رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد تغلغل فكر الغرب وثقافته في جسم عالمنا العربي منذ بدأ عصر الاستعمار،حيث انتشر الاستشراق والاهتمام بتراث الأمة الإسلامية بغرض فهم منهجية تفكيرها ، ونقاط القوة والضعف في الشخصية المسلمة ، وكان علينا – بالمقابل - أن نعرف الغرب بطريقة ما . وأن نوجه جهودنا لبيان ما قدمه الإسلام من عطاء للحضارة الإنسانية على مر العصور .
ويرى الدكتور محمود حمدي زقزوق- كما يقول د. أنور زناتي في كتابه المهم ( زيارة جديدة للاستشراق – أن الأوروبيين لا يزالون حتى اليوم يستقون معلوماتهم عن الإسلام من كتابات المختصين في هذا المجال من الأوروبيين، وهؤلاء هم بطبيعة الحال من طبقة المستشرقين، هذا فضلاً عما يكتبه بعض الأدباء أو الفلاسفة الأوربيين . ولكن كتابة هذا الفريق الأخير لا تخرج في الغالب عن كونها مبنية على كتابات المستشرقين. ومن حق كل أمة أن تعرف ما يقوله الآخرون عنها في عقيدتها وأخلاقها وحضارتها ونبيها ، والعجيب أننا وجدنا الشرق أصبح يرى نفسه من خلال المرآة الاستشراقية، وراحت انعكاسات الغرب عن شرقنا العربي تغزو مساحات مثقفينا ومفكرينا العرب الذين يبحثون عن جذورهم الفكرية في المرآة التي عكسها مفكرو الغرب ووجدنا أن الاستشراق، واستمرار الاهتمام به تبقى من الأمور التي تثير كثيراً من الجدل حتى يومنا هذا .
وقد تصدى كتاب مسلمون كبار من جيل الرواد لهجمات المستشرقين فصدرت كتب مهمة في هذا الصدد منها : كتاب الدكتور محمد محمد حسين (حصوننا مهددة من داخلها أو في وكر الهدامين ) وكتابه ( الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث ) وكتابه ( الإسلام والحضارة الغربية) وكتاب مصطفى الخالدي وعمر فروخ ( الاستعمار والتبشير في البلاد العربية ) وكتب الشيخ محمود محمد شاكر وبخاصة كتابه عن المتنبي ومقدمته التي عنونها ونشرت منفصلة ( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) ثم حذا حذوهم جيل تال من الفلاسفة والباحثين الكبار من أمثال الدكتور قاسم السامرائي والدكتور محمود حمدي زقزوق والدكتور محمد شامة وغيرهم ممن عرف الاستشراق عن قرب وعاش في بلاد الغرب .ولكل منهم بلاؤه المحمود في تجلية صورة الإسلام الحضارية وسماحته وإنسانيته الرفيعة من خلال مؤلفاتهم .
إن الاسلام كما يرى المفكرون المسلمون المعاصرون - لا يتخذ مواقف عدائية من حضارات الآخرين بل موقفه غاية في التسامح والتحضر والرقي والمدنية، وكل من يدرك حقائق الإسلام ويقرأ تاريخه العلمي والحضاري بعناية يدرك أن الإسلام كان ولايزال وسيظل منفتحا على كل تطور حضاري يشتمل على خير الإنسان، ولذلك لا صحة إطلاقا لما يردده خصوم الإسلام من أن حضارتنا الإسلامية تتصادم أو تتصارع مع حضارة الغرب، فهذه أوهام تسيطر على عقولهم لكي يجدوا مبررا للمواقف العدائية من الإسلام والحضارة الإسلامية، فالغرب لا بد أن يعيش في مناخ من الصراع والمواجهة مع الآخرين وقد عاش حقبة من الزمن في صراع مع الاشتراكية التي كانت تتجسد في الامبراطورية السوفييتية، وعندما انهار الاتحاد السوفييتي ولم يعد يمثل قلقا وخوفا للغرب بحث الغربيون عن عدو بديل، وقد ساقتهم كراهيتهم المتوارثة للإسلام إلى اعتباره العدو الجديد، وهذا خطأ كبير لأن الإسلام لا يمثل خطراً على أحد.
