رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم إبراهيم فخرو

مساحة إعلانية

مقالات

216

جاسم إبراهيم فخرو

الخليج والهند.. علاقة أعمق من السياسة

03 سبتمبر 2026 , 02:00ص

العلاقات بين الدول لا تسير دائمًا على خط مستقيم؛ فالحكومات تتغير، وخصوصًا في الجمهوريات والديمقراطيات، ومعها تتبدل الأولويات والمصالح والتحالفات. تتقارب دولتان اليوم، وقد تتباعدان غدًا، ثم تعودان إلى التقارب من جديد. وهذه طبيعة السياسة والعلاقات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن ما نراه اليوم من تنامٍ في العلاقات والتعاون بين الهند وإسرائيل، أو غيرها من الدول، لا ينبغي أن يجعلنا نختزل الهند وعلاقاتنا بها في موقف سياسي آني أو توجه حكومة في مرحلة معينة. فالحكومات تأتي وتذهب، والسياسات تتبدل، أما العلاقات التي صنعتها الجغرافيا والتاريخ والمصالح وروابط الشعوب فهي أعمق وأبقى.

والعلاقة بين الهند والخليج نموذج واضح لذلك. فقبل أن يظهر النفط ويغيّر وجه الخليج، كانت الهند حاضرة بقوة في حياة أهله. ولم تبدأ العلاقة مع آبار النفط أو استقدام العمالة الهندية، بل سبقت ذلك بقرون، حين ربط البحر بين موانئ الخليج والهند، وتحولت طرق الملاحة والتجارة إلى جسور دائمة بين الضفتين.

كانت السفن الخليجية تقصد موانئ الهند وتعود بالأخشاب والأقمشة والتوابل والأرز والمواد الغذائية وغيرها، وفي المقابل كان تجار الخليج يحملون اللؤلؤ والتمور ومنتجات المنطقة. وكانت الهند سوقًا مهمة للؤلؤ الخليجي الذي مثّل قبل النفط أحد أبرز مصادر الرزق، كما كانت في الذاكرة الشعبية أرضًا للتجارة والفرص، حتى شاع القول القديم: «الهند هندك إذا قلّ ما عندك».

ولم تكن العلاقة تجارة فقط؛ فقد سافر تجار الخليج إلى الهند وأقام بعضهم فيها، كما جاء هنود إلى موانئ الخليج وعاشوا وعملوا فيها، فنشأ تواصل اجتماعي وثقافي ترك أثرًا واضحًا في مجتمعاتنا. وتأثر الخليج بجوانب عديدة من الثقافة الهندية؛ من المفردات التي دخلت لهجاتنا إلى الأطعمة والبهارات والأقمشة والملابس، وصولًا إلى بعض العادات والفنون والهندسة.

وفي المقابل، حمل العرب إلى الهند لغتهم وثقافتهم ودينهم، وكان للتجار العرب دور تاريخي في وصول الإسلام إلى أجزاء من شبه القارة الهندية، فتشكل عبر بحر العرب تداخل حضاري وإنساني امتد أجيالًا طويلة.

ثم جاء النفط وتبدلت الأدوار، لكن العلاقة لم تنقطع، بل دخلت مرحلة جديدة. فبعد أن كان أبناء الخليج يقصدون الهند للتجارة والرزق، أصبح الخليج مقصدًا لملايين الهنود، الذين شاركوا في نهضته الحديثة في مجالات متعددة، من البناء والتجارة إلى الطب والهندسة والتعليم والإدارة والتكنولوجيا.

قبل النفط كانت الهند إحدى نوافذ الخليج الكبرى على العالم، وبعد النفط أصبح الخليج إحدى نوافذ الهند الكبرى على العالم. ولا منّة هنا لأحد على أحد؛ فقد استفاد الطرفان من بعضهما، وتبادلا المصالح والخبرات والأرزاق عبر أجيال متعاقبة.

واليوم قد نتفق مع الحكومة الهندية في ملفات ونختلف معها في أخرى، وقد تكون للهند علاقات وتحالفات لا تنسجم مع مواقفنا، كما لدول الخليج سياساتها ومصالحها الخاصة. وهذا طبيعي في عالم تحكمه المصالح والمتغيرات.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ما نسمعه من شكاوى لدى قطاعات من المسلمين في الهند تجاه بعض السياسات والممارسات. لكن على مسلمي الهند أيضًا مسؤولية تجاه أنفسهم ومستقبلهم؛ فهم بالملايين وجزء أصيل من تاريخ الهند ونسيجها، ولا ينبغي أن يقتصر حضورهم على الشكوى وانتظار الآخرين.

إنهم بحاجة إلى مزيد من التماسك والنهوض بالتعليم والاقتصاد والمعرفة وبناء المؤسسات والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، ليقفوا على أرض صلبة ويكون حضورهم متناسبًا مع حجمهم وتاريخهم، في إطار المواطنة والحقوق والواجبات والتعايش مع مختلف مكونات المجتمع الهندي. فالعدد وحده لا يصنع القوة؛ إنما يصنعها العلم والاقتصاد والتنظيم والوعي والإنتاج.

وفي النهاية، علمنا التاريخ أن الأيام دول، وأن الثروة والقوة والتحالفات تتغير، لكن الجغرافيا لا تتغير، والذاكرة لا تمحى بسهولة. الهند والخليج كانا جارين وشريكين قبل النفط، وسيبقيان كذلك بعد النفط.

قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات والمواقف والتوجهات السياسية، وتمر العلاقات بمراحل من التقارب أو الفتور، لكن العلاقة الهندية الخليجية ستبقى ما بقيت الحياة على ضفتي بحر العرب؛ فالسياسة متغيرة، أما الجغرافيا والتاريخ والمصالح وروابط الشعوب فأبقى.

مساحة إعلانية