقدان إسرائيل السند تلو السند
حينما تكتب (واشنطن بوست): مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس... اقرأ المزيد
216
| 20 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3039
| 24 سبتمبر 2026