ويجب مطالبة كتاب الغرب بالتعامل بموضوعية مع الإسلام وحضارته بعيدا عن المفاهيم الخاطئة المتوارثة والأحكام المسبقة.. ويقول: كل العقلاء في العالم يؤكدون خطيئة الخلط بين الإسلام والواقع المتدني للعالم الإسلامي المعاصر، فالتخلف الذي يعاني منه المسلمون يعد مرحلة في تاريخهم ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أنهم سيظلون كذلك إلى نهاية التاريخ، ولا يجوز اتهام الإسلام بأنه وراء هذا التخلف، كما لا يجوز اتهام المسيحية بأنها وراء تخلف دول أمريكا اللاتينية.. فالأمانة العلمية تقتضي أن يكون الحكم على موقف الإسلام من الحضارة مبنيا على دراسة موضوعية منصفة لأصول الإسلام وليس على أساس شائعات واتهامات وأحكام مسبقة لا صلة لها بالحقيقة من قريب أو بعيد "
وقد أكدت عدة مؤلفات للأستاذ أنور الجندي أصالة الفكر الإسلامي في عطائه في مجال الفلك والجغرافيا والطب والكيمياء فيما اعترف به المفكرون الغربيون المنصفون من اعتراف بهذا العطاء وكيف قدم المسلمون (المصطلح الشريف) البروتوكول - والترقيم وأسماء النجوم العربية والكسور العشرية ورائدها (البكاشي) وليس مستيقين، وابن حمزة المغربي رائد اللوغاريتمات، وكيف أن الجغرافيا علم عربي أصيل، وكيف سبق ابن خلدون فلاسفة الغرب في اكتشاف علم التاريخ وعلم الاجتماع وكيف اقتحم المسلمون المحيط قبل أن يدخله كولومبس وكيف عرف المسلمون أمريكا قبل أن يعرفها الغرب.
وكيف كان الشريف الإدريسي عمدة الجغرافيا عند المسلمين وكيف كان أبو القاسم الزهراوي يجري عمليات جراحة المخ ويستعمل المرقد (البنج) وكيف عرف المسلمون كتابات المكفوفين (طريقة بريل) وكيف كتب المسلمون في الأحكام السلطانية وهي السياسة الشرعية (الماوردي وابن يعلى الفراء الحنبلي). وكيف قدم المسلمون مفهوم العمارة الإسلامية وكيف عرفوا نظرية الدورة الدموية (ابن النفيس) وكيف قاد أحمد بن ماجد السفن ووضع قواعد الملاحة البحرية العالمية، وقد كتب هذا كله قدري طوقان وعبد الحليم منتصر وكثيرون.
على أن المنصفين من فلاسفة الغرب ومفكريه قدموا شهادات غاية في الحيدة والعدل والإنصاف كما نرى في كتاب المستشرقة الألمانية زنجريد هونكه : (شمس الإسلام تشرق على العالم) - ط دار الشروق - مصر ، وكتاب (حضارة العرب) للعلامة الفرنسى جوستاف لوبون - ط الهيئة المصرية العامة للكتاب .
كما كشف الباحثون أن المسلمين هم الذين وضعوا أصول المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة المعاصرة وأنه لم يكن من ذلك شيء قبل نزول القرآن الكريم الذي هدى المسلمين إلى البحث والتجريب وكيف أن التجربة أساسها الاستقراء والقياس وقد ظهر جليًا أن كتاب (المنهج الجديد) لفرنسيس بيكون الذي يعد في الغرب قاعدة العمل التجريبي كله، هذا الكتاب مصدره إسلامي أصلا بل إنه مأخوذ بالنص من الرسالة للإمام الشافعي كما كشف عنه أخيرًا المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه (القرآن و المنهج العلمي المعاصر) وذلك بالرغم من تجاهل بيكون للمصدر الإسلامي في كتابه الذي وضع به الأرجانون الجديد على أنقاض أرسطو، وإن هذا المنهج الإسلامي في (التجربة) هو الذي قلب تفكير أوروبا رأسًا على عقب وأخرجها من ظلمات القرون الوسطى بعد ألف عام ومن الرهبانية ومن مفهوم أرسطو في الثبات ومن مفهوم التأملات. وقد أكد المستشار عبد الحليم الجندي بالأدلة الدامغة أن (ارجاتون بيكون) مستمد من رسالة الشافعي التي قامت على رفض المنطق اليوناني المبني على الفروض لا على المدركات الحسية والاستقراء التي أخذها بيكون من الفكر الإسلامي .
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1352
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7943
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4236
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17160
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3912
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026