رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الناس يتساءلون وربما بمحض البراءة: لماذا يترك حسني مبارك مصر تحترق وأنفاسها تكاد تختنق والحل والبلسم بيده أو في كلمة تحت ضرسه؟ وهل لا يزال يراهن على الأمن المركزي الذين فروا من أمام أحرار الشعب المصري كالفئران المذعورة؟ ألا يرى كيف انفضّت عنه الفئة الذين كانوا ينصرونه فآثروا الهرب بالمليارات والملايين التي سرقوها وتركوه وحده في الحيص بيص؟ ألا يرى كيف قلبوا له ظهر المجن ليتحولوا بين عشية وضحاها من لصوص القطاع العام والخصخصة إلى دعاة تغييريين وإلى وعاظ ثوريين، وكيف يحاول كل منهم أن ينجو بنفسه؟ ألا يرى كيف تخلت عنه أمريكا، وكيف عجزت عن نصرته " إسرائيل "؟ وإذا صحت التسريبات التي تقول إنه يملك 37.5 مليار دولار سوى مليارات عائلته فماذا يريد أكثر من ذلك؟ وبمنطق القياس والاعتبار يعودون إلى الوراء قليلا فيقولون: لماذا لم يعتبر مما جرى لابن علي، ولماذا لم يتخذ خطوة التنازلات التي قدمها قبل فوات الأوان؟ والآن لماذا لا يترك الشعب المصري العظيم ليلملم جراحه بعد قتل المئات وجرح الآلاف واستغضاب الملايين؟ وماذا يفيده أن يبقى بضعة أشهر بعد ثلاثين سنة من الحكم والترؤس؟ ولماذا يضع نفسه تحت احتمال أن يهاجم مئات الآلاف قصره فتقع المجزرة التي لن تنتهي – إن وقعت – إلا بموت المئات وربما الآلاف وإن نالوه بعدها فهل يتصور ما سيكون حاله؟ أم لعله لا يدري ما يدور حوله؟
واتباعا لذلك يتساءل الناس: ثمة آخرون يعرفون أنفسهم ويعلم القاصي والداني أنهم على قائمة المطلوبين لشعوبهم ؛ لماذا لا يستفيد هؤلاء مما يجرى في مصر ومما جرى في تونس؟ ولماذا لا يتنبهون إلى طرف حبل النجاة الذي لا يزال في أيديهم أو قرب أيديهم؟ ولماذا لا يزالون يستبدون ويقهرون الشعوب؟ ولماذا يظنون أن الترقيعات التي يحاولونها سترضي أو تستغفل شعوبهم في حين يصمون آذانهم عن دعوات التغيير والإصلاح الجذرية التي يقدمها اليوم بالمجان المخلصون والأمناء؟ ألا يرى هؤلاء الذين تخلوا عن أمتهم وعن قضاياها ودخلوا على شعوبهم من الباب " الإسرائيلي " والأمريكي.. ألا يرون كيف أن كلمة أمريكا وحلفائها تخلفت؟ ألا يرون كيف لم تملك لحلفائها حتى بيت إيواء يلجأون إليه؟ ألا يرون كيف قامت أمريكا والغرب المنافق في لحظة الحقيقة بالتزلف على حسابهم للشعوب؟ أسئلة كثيرة تثور في الذهن وأجد أن إجابتها في ثلاث نقاط عاجلة ؛
أولا: قصة فرعون الأول ؛ الذي انتصر موسى عليه السلام عليه وعلى سحرته والذي بعد أن رأى المعجزات وشاهد السحرة ينحازون عنه.. لم يفهم " المسكين ؛ بل الغبي " أن دولة الأيام دارت عليه، ولم يتنبه لتغير خطاب السحرة وتغير اهتماماتهم وتغير نبرتهم من قول (أئن لنا لأجرا) إلى قول (فاقض ما أنت قاض).. راح " الغبي " يلاحق موسى عليه السلام والمؤمنين معه، ولعله كان يُمنّي نفسه أن يقضي على هؤلاء المعارضين ثم يعود في المساء إلى قصره وسلطانه يعاقر الخمر ويفترش الزنا.. ولو أنه ترك موسى ومن معه لحالهم وهجرتهم في سبيل ما آمنوا