رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القلم ليس دائما كمشرط الجراح، فمشرط الجراح ينبغي عليه أن يتجرد من أي انفعال، وأن يتعامل بعقل ومشاعر باردة، عكس القلم يفقد هذه الصفة خاصة عندما تكون الأحداث ساخنة، وموجعة، وتتجاوز حد القدرة على احتوائها لعوار شديد ألم ببيئة حدوثها، وعندما يحيط العوار بالمنوط بهم إدارة الأزمة لتجاوزها بأقل الخسائر، وتزداد الأزمة تعقيدا عندما يعمدها الدم، فالدم خارج ساحات القتال له رائحة الجريمة والغيلة، وعندما يسيل الدم على الأعتاب المقدسة لدور العبادة، يزداد لهيب الأحداث اشتعالا، وتمس الأحداث قداسة المعبود ذاته، وهو ما يصنع عصور الشهداء.
عاد بي عنوان لمقال للأستاذ فهمي هويدي (متى تغضب مصر؟) إلى عنوان لكتاب الأستاذ هيكل (خريف الغضب).
وقرأت عنوان مقال الأستاذ فهمي هويدي، كأنه يسأل: متى تبلغ مصر الرشد؟، ليس بحثا في أمر العمر بعدد السنين، ولكن في أمر ترجمة الغضب إلى فعل، ولعلي أضيف "فعل شعبي".
واسترجعت عنوان الأستاذ هيكل وكأنه لا يتحدث عن غضب وقع في خريف 1981، ولكنه كما لو كان ينعى لنا بلوغ الغضب لخريف العمر، ويقارب نهاية الأجل.
في المقال ناقش الأستاذ فهمي هويدي استقبال مصر لنتنياهو رغم ما أعلن مؤخرا عن عملية تجسس إسرائيلية أطلق عليها "الفخ الهندي" المتهم فيها مصري واثنان من الموساد، ولن أناقش الموضوع ولكن المقال حدد الأفعال التي تقوم بها إسرائيل وعددها 13 فعلا (التجسس – التدمير – الاستيطان – التهويد – التصفية – التنصل – الفضح – الإذلال – الاحتقار – الازدراء – الفصل – الاختراق – التحريض)، والأفعال المواجهة لها (الاستياء – العتاب) ولم تبلغ الغضب أو إعلان الغضب.
والكتاب كان عن فورة غضب متبادلة، مرت بربوع مصر في خريف عام 1981، بين سلطة السادات التي أودعت 1536 من المعارضين له في المعتقل فجر الثالث من سبتمبر عام 1981 ولم يكد يمضي شهر إلا وخالد الإسلامبولي ورفاقه يخرجون من بين جنود العرض العسكري في السادس من أكتوبر ويهاجمون منصة العرض، ويقتلون السادات وهو يرتدي بزة عسكرية، ووسط كل رجال الدولة.
كان غضبا متبادلا، فعل ورد فعل استغرق ثلاثة وثلاثين يوما، وبهتت جذوة الغضب من بعد ذلك.
بعدها قرأنا الفريضة الغائبة للمهندس محمد عبدالسلام فرج، وقرأنا التحليل السياسي للواقع الذي كانت تحياه مصر في ذلك الحين، وكلتا الورقتين حكمتا اتخاذ قرار الاغتيال ومثلتا المقدمات الفكرية والسياسية لاتخاذ القرار، ومن قرأ ورقة التحليل السياسي، والتي نشرت في الجرائد في حينها، كانت لا تختلف عن أي قراءة سياسيه يقوم بها تنظيم سياسي قومي أو يساري، حتى بالألفاظ، أي كانت مصر تملك قراءة واحدة للواقع الذي تحياه، وكانت مصر قريبة من بعضها البعض، متلامسة الأكتاف مع التنوع الفكري والعقائدي، واختار العديد فعلا واحدا ونجح أحدهم في تنفيذه.
