رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُقاس نتائج الحروب لمن يشنها بتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية المعلنة وغير المعلنة التي شُنت لأجلها. وليس بقدرات التدمير والقتل والإبادة. كما يُقاس الانتصار ليس بالانتصار على جبهة المعركة، بل بتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية وهزيمة العدو واستسلامه.
باستخدام تلك المعايير- سرعان ما يتبين أن حرب ترامب - نتنياهو لم تحقق أهدافها- بل حولت إيران في عيون شعبها والكثيرين حول العالم إلى ضحية. والتف الشعب حول النظام برغم أنه كان يترنح - وخاصة بعد انتفاضات واحتجاجات شعبية واسعة نهاية ديسمبر الماضي ومطلع العام الحالي، وترى إيران أنها بعدم سقوط النظام - قد انتصرت لأنها لم تستسلم وبقي النظام. وتفاوض حول برنامجيها النووي والصاروخي.
ولذلك برز أكبر الخاسرين الذين صوروا لترامب انتصاراً سهلاً بإسقاط النظام في إيران باغتيال مباغت للقيادات ورموز النظام باغتيال المرشد بالضربة الأولى وقيادات الصف الأول - ليبرز أن نتنياهو-هو أكبر الخاسرين بمشاركته وتحريضه لترامب شن حرب على إيران. لم يسقط النظام ولم ينجح بتنصيب نظام موال ومطبع ولم يحقق أهداف الحرب- ويقضي على برنامجي إيران النووي والصاروخي.
وإذا راجعنا أهداف ترامب - نتنياهو من تبرير شن الحرب على إيران: إضافة إلى إسقاط النظام الإيراني-وافتعال حرب داخلية - وتنصيب نظام موالٍ يدور في فلك القوى الغربية.. وتدمير برنامجي إيران النووي ووضع قيود على برنامج إيران الصاروخي. وتجريد إيران من اليورانيوم مرتفع التخصيب. ومحاصرة وتقليم أظافر إيران وإنهاء محور المقاومة وأذرع ونفوذ إيران في المنطقة. وهذا يمهد لتحقيق حلم نتنياهو بفرض شرق أوسط جديد كما يكرر نتنياهو بقيادة إسرائيلية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه- كم من تلك الأهداف نجح نتنياهو في تحقيقها؟!!
وبسبب فشل تحقيق تلك الأهداف سواء المعلنة وغير المعلنة - يصفها نتنياهو بالخطوط الحمراء - لذلك يرفض، بل يصر على تخريب أي اتفاق قبل تحقيق خطوطه الحمراء الهلامية. لأنه مقتنع بان أي اتفاق بين إدارة ترامب وإيران- اتفاق سيء يجب أن إفشاله وتقويضه. حتى لو اغتال المفاوضين الإيرانيين!!
كما عرّضت حرب نتنياهو أمن الإسرائيليين للخطر-وللمرة لأولى عاشوا تجربة طويلة ومكلفة في الملاجئ. وجمود الاقتصاد، وتعطل الحياة الطبيعية وخسائر كبيرة لحقت بالاقتصاد والبنى التحتية. وتراجع شعبية نتنياهو وحزبه وحكومته المتطرفة-خاصة أنه لم يحقق الأمن للإسرائيليين - وهو الذي يقدم نفسه على الدوام-بأنه رجل الأمن- Mr. Security))!! مما عطل الحياة الطبيعية على مدى 40 يوما من المعاناة والعيش في الملاجئ.
