رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس مصادفةً أن تتوحد الشعارات التي رفعها المنتفضون في تونس, وفي مصر, حيث الأحداث ما زالت تتفاعل في تصاعد مستمر، وفي الجزائر حيث أعلنت اللجنة التنسيقية الوطنية للديمقراطية والتغيير عن تنظيم مسيرة في العاصمة يوم 12
فبراير بهدف (تغيير النظام) وقد ذكر المنظمون.شعارات مثل:التغيير، الحرية، الديمقراطية، مكافحة الفساد، الحرية السياسية، العمل، العيش بكرامة, وأخرى غيرها على نفس الشاكلة, ارتفعت في تونس، وترتفع في مصر والجزائر واليمن والسودان، وربما سينتقل هذا (الفيروس) التونسي إلى الكثير من البلدان العربية الأخرى.
ووفقاً للكثيرين من المحللين: فإن الشعوب العربية تجاوزت عقدة الخوف من أنظمتها, وبالتالي فإن التغيير بات حتمياً في الكثير من البلدان العربية.
لقد ردد المتظاهرون ذات الشعارات وهذا يعني: أن المشاكل والتحديات في هذه البلدان هي نفسها, فالظروف الاقتصادية تتشابه فيها, وبالتالي فالمعاناة الجماهيرية واحدة.
إن تقارير الأمم المتحدة على صعيد التنمية في العالم العربي: تضع البلدان العربية في أسفل السلم , حيث تنتشر البطالة والفقر والفساد، وإثراء الأقلية على حساب الأغلبية، وتجرى مصادرة حقوق الإنسان، وأن نسبة كبيرة من الجوع يعانيها الملايين في الوطن العربي, بالرغم من الثروات الكبيرة والكثيرة فيه، لكن ولانعدام التكامل بين بلدانه, تعيش الدولة القطرية العربية بمعزل عن التخطيط المشترك مع الدول العربية الأخرى, وعلى سبيل المثال: في الاقتصاد, وغيره أيضاً من المجالات، الأمر الذي يفاقم من هذه المشاكل على صعيد الدولة الواحدة.
كذلك هي الديمقراطية وحرية التعبير، فالأنظمة الجمهورية في معظمها تحولت إلى ملكية, حيث يجرى التمديد للرئيس مرّات عديدة، وفي النهاية تخرج الاقتراحات بأن يظل رئيساً مدى الحياة، ومن بعده قد يرث الحكم ابنه.. وهكذا في سلسلة لا تنتهي من الدوران في دائرة الجمود، وتفاقم المشكلات بالنسبة للمواطن في هذه الدول.
إن الكثير من الحكومات العربية ما زالت تخطط وتحكم بأساليب القرون الوسطى، فتصم آذانها عن المطالب الشعبية, وتضرب عرض الحائط بالتقارير الدولية عن أحوال المواطنين فيها، متهمة إيّاها باستهداف البلد (وكأن للجهة الدولية ثأراً عند هذه الحكومات), وقبل ذلك تتهم المواطنين الذين يرفعون مطالب عادلة في تظاهراتهم السلمية (التي يجرى قمعها في معظم الأحيان) بمحاولة الشغب, وتعكير صفو الأمن، وتعتقل كثيرين منهم وتزج بهم في المتعقلات بعد (حفلات) من التعذيب اللإنساني. الكثير من الحكومات العربية ترسل أزلامها للقيام بالتخريب مثل: ممارسة السلب والنهب وإحراق المؤسسات والسيارات والأماكن العامة وغيرها، في التظاهرات الجماهيرية السلمية (مثلما جرى اكتشافه في الأحداث في مصر), وذلك في محاولة مقصودة لتشويه المظاهرات السلمية للجماهير، الأمر الذي يُبقى الحال على حاله، بتفاقم المشكلات الاقتصادية والحياتية والحقوقية للمواطنين.