جاءت في الساعة الأولى من العام الجديد أنباء عن انفجار أمام كنيسة في الإسكندرية، وأن الانفجار أسفر عن إصابات شديدة، (وجرى دفن 24 جثمانا في مقبرة جماعية، ومازال ثمانون مصابا تحت العلاج)، ولا أستطيع أن أصف الحالة التي مرت بي وبالعديد من الأصدقاء ونحن نتابع الأنباء حتى ظهر اليوم التالي.
وبدا واضحا أن شيئا مختلفا قد حدث، يماثل واقعة اغتيال رفعت المحجوب في نهاية الثمانينات، التي اتسمت بتكتيك وتنفيذ احترافي، وفي يوم إجازة الجمعة، مما أكد في حينها أن هناك معلومات، وهناك تخطيط، وهناك مستويات متعددة من الأفراد للتنفيذ، وهناك فوق هذا التأمين والإخفاء من بعد التنفيذ، كانت كل تلك المواصفات مع نجاح العملية مؤشرا مغايرا، وأيضا في هذا الحادث هناك شيء ليس من طبيعة هذه العمليات في مصر، حيث صرحت مصادر أمنية، بعد دراسة موقع الانفجار عن احتمال وجود انتحاري هو منفذ التفجير.
الحادث جاء في أعقاب بعض الوقائع:
1. أنه جاء بعد حديث عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية "أمان"، والذي قال فيه: "لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً"، ولم يخرج أحد للرد عليه.
2. جاء بعد كشف شبكة التجسس الإسرائيلية، والمتهم فيها مصري وإسرائيليان، وأن هذا المصري كشف أن أحد المسؤولين عن الملف النووي السوري كان عميلا للموساد، وأن إسرائيل هي التي قامت بتخريب خطوط الإنترنت التي تخدم الشبكة في مصر، وكان هناك حديث عن اختراق لشبكة الاتصالات المصرية. وكان هذا الحادث واقعة كاشفة عن صحة تصريحات يادلين، كما أنها أعادت إلى الأذهان حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي.
3. أنه في أعقاب حادثين مثلا نقطة انقلاب في العلاقة بين الأمن وبين المواطنين:
حادثة المواجهة بالرصاص بين الأمن والمواطنين في الدائرة الانتخابية التي تقع فيها هذه الكنيسة، وهي الدائرة التي يمثلها وزير حاليا، وكان في حملته الانتخابية يزور الكنائس لحشد أصوات الناخبين المسيحيين، ويستعين بداعية إسلامي شاب لحشد أصوات الناخبين المسلمين، أي أنه من حيث لم يدر أكد الانقسام الطائفي، ولم يطرح حديثا سياسيا يستقطب المواطن أيا كان دينه، لأنه لا يملك مقومات هذا الحديث.
حادثة العمرانية، حيث جرى صدام بين الأمن وحشود من المسيحيين بسبب مبنى إداري تحول إلى كنيسة، وقتل في الواقعة شابان مسيحيان، وهاجم قرابة الثلاثة آلاف من المسيحيين مبنى محافظة الجيزة، وجرى القبض على أعداد منهم، ومازال البعض مقبوضا عليه، وهو أمر اتخذ البابا شنودة موقفا رافضا له، واعتكف في وادي النطرون.
4. وسبق الحادثة تأكيد على طائفية الشارع في مصر شارك في ذلك الأنبا أبشوي والدكتور محمد عمارة والأستاذ سليم العوا، وجرى تلاسن من الجانبين، وكأن كليهما لا يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوحدة الوطنية، وزاد من اشتعال الموقف غياب دور الدولة، وتركها الأمور علها تذوى جذوتها من ذاتها دون تدخل منها في أدق قضية داخلية في مصر.
