رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الناس يتساءلون وربما بمحض البراءة: لماذا يترك حسني مبارك مصر تحترق وأنفاسها تكاد تختنق والحل والبلسم بيده أو في كلمة تحت ضرسه؟ وهل لا يزال يراهن على الأمن المركزي الذين فروا من أمام أحرار الشعب المصري كالفئران المذعورة؟ ألا يرى كيف انفضّت عنه الفئة الذين كانوا ينصرونه فآثروا الهرب بالمليارات والملايين التي سرقوها وتركوه وحده في الحيص بيص؟ ألا يرى كيف قلبوا له ظهر المجن ليتحولوا بين عشية وضحاها من لصوص القطاع العام والخصخصة إلى دعاة تغييريين وإلى وعاظ ثوريين، وكيف يحاول كل منهم أن ينجو بنفسه؟ ألا يرى كيف تخلت عنه أمريكا، وكيف عجزت عن نصرته " إسرائيل "؟ وإذا صحت التسريبات التي تقول إنه يملك 37.5 مليار دولار سوى مليارات عائلته فماذا يريد أكثر من ذلك؟ وبمنطق القياس والاعتبار يعودون إلى الوراء قليلا فيقولون: لماذا لم يعتبر مما جرى لابن علي، ولماذا لم يتخذ خطوة التنازلات التي قدمها قبل فوات الأوان؟ والآن لماذا لا يترك الشعب المصري العظيم ليلملم جراحه بعد قتل المئات وجرح الآلاف واستغضاب الملايين؟ وماذا يفيده أن يبقى بضعة أشهر بعد ثلاثين سنة من الحكم والترؤس؟ ولماذا يضع نفسه تحت احتمال أن يهاجم مئات الآلاف قصره فتقع المجزرة التي لن تنتهي – إن وقعت – إلا بموت المئات وربما الآلاف وإن نالوه بعدها فهل يتصور ما سيكون حاله؟ أم لعله لا يدري ما يدور حوله؟
واتباعا لذلك يتساءل الناس: ثمة آخرون يعرفون أنفسهم ويعلم القاصي والداني أنهم على قائمة المطلوبين لشعوبهم ؛ لماذا لا يستفيد هؤلاء مما يجرى في مصر ومما جرى في تونس؟ ولماذا لا يتنبهون إلى طرف حبل النجاة الذي لا يزال في أيديهم أو قرب أيديهم؟ ولماذا لا يزالون يستبدون ويقهرون الشعوب؟ ولماذا يظنون أن الترقيعات التي يحاولونها سترضي أو تستغفل شعوبهم في حين يصمون آذانهم عن دعوات التغيير والإصلاح الجذرية التي يقدمها اليوم بالمجان المخلصون والأمناء؟ ألا يرى هؤلاء الذين تخلوا عن أمتهم وعن قضاياها ودخلوا على شعوبهم من الباب " الإسرائيلي " والأمريكي.. ألا يرون كيف أن كلمة أمريكا وحلفائها تخلفت؟ ألا يرون كيف لم تملك لحلفائها حتى بيت إيواء يلجأون إليه؟ ألا يرون كيف قامت أمريكا والغرب المنافق في لحظة الحقيقة بالتزلف على حسابهم للشعوب؟ أسئلة كثيرة تثور في الذهن وأجد أن إجابتها في ثلاث نقاط عاجلة ؛
أولا: قصة فرعون الأول ؛ الذي انتصر موسى عليه السلام عليه وعلى سحرته والذي بعد أن رأى المعجزات وشاهد السحرة ينحازون عنه.. لم يفهم " المسكين ؛ بل الغبي " أن دولة الأيام دارت عليه، ولم يتنبه لتغير خطاب السحرة وتغير اهتماماتهم وتغير نبرتهم من قول (أئن لنا لأجرا) إلى قول (فاقض ما أنت قاض).. راح " الغبي " يلاحق موسى عليه السلام والمؤمنين معه، ولعله كان يُمنّي نفسه أن يقضي على هؤلاء المعارضين ثم يعود في المساء إلى قصره وسلطانه يعاقر الخمر ويفترش الزنا.. ولو أنه ترك موسى ومن معه لحالهم وهجرتهم في سبيل ما آمنوا به لربما كان نجا ولربما نسيهم ونسيهم معه الناس.. خلافا لكل هذا ذهب بعيدا في معاندة الحق ومصادمة سنن الله تعالى فيحاول اللحاق بموسى.. ومرة أخرى يرى البحر ينفلق أمامه بعصا موسى حتى يصير (كل فرق كالطود العظيم) ولكنه مع ذلك لا يرتدع ولا يرتجع، بل يصر ثم يصر.. أليس ذلك ليخزيه الله ويمرغ أنفه بطين قعر البحر وليجعله لمن خلفه آية.. وعندما قال قولته التي كان يجب أن يقولها قبل ذلك بكثير: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) ألم يقل له الله تعالى (الآن وقد عصيت قبل) فهل أغنى عنه إيمانه أو قوله هنا شيئا.. هي إذن حكمة الله تعالى الذي يملي للظالم ويمهد له ويغريه بالمجازفة ويؤمله بالنصر " حتى إذا أخذه لم يفلته ".
