رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

879

إحسان الفقيه

غارت أُمكم

04 يوليو 2026 , 10:46م

غيرة المرأة أمر فطري في الرجال والنساء، ولكن نظرا لطبيعة المرأة وغلبة العاطفة على إدراكها للأمور، فقد تخرج بها الغيرة عن حد المعقول وإدراك العواقب، ومن ثم تحدث المشكلات.

لذا يمكن القول إن استيعاب الرجل لغيرة المرأة هو أحد أهم مقومات نجاح العلاقة الزوجية واستمرار الدفء العاطفي وتحقق أجواء الثقة والاطمئنان.

أول ما ينبغي أن يعلمه الرجل على طريق استيعاب غيرة المرأة، هو إدراكه أن هذه الغيرة غالبا ما تكون دليل محبة، وحساسيتها التي قد تكون مفرطة تجاه أي موقف يحدث للزوج يتعلق بامرأة أخرى، كثيرًا ما تكون انعكاسًا لخوفها من تحوّل مكانتها في قلب شريك حياتها، لذا عليه أن يعلم أن غيرة المرأة ليست في حد ذاتها مشكلة، فهي غالبا ما تكون رسالة تحمل في طياتها الحاجة إلى مزيد من الاهتمام والاحتواء.

أشد الأخطاء التي يقع فيها الرجل إزاء غيرة المرأة، السخرية منها والتقليل من شأنها، والتعامل معها بسطحية وتسفيه المرأة واتهامها بضعف العقل أو الشخصية، وهذا الأسلوب يدفع المرأة للشعور بعدم التقدير، ويجعلها أكثر إصرارًا على إثبات صحة مخاوفها.

المرأة في هذا الموطن تحتاج إلى الإنصات العاطفي والاستماع الجيد، ومنحها الفرصة للتعبير عن مشاعرها ومخاوفها بوضوح، فهذا من شأنه أن يخفف حدة توترها وانزعاجها، وإشعارها بأنها محل احترام وتقدير، ومن ثم تؤهل للاستماع إلى شريك حياتها وردوده دون أن تلح عليها ظنونها ومخاوفها.

وإن مما يبعث الطمأنينة في قلب المرأة وإزالة مشاعر الغيرة الضاغطة عليها، تجنب الرجل للغموض، بل يلزم أن يكون واضحا في تصرفاته وتعاملاته، ويشاركها تفاصيل حياته، وهذا من شأنه أن يغرس فيها الثقة التي تعينها على السيطرة على غيرتها مهما كانت شديدة.

الرجل يستوعب غيرة المرأة بتجنب التصرفات التي قد تثير غيرتها، مثل إدراجها في مقارنة مع نساء أخريات ولو في الطهي، أو المبالغة في مدح امرأة أخرى أمامها، خاصة إذا تراكمت مثل هذه المواقف، حينئذ تزداد غيرتها اشتعالًا يصل في كثير من الأحيان إلى الشك.

ومن المسائل المهمة في هذا الباب، ضرورة إشعار الرجل زوجته بأنها محل موضع وتقدير وإعجاب، وإمطارها بكلمات الثناء خاصة أمام الآخرين، فهذا بلا شك يعزز من ثقتها بنفسها، ويقلل من دوافع غيرتها، وذلك عندما تشعر بمكانتها لدى زوجها وتقديره لها، فلا تنشغل حينها بالمخاوف والهواجس.

ومن جميل ما قرأته بشأن غيرة المرأة واستيعابها من قبل الرجل، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه (يعني عائشة)، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت).

فعلى الرغم من الغيرة الشديدة التي ظهرت عليها أم المؤمنين عائشة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنفها، وإنما تفهمها لعلمه أنها تصرفت بمقتضى فطرتها، بل وبرر لها صنيعها أمام الناس فقال: غارت أمكم.

يفسر الإمام ابن حجر العسقلاني هذه المقولة الأخيرة في الحديث بقوله: "وقوله "غارت أمكم" اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها".

فهنا استوعب النبي صلى الله عليه وسلم غيرتها، وبث في روعها الطمأنينة بهذه المعالجة الهادئة وسعة الصدر، إلا أنه أمر بما تصان به الحقوق ويُمنع به الظلم.

المرأة بدورها مطالبة بإدراك حقيقة أن الثقة هي أساس الحب والمودة، فإذا كانت تطالب زوجها بتفهم غيرتها، فعليها كذلك ألا تبالغ في هذه الغيرة فتخرجها عن طبيعتها أو حقيقتها إلى الشك، فطالما أنه ليس لديها يقين بما يقدح في كونه محلا للثقة، فعليها أن تمنحه إياها دون أن تجعل الشك هو التفسير الأول لكل تصرفاته، فالحياة الزوجية تقوم على التوازن بين الحب والثقة، بين الاهتمام والحرية، وبين الاحتواء والاحترام المتبادل.

مساحة إعلانية