رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تغيير المؤتمر الإسلامي إلى التعاون ليس شكليا ويهدف لتطوير المنظمة
لم يكن المؤتمر- الذي يعقد مرة كل عامين -عاديا فقد تجاوز الملفات والبنود التي اعتاد بحثها واتخاذ قرارات روتينية بشأنها بعد أن فرضت جملة المتغيرات الناتجة عن الثورات والأزمات في المنطقة العربية حضورها القوي على جدول أعماله وهو الأمر الذي جعلها عنوانا رئيسيا لمعظم الجلسات العامة واجتماعات اللجان المتخصصة وإن ألقي الموقف المتحفظ لقازاخستان - الذي ينظر إلى هذه الأحداث بحسبانها تصب في رفع وتيرة الاضطرابات في المنطقة ونتجت عن مجرد الاختلال في منظومة النمو الاقتصادي والاجتماعي في البلاد التي تشهدها عبر عنه رئيسها "نور سلطان نزار باييف "في كلمته في افتتاح المؤتمر أو وزير خارجيته " أرجان قاضي خانوف" في مداخلاته خلال الجلسات ولقاءاته الإعلامية بظلاله على البيان الختامي للمؤتمر الذي صدر باسم إعلان أستانة حيث لم يتضمن سوى التعبير عن القلق تجاه الأحداث في ليبيا دون أن يتطرق إلى تحديد موقف من كل من الأزمة الليبية والأزمة السورية رغم حالة التدهور التي تعيشها البلدان من جراء تفاقم الأوضاع فيهما خاصة في الحالة السورية التي تشهد استمرارا في قيام قوات الجيش والأمن في توجيه الضربات القوية للمحتجين تحت حجة محاربة الجماعات المسلحة والإرهابية مما طرح تساؤلات عدة عن أسباب هذا التجاهل ما زالت دونما إجابات.
ولكن للإنصاف فإن الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور أكمل الدين إحسان عبر بصدق في تقريره الشامل في افتتاح عن الرفض القاطع لأي ممارسات سلبية ضد المطالبين بالديمقراطية والعدالة والحرية وعندما سألته شخصيا عن ازدواجية المعايير في التعامل مع الحالة السورية والتي لم يصل الموقف منها إلى حد الموقف الذي تبنته المنظمة وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية تجاه الوضع في ليبيا أجابني بالحرف الواحد: إن المنظمة لا تتبنى سياسة ازدواج المعايير فيما يتعلق بتعاملها مع الأوضاع التي تشهدها كل من سوريا وليبيا واليمن فقد أصدرت ثلاثة بيانات شديدة اللهجة حول هذه الأوضاع تؤكد بشكل قاطع رفض سفك الدماء وقتل المواطنين لكننا ننتهج الدبلوماسية الهادئة في الحديث مع حكومات هذه الدول ونحن نفضل العمل عبر هذا النوع من الدبلوماسية التي من شأنها أن توفر نوعا من الحذر والحيطة والتروي لأن الأمر يتعلق بوقف سفك الدماء وتمهيد الأجواء لقيام الحوار الوطني بما في ذلك البحرين وقد أرسلت مبعوثا خاصا للرئيس السوري بشار الأسد قبل فترة وبحث كما كلفت بعثة من مسؤولي المنظمة بالتوجه إلى طرابلس قبل أيام وسيتوجه إلى بني غازي خلال هذا الأسبوع ليواصل بحث المسألة مع المجلس الانتقالي الذي لم نعترف به لأنه ليس من شأن المنظمة الاعتراف بالدول أو الحكومات بيد أن هناك عددا من الدول الأعضاء فيها قررت من قبل الاعتراف بالمجلس.
ويمكن القول إن التحول إلى مسمى منظمة التعاون الإسلامي عوضا عن المؤتمر الإسلامي شكل جانبا مهما من جوانب استثنائية مؤتمر أستانة رغم طابعه الشكلي فهو قد حرر المنظمة من مسمى لم يكن ذي معنى واضح المعالم فمفردة المؤتمر تنطوي على عمومية وتفتقد دفء الخصوصية وكل يوم بل كل ساعة يعقد مؤتمر في منطقة من العالم ومن ثم كان من الضروري التحول عن هذا المسمى الذي ظل سائدا لأربعين عاما ومعبرا عن حالة تجمع نفر من قادة وزعماء الدول الإسلامية في العام 1969 للتصدي لتداعيات الحريق الذي تسبب فيه متطرف صهيوني في هذا العام ضمن المخطط العدواني للدولة العبرية للقضاء على المقدسات الإسلامية خاصة بمدينة القدس وفي الصدارة منها بالطبع المسجد الأقصى وما زالت مصرة على الاستمرار في تنفيذ هذا المخطط على نحو لا يقيم وزنا للكتلة الإسلامية أو العرب أو المنظمات الدولية التي ترفض هذه المخططات على مستوى الخطاب فقط دون أن يمتد تأثيرها إلى منطقة الفعل التي تحتاج إلى إرادة سياسية قوية يبدو أنها لم تتبلور بعد.
