رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

267

إبراهيم عبد المجيد

الخيال والمستقبل.. هل هو مقصود أم عفوي؟

04 يونيو 2026 , 11:03م

خيال المبدعين أخذهم إلى المستقبل منذ أزمنة بعيدة، من أقرب الأمثلة الدوس هكسلي في روايته "عالم جديد شجاع" التي استشرفت سيطرة التكنولوجيا الحيوية في تعديل الجينات، وتوجيه عقول البشر. كذلك جورج أورويل في روايته "1984" التي استشرفت هيمنة الدولة البوليسية، وتزييف التاريخ. كذلك روايات جول فيرن عن الصعود إلى الفضاء وغيرها. يمكن أن تجد روايات عربية عديدة أيضا في ذلك. أما عن السينما فالحديث طويل منذ فيلم "الأزمنة الحديثة" لشارلي شابلن عام 1936 الذي يناقش بأسلوب كوميدي، أزمة سيطرة الآلة على حياة الإنسان، فيصبح رهنا لها منفيا عن حقيقته كصاحب عقل. في كل الأحوال وراء خيال الأدباء قلق أو واقع مضطرب، أو نظم ديكتاتورية، أو بحث عن مدينة من خيال، لا يتوقف عندها الرقيب في كثير من البلاد. هو خيال حقا لكن وراءه كثيرا من القراءة العلمية عند البعض، والتوقع بين الخوف والأمل. كثيرا ما أقرأ لكتاب عن كيف تنبأوا بحدث ما، مثل ما جرى بعد أحداث الربيع العربي. أتذكر تجربتي التي لم تكن مقصودة قط، إلا في رواية واحدة هي" قطط العام الفائت" التي كتبتها بعد ثورة يناير بخمس سنوات، لأني دائما أقول إن الكتابة الإبداعية عن حادث معاصر، الأفضل أن تتم بعد أن يغيب ويصبح غامضا، حتى لا تتسرب الأفكار السياسية إلى العمل فتفسده. اخترت بلدا خياليا قامت فيه ثورة، وكلما حبسوا الثوار تحولوا إلى قطط، فيطلقونهم ليخرجوا يملأون الطرقات بالثورة من جديد. وهكذا جاءت النهايات متفائلة، على عكس ما جرى. ربما هو مستقبل بعيد. لا أجزم فلا أريد للسياسة أن تفسد العمل.

رغم ذلك كثيرا ما فاجأني الصحفيون بنبوءات لم أكن أقصدها. منها عام 1990 حين تم الغزو العراقي للكويت. جاءني كاتب قصة شاب ومعه روايتي "بيت الياسمين" الصادرة عام 1986 التي بها حوار بين شخصين. أحدهما لا يتوقف عن الحديث عن أمله أن يسافر إلى الكويت، لتتغير أحواله المادية، مما أثار غيظ الثاني فقال له "ستقوم حرب بالكويت والبترول يولع" ورغم أنني أوضحت للكاتب الشاب أن هذا حوار عادي سببه ضيق القائل، لكن اعتبره نبوءة. وتكرر ذلك عام 1992 حين حدث الزلزال الكبير في بلادنا، وكنت انشر رواية "قناديل البحر" مسلسلة في مجلة "نصف الدنيا" وظهر فيها هذا النص: "هذه البلاد التي تسمي مصر والتي تقع في الشمال الشرقي من قارة أفريقيا، ستتعرض لحركات تكتونية عنيفة تهز الأرض والجبال". الحركات التكتونية منها الزلازل. سبب قول بطل الرواية لذلك، هو أنه كان جنديا في حرب أكتوبر 1973، ورأى ما جرى من ضياع لهذا الجهد بسبب السياسة، التي جاءت بالتطبيع مع إسرائيل. وقتها كتب الصحفي يسري حسان في جريدة الجمهورية مقالا بعنوان "كاتب يتنبأ بالكوارث"! حين نشرت روايتي "في كل أسبوع يوم جمعة" عام 2009، اعتبرها البعض نبوءة بثورة يناير، وأيام الجمع التي لا تُنسى، رغم أن الرواية لا علاقة لها بذلك. الأمثلة كثيرة لم أدركها وقت كتابتها. شيء واحد بعد أن كتبته خفت أن يتحقق. جاء في رواية "السايكلوب" المنشورة 2019 والتي تنتهي برحيل أهل مصر في سفن بالبحر المتوسط، وينزلون في جزيرة معزولة، يظهر لهم فيها السايكلوب يأكلهم. ما أخافني ليس السايكلوب الوحش الأسطوري في ملحمة الأوديسا، فهو خيال، لكن أن يهرب الناس بالسفن في البحر المتوسط. خفت بعد أن أنهيت الفصل، لكني قلت ما دمت قد أدركت، فلن يحدث. وربنا كريم.

مساحة إعلانية