على هذه الحكومات العربية, وبدلاً من استعمال أساليب القمع، والتنكيل بالحركات الاحتجاجية الجماهيرية، أن تحاور هذه الحركات: تتفهم مطالبها, ومعاناتها الكبيرة، وأن تحارب مظاهر الفساد في البلد بكافة الوسائل , على طريق القضاء على السلبيات, ووضع الخطط الطموحة في كافة المجالات: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية الحياتية، للارتقاء بأوضاع المواطنين. وقبل كل شيء مراعاة وانتهاج احترام حرية التعبير للفرد، وتسييد مبدأ الانتخابات الحرة والنزيهة ذات الشفافية العالية للمؤسسات التشريعية، وبخاصة أن الوطن العربي نشأ ولا يزال في الحاضنة الإسلامية، فالخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هو من أطلق الجملة المشهورة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟)، وهو الذي قابل بصدر رحب البدوي الذي خاطبه قائلاً (والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا) لم يقطع رأسه، ولم يأمر بسجنه بل حمد الله أن في الأمة وبين المسلمين من يقوّم اعوجاج عمر، وهو الذي اعترف بخطئه أمام امرأة أصابت.كل ذلك لم يُنقص قَدْره, بل زاده شموخاً وعزّة وكرامة, وتخليداً في التاريخ.
في أيامنا هذه لا يجرؤ المواطن على مناقشة مسؤول صغير ليبين له خطأه.... فكيف بتخطئة مسؤول كبير؟ لا يدرك عديدون من المسؤولين العرب: أن كثرة الضغط تولد الانفجار الحتمي، وأن القمع في نهاية الأمر سيوّلد عند المواطن.. تجاوز عقدة الخوف، وأن الفقر في نهاية المطاف يخلق شعوراً لدى الكثيرين من الناس: تتساوى فيه الحياة مع الموت.. ألم يقل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو كان الفقر رجلاً لقتلته!.
كثيرة هي هموم المواطن العربي، ففي القرن الواحد والعشرين لا تزال نسبة الأمية في الكثير من البلدان العربية عالية، وسط استغلال بشع في ظروف العمل وبخاصة بالنسبة للأطفال ممن هم دون السن القانونية، ووسط ظروف قاسية تعيش وسطها المرأة، وشرائح كثيرة من المجتمع، ولا تعمل الحكومات شيئاً ملموساً من أجل تجاوز هذه المشكلات ذات البعد الإنساني والاجتماعي الكبير.
مما لا شك فيه إننا في هذا القرن الزمني نعيش تقدماً كبيراً في الاتصالات والمعلومات واستخدام الكمبيوتر، وثورة تكنولوجية هائلة في هذه الأشكال من التقدم الحضاري, لا بد وأن تترك تداعيات معرفية كبيرة في وعي الفرد (والفرد العربي هو جزء من هذا العالم) وفي إحساسه بمعاناته, وفي وعيه لحقوقه الإنسانية, والقانونية, على الدولة، بالتالي يعقد هذا المواطن المقارنة بين الفرد الذي يعيش في الدنمارك أو السويد (وهذا على سبيل المثال وليس الحصر) وبين الظروف التي يعيشها, هو والكثيرون من أمثاله، فيحس بالفارق الهائل بينه وبين الآخرين.
لكن ما سبق, فإن شعار التغيير بات مطلباً في العديد من البلدان العربية، وأن الشعارات المرفوعة من قبل الجماهير في هذه البلدان:تتوحد, فالمقهورون يعيشون ذات المعاناة, وإن اختلفت في تفاصيلها بهذه الدرجة أو تلك!.
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
48
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
60
| 16 مايو 2026
السودان الذي سقط من الذاكرة
عام 2026 يوشك أن ينتصف وأزمة السودان التي تفجرت منذ 15 إبريل 2023 وحتى الآن تتفاقم ولم تجد... اقرأ المزيد
45
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4722
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4662
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1545
| 13 مايو 2026