به لربما كان نجا ولربما نسيهم ونسيهم معه الناس.. خلافا لكل هذا ذهب بعيدا في معاندة الحق ومصادمة سنن الله تعالى فيحاول اللحاق بموسى.. ومرة أخرى يرى البحر ينفلق أمامه بعصا موسى حتى يصير (كل فرق كالطود العظيم) ولكنه مع ذلك لا يرتدع ولا يرتجع، بل يصر ثم يصر.. أليس ذلك ليخزيه الله ويمرغ أنفه بطين قعر البحر وليجعله لمن خلفه آية.. وعندما قال قولته التي كان يجب أن يقولها قبل ذلك بكثير: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) ألم يقل له الله تعالى (الآن وقد عصيت قبل) فهل أغنى عنه إيمانه أو قوله هنا شيئا.. هي إذن حكمة الله تعالى الذي يملي للظالم ويمهد له ويغريه بالمجازفة ويؤمله بالنصر " حتى إذا أخذه لم يفلته ".
ثانيا: كل واحد من هؤلاء الذين لا يتلمسون طرف النجاة ولا يعتبرون بما يقع لغيرهم يظن أن حاله مختلف وأن الخطر هو فقط على غيره ويعول على قوة يرى أنه يختص بها، أو يعول على ضعف يتوهمه في غيره، أو ويظن أنه يستطيع استعمال كذا وكذا من التكتيكات والمناورات عند اللزوم.. هؤلاء يجب أن يتذكروا أن نظامي حسني وابن علي لم ينقصهما الدهاء ولا قوة البطش ولا تبني أمريكا و"إسرائيل " لهما، ولم يكن ينقصهما المشايخ والنخب الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ولم يكن ينقصهما المعادلات السياسية التي يمكن اللعب بها.. على العكس من كثير من الأنظمة التي على قائمة الانفجار فقد كانا النظامين الأكثر استقرارا في المنطقة.. أليس في ذلك ما فيه من العبرة إن كان ثمة من يعتبر؟
ثالثا: يبدو أن طول فترة التسلط والظلم، واستمرار التغلب على الشعوب، وتكرار الأخطاء والخطايا مع السلامة من العقابيل والجرائر، وما ينتجه ذلك من موت الوازع الداخلي وفقدان الرادع الخارجي.. كل ذلك مضافا إلى وجود نخبة وبطانة سوء من الأشرار والمحيطين.. كل هذه التوليفة الفكرية والسلوكية والتنظيمية والانحرافية المستمرة ولعشرات السنين تجعلهم يحتقرون شعوبهم ولا يتصورون أنفسهم إلا زعماء عليها وقادة لها، وتجعلهم يفترضون أنهم إن أمروا فعلى الناس أن تأتمر وإن نهوا فعلى الناس أن تنتهي.. فتكبر شخوصهم على كل الجغرافيا بمرتفعاتها ومنخفضاتها، وعلى كل التاريخ بطوله وعرضه، وعلى كل الوطن بموالاته ومعارضته، وعلى كل الذوات والشعوب والإرادات.. فتصير المغامرة والتهور قوة ومدحة و " كاريزما " متوهمين أن الجرة ستسلم في كل مرة..
آخر القول: الشعوب إذا تحركت فإن في وجدانها الكثير من القناعات وفي مخزونها الكثير من المطاليب، وإن التعويل على البطش والتخويف لم يعد يجدي وبالأخص مع أجيال الإنترنيت والفيسبوك والتويتر والثورة الإلكترونية.. وما يرضي الشعوب قبل ثورتها ربما لا يرضيها مائة ضعفه بعدها..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
661
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
961
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10296
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2169
| 08 سبتمبر 2026