رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

789

سعدية مفرح

أم على قلوب أقفالها؟!

03 فبراير 2025 , 02:00ص

تساؤل قرآني مهيب، أشبه بضوء خاطف يشق العتمة، يعري العقول من تكلسها، ويهز القلوب من سباتها؛ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟

إنه ليس سؤالًا عابرًا، بل رجفة توقظ الوعي، صرخة مدوية في وجه الغفلة، واستفهام يقتحم الأذهان بحتمية الجواب.

كيف لا يتدبرون؟ وكيف للقلوب أن تُغلق على نفسها كأنها صناديق مهجورة أُحكمت بأقفال لا مفتاح لها؟

والتدبر ليس مجرد قراءة سطحية عابرة، بل غوصٌ عميق في بحر المعاني، تفاعل حيّ مع الكلمات التي تنبض بالحكمة، واستجلاء للرسائل المكنونة خلف كل حرف. هو أن تجعل القرآن يتغلغل في شرايين وعيك، أن تسمع صوته وهو يخاطبك مباشرة، أن تلمس النور المتدفق من آياته فتفتح له منافذ الإدراك، فلا يكون مجرد كتاب يوضع على الرفوف، بل رفيق درب، نبض حياة، مرآة تعكس حقيقتك، ونداء لا ينقطع.

ولكن ماذا لو تحجّرت القلوب وأُقفلت؟ أيُعقل أن يكون القلب، هذا العضو الذي يضخ الحياة، ميتًا رغم نبضه؟ نعم، فالقلوب لا تموت دفعة واحدة، بل تُغلق تدريجيًا، قفلًا بعد قفل، كلما أدار الإنسان ظهره للحق، كلما تعامى عن الحكمة، كلما استسلم لعادات لا تلامس روحه، كلما ارتضى أن يكون متلقيًا سلبيًا، يمر على الكلمات دون أن تهز وجدانه أو تثير تساؤلاته.

كم من قلوب صارت أشبه بصناديق موصدة؟ كم من عقول تمرّ على القرآن كما تمرّ الريح على الصخور، لا تهزها ولا تترك فيها أثرًا؟ نقرأ، لكن لا نتدبر. نحفظ، لكن لا نفهم. نردد، لكن لا نعيش الكلمات كأنها نبضٌ في عروقنا. وربما لهذا السبب، لم تعد الآيات تترك فينا ذات الأثر الذي تركته في قلوب آخرين، لأنها تصطدم بأقفال صنعتها العادة، والغفلة، والانشغال بما هو عابر عن ذاك الذي لا يزول.

والأقفال ليست دائمًا واضحة أو محسوسة، أحيانًا تكون على هيئة قناعات جاهزة لا تقبل المراجعة، أو انشغالٍ مفرط بالدنيا حتى تُصبح الروح صمّاء أمام النداء الإلهي. أحيانًا تكون خوفًا من التغيير، أو هروبًا من مواجهة الحقيقة التي قد تهز أركان ما اعتدناه. وربما كانت قسوةً أوجدتها التجارب، فصار القلب متوجسًا، لا يسمح للنور بأن يخترقه خوفًا من أن يوجعه.

لكن، حتى القلوب الموصدة ليست محكومة بالموت الأبدي. فالمفتاح دائمًا موجود لمن يبحث عنه. لحظة صدق، تأمل حقيقي، رغبة في الفهم، قراءة بعيون جديدة، كلها كفيلة بأن تكسر القفل الأول. وما إن يُكسر قفل، حتى يتبعه الآخر، كأنما القلب يتنفس للمرة الأولى بعد اختناق طويل.

وهكذا هي القلوب، قد تُغلق، لكنها لا تفقد قدرتها على الانفتاح ما دامت الحياة فيها. وأيّ قلب قرر أن يتدبر، أن يصغي، أن يسائل، هو قلب كُتب له أن ينبض من جديد. فالأمر ليس استسلامًا لواقع، بل اختيار: أن تبقى في سجن الأقفال، أو أن تبحث عن المفتاح. والقرآن، لمن أراد، مفتاحٌ أبدي، لكنه لا يُفتح إلا بيد من يريد أن يفتحه حقًا.

أفلا يتدبرون القرآن؟ سؤال لا يُطرح للآخرين فقط، بل لنا جميعًا.

هل نقرأ ونحن حاضرون بقلوبنا، أم نمر على الآيات كأنها مجرد أصوات عابرة؟

هل نسمح لها بأن تسكن أعماقنا، أم أننا نضع بينها وبين أرواحنا جدرانًا؟

هل نُعطيها فرصة أن تخاطبنا، أن تغيّرنا، أن تكسر ما تراكم من أقفال على قلوبنا؟

كل إجابة عن هذا السؤال تحدد مصير القلب: إمّا أن يُغلَق أكثر، أو أن يشرع بابه للنور، فيستحيل نورًا.

مساحة إعلانية