ثانيا: كل واحد من هؤلاء الذين لا يتلمسون طرف النجاة ولا يعتبرون بما يقع لغيرهم يظن أن حاله مختلف وأن الخطر هو فقط على غيره ويعول على قوة يرى أنه يختص بها، أو يعول على ضعف يتوهمه في غيره، أو ويظن أنه يستطيع استعمال كذا وكذا من التكتيكات والمناورات عند اللزوم.. هؤلاء يجب أن يتذكروا أن نظامي حسني وابن علي لم ينقصهما الدهاء ولا قوة البطش ولا تبني أمريكا و"إسرائيل " لهما، ولم يكن ينقصهما المشايخ والنخب الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ولم يكن ينقصهما المعادلات السياسية التي يمكن اللعب بها.. على العكس من كثير من الأنظمة التي على قائمة الانفجار فقد كانا النظامين الأكثر استقرارا في المنطقة.. أليس في ذلك ما فيه من العبرة إن كان ثمة من يعتبر؟
ثالثا: يبدو أن طول فترة التسلط والظلم، واستمرار التغلب على الشعوب، وتكرار الأخطاء والخطايا مع السلامة من العقابيل والجرائر، وما ينتجه ذلك من موت الوازع الداخلي وفقدان الرادع الخارجي.. كل ذلك مضافا إلى وجود نخبة وبطانة سوء من الأشرار والمحيطين.. كل هذه التوليفة الفكرية والسلوكية والتنظيمية والانحرافية المستمرة ولعشرات السنين تجعلهم يحتقرون شعوبهم ولا يتصورون أنفسهم إلا زعماء عليها وقادة لها، وتجعلهم يفترضون أنهم إن أمروا فعلى الناس أن تأتمر وإن نهوا فعلى الناس أن تنتهي.. فتكبر شخوصهم على كل الجغرافيا بمرتفعاتها ومنخفضاتها، وعلى كل التاريخ بطوله وعرضه، وعلى كل الوطن بموالاته ومعارضته، وعلى كل الذوات والشعوب والإرادات.. فتصير المغامرة والتهور قوة ومدحة و " كاريزما " متوهمين أن الجرة ستسلم في كل مرة..
آخر القول: الشعوب إذا تحركت فإن في وجدانها الكثير من القناعات وفي مخزونها الكثير من المطاليب، وإن التعويل على البطش والتخويف لم يعد يجدي وبالأخص مع أجيال الإنترنيت والفيسبوك والتويتر والثورة الإلكترونية.. وما يرضي الشعوب قبل ثورتها ربما لا يرضيها مائة ضعفه بعدها..
الجمال.. أم الصحة؟
حين أصبح البحث عن معايير الجمال الشكلي مطلبا مجتمعيًا عند الكثير، وجد التجار والمروجون ضالتهم في الربح السريع،... اقرأ المزيد
90
| 16 مايو 2026
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
114
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
201
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4938
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4914
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1611
| 13 مايو 2026