5. أن الحادثة جاءت بعد انتخابات مجلس الشعب والتي شهد الجميع فيها أن التزوير كان علنيا ولا يحاول التستر، وأن من أداره هو الجهاز الأمني، ورغم ذلك خرجت قيادات الحزب تعلن أنها خاضت تجربة ديمقراطية ونجحت فيها، وأدرك الشعب أن حالة الكذب لا تراعي أن الناس قد رأت بأعينها، وغير ذلك رأى البعض أن الأعضاء المعينين بالمجلس كان من بينهم مسيحيون لهم موقف من البابا شنودة، وغير هذا استبعدت النائبة "جورجيت قليني" التي وقفت ضد ممارسات "عبد الرحيم الغول" نائب الحزب الوطني والذي اتهم بعلاقة مع المتهم الرئيسي في قضية الهجوم الذي جرى في نجع حمادي على إحدى الكنائس هناك، ونجح الغول في دخول المجلس المصنوع بأيديهم.
6. أنها جاءت بعد تهديد من القاعدة في بلاد الرافدين باستهداف المسيحيين في مصر بعد الحديث عن اختفاء سيدتين مسيحيتين أعلنتا إسلامهما، واختفتا، وصارتا موضوع شحن متبادل، مع غفلة تامة عن مردود هذه المشاحنات، وتهديد القاعدة كل هذا كان يوجب أن تكون اليقظة الأمنية في أعلى حالات الاستعداد.
كان الانفجار وضحاياه نقطة الذروة لكل هذه الوقائع وغيرها، وكان الاستنتاج الوحيد أن هناك دورا غائبا للدولة.
قد يمكن لأي محلل سياسي أن يقول بسقوط نظام حكم، ولكن أن ترتخي قبضة الدولة على أخطر قضايا الوطن، "مياه النيل والوحدة الوطنية"، فهذا واقع يؤكد أن خللا مؤكداً قد أصاب الدولة في مصر.
الوقائع السابقة في تكوينها تعرض للعدو وخططه وأن هذه الخطط محل التنفيذ وقضية التجسس تؤكد ذلك. وتعرض لغياب التعامل السياسي مع المواطن في مصر، وأن الدور الأمني في تزوير الانتخابات، ومواجهة الاحتجاجات والمسيرات بالعنف المسلح، قد أخذ دور الأمن بعيدا عن واجباته، ورغم تكرار حوادث التفجيرات الشديدة من طابا إلى نويبع إلى سيناء والصعيد والإسكندرية لمرات متعددة، إلا أن وزير الداخلية مازال في مكانه، وكأن كل هذا لا يدلل على خلل في الأداء، ويكفيه فقط أنه يواجه الحركة السياسية داخليا. كما أنها تقول إن بعض رجال الدين قد خرجوا عن صحيح الأداء ولم يراعوا مسؤولياتهم.
هكذا يدفع أبناء الشعب أمام دور العبادة دمهم ثمنا لغياب الدولة في مصر، ولعل هذه الدماء لا تفتح أبواب المعتقلات لحملة مماثلة لحملة سبتمبر 1981 لتكون النهايات بعد 30 عاما كما كانت البدايات وليخرج إلينا جديد غير منظور لنا الآن، قد يقود إلى حقبة جديدة في مصر، يقترب فيها حالها لما يجري في السودان بوابة مصر الخلفية وعمقها الإستراتيجي، ولعلنا عندها نكتشف كذب الوعد الأمريكي بأن حقنا في المياه لن يمسه أحد إذا تحقق انفصال الجنوب، وعد أمريكي بضمانة إسرائيلية!
لعلنا لم نبدأ عصرا جديدا للشهداء بالدم المسال على الأعتاب المقدسة لدور العبادة الذي يمس قداسة المعبود ذاته، كل ما حولنا يكشف ما جره على الوطن فقدان القدرة على الغضب، فماذا لو انحرفت بوصلة الغضب بين أبناء الوطن.
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
60
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
72
| 27 مايو 2026
النور علم!
يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد
54
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1746
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1128
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026