واستغلت المعارضة فشل نتنياهو بشن انتقادات وهجوم لاذع مسيّس عليه وعلى حكومته في حملتهم الانتخابية. يوظفونها بسبب كلفة الحرب الكبيرة. بهدف إسقاطه وهزيمته والقضاء على حياته السياسية إلى الأبد. ولذلك من الواضح أن انتخابات الكنيست القادمة في الخريف القادم - ستكون استفتاء على حرب نتنياهو. وكيف فشل بتحقيق أي من أهدافها وهدد أمن إسرائيل والإسرائيليين؟ تضاف لفشله بتوقع "طوفان الأقصى" وإدارة حرب الإبادة التي كلفت نزف سمعة ومكانة إسرائيل - وهشمت سردية إسرائيل التي تحاول تكريسها من عقود "الجيش الإسرائيلي - الأكثر أخلاقية في العالم" - وإسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
ليتحول نتنياهو لبطة عرجاء ضعيفة - ويُغضب ترامب الذي وصف ترامب بالمجنون وجعلت حروبه وسياساته، إسرائيل منبوذة ومكروهة. ونتنياهو من أكثر الشخصيات المكروهين. منذ شن حربه على غزة قبل عامين ونصف العام خسر تعاطف الأمريكيين وخاصة جيل الشباب - والجامعات الذين باتوا أكثر وعيا وإطلاعا وانتقاداً لقتل الأطفال والمدنيين الأبرياء في غزة. واستخدام سياسة التجويع والحصار والعقاب الجماعي. ولذلك خسر نتنياهو دعم الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة والجناح التقدمي في الحزب. وبدأت إسرائيل تخسر دعم الحزب الجمهوري الموالي-وخاصة جناح ماغا القاعدة الرئيسية الداعمة للرئيس ترامب والتي أوصلته مرتين إلى البيت الأبيض-بانشقاق وتمرد الجناح المؤمن بمبادئ (ماغا)-بأن "أمريكا أولاً وليس إسرائيل أولاً"
ويطالبون ترامب بألا يتخلى عن مبادئ ووعوده الانتخابية بعدم شن حروب. بل أُنتخب لإنهاء الحروب وتوحيد الأمريكيين. أبرز المنتقدين والمنشقين من حركة ماغا النائبة مارجوري تايلر غرين. ودفعها الخلاف للاستقالة من الكونغرس احتجاجاً. وخاصة بعد تلقيها رسائل تهديد ولابنها. وانضم للمنشقين النائب توماس ماسي- الذي دعم ترامب، منافسا له في ولاية كنتاكي في الانتخابات التمهيدية انفق اللوبي لإسرائيل 30 مليون دولار في الحملات الدعائية في الحملة الانتخابية لهزيمتها لتمرده على ترامب ومطالبته بوقف الدعم والشيكات المفتوحة لإسرائيل. والكشف عن ملفات فضيحة ابستين.
كما صعّد محللون ومعلقون مؤثرون من داخل حركة ماغا ضد هيمنة اللوبي الأمريكي- الإسرائيلي- على النظام السياسي الأمريكي وسياسته في الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل وحروبها الدائمة. لتطول الانتقادات مؤسسة الحزب الجمهوري الداعم تقليديا لإسرائيل. برفض الدعم بلا سقف إسرائيل وكلفة الحرب على إيران. مؤكدين: "أمريكا أولا وليس إسرائيل"!! خاصة وهم يرون إصرار نتنياهو بتخريب أي اتفاق!! سُرب لصحيفة نيويورك تايمز- اكتشاف الاستخبارات الأمريكية مخطط إسرائيل لاغتيال رئيس المفاوضين الإيرانيين - ورئيس مجلس الشوري محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي عند عودة الوفد المفاوض من باكستان في أبريل الماضي!! وأبلغت إدارة ترامب إيران عن طريق الوسطاء بالمخطط - كان بهدف تقويض المفاوضات. وعودة الحرب برد انتقامي إيراني بعد التوصل لمذكرة التفاهم بين الطرفين الأمريكي والإيراني. وتوقيع الرئيس ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المذكرة في 18 يونيو!!
حتى أن كيفين نوسوم حاكم ولاية كاليفورنيا-أكبر وأغنى ولاية أمريكية وأكثرها سكانا-ومرشح رئيسي للرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي عام 2028- سخر من نتنياهو -"الذي يريد تغيير الشرق الأوسط - وإسقاط النظام الإيراني- بينما عجز على هزيمة حماس وتجريدها من سلاحها خلال عامين!!
على الوسطاء وخاصة دولة قطر استمرار جهودهم لمنع عودة الحرب، المرفوض عودتها أمريكيا وفي المنطقة. باستثناء نتنياهو وحكومته المأزومة انتخابياً وشعبياً. بتمسكهم بعرقلة وتقويض أي اتفاق ينهي حالة المراوحة بين اللا حرب- واللا سلم- بتفجير الجبهة اللبنانية - بما يخدم اجندتهم بديمومة الحروب.
في بيتي... حرامي!
"عندما يصبح الفساد عارضًا لمرضٍ أعمق في بنية الحكم ". أقسى أنواع السرقة ليست تلك التي يرتكبها لصٌّ... اقرأ المزيد
54
| 04 يوليو 2026
غارت أُمكم
غيرة المرأة أمر فطري في الرجال والنساء، ولكن نظرا لطبيعة المرأة وغلبة العاطفة على إدراكها للأمور، فقد تخرج... اقرأ المزيد
69
| 04 يوليو 2026
دينك وسيعود عليك
لأن اليوم هو أول يوم بعد اسبوع مر متعباً على الأقل بالنسبة لي ولأن نهاية الأسبوع بدأنا فيه... اقرأ المزيد
33
| 04 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4821
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4524
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3372
| 01 يوليو 2026