وتزامنت الموافقة على تغيير مسمى المنظمة قرار تغيير شعارها المكون من خارطة للكرة الأرضية فيها القارات التي تنتمي إليها الدول الأعضاء بالمنظمة وتتوسطها الكعبة المشرفة كدلالة على توحد العالم الإسلامي
وقد سألت الدكتور أكمل الدين إحسان أغلو عن دلالات الاسم وأنه مجرد تغيير شكلي دون أن يمتد إلى إحداث تغيير في منهجها فعقب قائلا: هذا كلام يجانبه الصواب، فالشعار والاسم الجديدان لا يعكسان النواحي الشكلية فقط، بل هما امتداد لفلسفة ومفاهيم جرى تطويرها والتباحث في شأنها منذ ست سنوات، وانطلقت بها المنظمة عندما وضعت منهجا فعليا وجادا والذي يتمثل في برنامج العمل العشري الذي تمت المصادقة عليه في قمة مكة الاستثنائية عام 2005، كما ذكرت لك، وهو برنامج يرمي إلى تعزيز التضامن الإسلامي وتحويله من مجرد شعارات إلى خطة عملية ومنهجية يمكن تحقيقها في إطار إنجازات شاملة تضم الجوانب السياسية والتعاون التجاري والاقتصادي، والتنمية، فضلا عن الارتقاء بالجوانب الثقافية.. فضلا عن ذلك فإن تغيير الشعار والاسم يأتي بعد وضع ميثاق جديد يؤسس لمبادئ تتوافق مع متطلبات العصر، والمتغيرات الدولية التي شهدها العالم الإسلامي والعالم أجمع.. إذن تغيير شعار المنظمة واسمها لا يقف عند حدود الشكل، بل هو تطور طبيعي لما آلت إليه المنظمة كونها باتت جهة فاعلة ونشطة على مستوى العالم الإسلامي.
وشكل الاتفاق على تأسيس هيئة دائمة ومستقلة لحقوق الإنسان تتبع منظمة التعاون الإسلامي تطورا نوعيا في مسار وأداء المنظمة يجعلها أكثر اقترابا من التعبير عن الشعوب تمكن مؤتمر أستانة من إنهاء الخلافات التي نشأت بين كل من المملكة العربية السعودية وإيران على استضافة مقرها وذلك بعد تدخل الوفد المصري الذي اقترح أن يكون مقر المنظمة مقرا لهذه الهيئة الوليدة.
وثمة حرص بدا واضحا لتفعيل كفاءة وحركة المنظمة للانطلاق إلى جوانب عملية تتقاطع مع مصالح الأمة الإسلامية وهو ما تجلى في جملة من الأفكار والمقترحات التي قدمها رئيس قازاخستان نور سلطان نزار باييبف في مداخلته بالجلسة الافتتاحية لمؤتمر وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي والتي يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: إن القدرة على مواجهة التحديات الهائلة التي تواجه العالم الإسلامي تتطلب بالدرجة الأولى تحقيق السلام والاستقرار والمضي قدما باتجاه التحديث والتقدم العلمي والتكنولوجي فالأمة الإسلامية تمتلك إمكانات ضخمة لكنها في حاجة إلى استحداث الآليات الفعالة لتوظيفها واستغلالها على نحو يؤدي إلى توسيع الاستثمارات المشتركة والتعاون الكفء في المجال التقني.
ثانيا: من الضرورة بمكان استعادة النهضة الحضارية الإسلامية التي شكلت في قرون سابقة أساسا قويا لانطلاق النهضة الأوروبية الحديثة وتساءل عن عدم قدرة الدول الإسلامية على تحقيق مراكز متقدمة في مجال العلوم التطبيقية بينما تمتلك إمكانات بشرية وطبيعية ضخمة.
ثالثا: إن الدول الإسلامية تمتلك 70 في المائة من موارد العالم لكنها في المقابل لا تمتلك سوى 7 في المائة من حجم التجارة العالمية وهو وضع غير مقبول ويستوجب تعزيز كفاءة هذه الدول وتطويرها للعمل مع من أجل تحقيق التنمية كما يتطلب توفير البيئة السياسية والفكرية والاجتماعية لتهيئة أفضل الظروف للنهوض مجددا بالعالم الإسلامي.
رابعا: إطلاق منتدى للحوار بين أكبر عشر اقتصاديات في العالم الإسلامي وإقامة صندوق إقليمي لتقديم العون في المجال الزراعي والغذائي للدول الأعضاء فالمطلوب هو حوالي تريليون دولار للحفاظ على الموارد الزراعية وتلبية متطلبات الشعوب الإسلامية حتى العام 2030.
خامسا: إن هناك إمكانية هائلة للتعاون مع منظمة المؤتمر الإسلامي، نظرا لإمكانات دولها الاقتصادية، الأمر الذي يستدعي خلق آليات فعالة للتعاون الاقتصادي، وللدعم المتبادل وتعزيز التنمية فضلا عن اتخاذ التدابير اللازمة من أجل تعزيز المبادئ الأساسية للعمل المصرفي الإسلامي، وإنشاء بورصة إسلامية.
السطر الأخير:
وجهك لم يغادرني في أستانة
رأيتك في النهر الحالم والبنايات الزجاجية
وخضرة الحقول الممتدة
ولون صبايا المدينة المغزول بالحنطة والرمان
شاهدتك شمسا تبث دفئها
فتسترخي البلاد بواحة عينيك
تبثني أريجا وسفرا للعشق دونما عنوان
تنفست براحتيك أيتها النائية القريبة
المدهشة الراسمة في الأفق عبيرا لا ينسى
متوجة بالياقوت والمرجان
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10338
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3021
| 10 سبتمبر 2026