رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد تم إضافة أزمة جديدة إلى قائمة الأزمات التي عانت منها تركيا في السنوات الأخيرة، حيث تشهد البلاد في هذه الآونة أزمة خطيرة في علاقاتها مع روسيا، بعد حادثة إسقاط الطائرة الحربية الروسية التي اخترقت الأجواء التركية. لم تقدم أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال السنوات الـ60 الماضية، على إسقاط أي مقاتلة روسية، لذا فإن إسقاط تركيا طائرة حربية روسية تستحوذ على أهمية خاصة، وبطبيعة الحال، فإن العلاقات متوترة بين الطرفين.
هل التدخل التركي كان على حق؟
لقد تصاعدت أزمة إسقاط الطائرة الحربية الروسية، سيما وأن روسيا التي بدأت تسترجع زخمها، وزعيمها (فلاديمير بوتين) الذي يدعي أن بلاده باتت إحدى الدول العظمى في العالم، رفض الاستجابة لكل الجهود الرامية إلى خفض حدة التوتر مع تركيا. صادق الرئيس الروسي خلال الأسبوع الماضي على حزمة من العقوبات الاقتصادية الأحادية ضد تركيا، وفرض تأشيرات دخول على المواطنين الأتراك الراغبين بزيارة روسيا، حيث سيؤثر ذلك القرار في المقام الأول، على شريحة الطلاب ورجال الأعمال والسياح.
اتسمت السياسات والحجج التركية حيال الأزمة بالاتزان والاتساق، إلا أن روسيا لا تريد رؤية أو سماح الحجج والمبررات التركية، خاصة أنها تعلم بأنها انتهاك المجال الجوي التركي عدة مرات في وقت سابق، وأن تركيا وجهت لها عدة تحذيرات في هذا السياق، إضافة إلى أن روسيا وعدت بالتعاون من أجل عدم انتهاك طائراتها الحربية للمجال الجوي التركي، إلا أن ذلك لم يحدث في الواقع. وفي النهاية عاودت طائرتان روسيتان انتهاك المجال الجوي التركي مرة أخرى، ومن أجل ماذا؟. من أجل قصف شمالي اللاذقية (السورية)، تلك الأماكن الخالية تمامًا من أي وجود لعناصر تنظيم داعش، والتي يسكنها التركمان الذين هم أبناء جلدة الأتراك وأشقائهم في النسب.. لقد دأبت روسيا على قصف المناطق التركمانية ولاسيَّما سكانها المدنيين عند الحدود التركية.
حذر الجيش التركي الطائرتين الروسيتين اللتين اخترقتا المجال الجوي، 10 مرات خلال 5 دقائق، من أجل العودة عن مواصلة انتهاك الأجواء التركية. لم يصغ الطياران الروس لتلك التحذيرات، فقام سلاح الجو التركي بإسقاط إحدى الطائرتين الحربيتين.
أردوغان: أشعر بالحزن لكني لن أعتذر
قال كل من رئيس الجمهورية التركية "رجب طيب أردوغان"، ورئيس الوزراء "أحمد داود أوغلو"، في معرض تصريحاتهما التي تناولت حادثة إسقاط الطائرة الحربية الروسية، إن ذلك الإجراء ليس تصرفًا عدائيًا يستهدف روسيا، إنما تدخل ضروري يهدف لحماية حدود البلاد.
ومع ذلك، فإن الرئيس الروسي اعتبر ما جرى بأنه تصرف معادٍ لشخصه وبلاده، ولم يقبل التصريحات الرسمية التركية وطلبات الحوار، وزاد من حدة تصريحاته التي من شأنها تصعيد التوتر بدلًا من خفضه، وقال إنه يتوقع من الجانب التركي تقديم اعتذار ودفع تعويضات. أما أردوغان فأكد أنه يشعر بالحزن بسبب وقوع الحادث، لكنه لم يعتذر، وقال "إذا انتهكت أي طائرة حربية مجالنا الجوي مرة أخرى فسنقوم بضربها".
قد تكون روسيا غاضبة لإسقاط طائرتها من قبل سلاح الجو التركي، لكنها قد تكون أيضًا خلطت بين تركيا وأوكرانيا، هي تظن بأنها قادرة على انتهاك مجال تركيا الجوي كيفما تشاء دون أن يصدر أي صوت يؤرق صفوها، لكن كان عليها أن لا تتوقع ذلك من تركيا. بطبيعة الحال، تركيا لا تريد قيام أي حرب، ولا تريد كسب الأعداء بأي حال من الأحوال، إلا أنها في الوقت نفسه، دولة قوية بما فيه الكفاية للحفاظ على سيادتها الوطنية، وحريصة أشد الحرص على تحقيق ذلك، وقادرة إذا لزم الأمر على إعطاء الجواب المناسب لكل من تسوغ له نفسه خرق سيادتها.
شددت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية على حق تركيا في الدفاع عن النفس. وبطبيعة الحال، علينا أن لا ننسى أنهم مضطرون لتقديم هذا الدعم، كون أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
الحملة العربية لدعم تركيا وقفت نسبة كبيرة جدًا من أبناء الشعب التركي إلى جانب الحكومة التركية، وقدمت لها دعمًا قويًا. وإلى جانب ذلك، فإن الدعم الذي قدمه إخواننا في البلدان العربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتركيا، أثار في نفسنا أطيب المشاعر. حيث بدأ إخواننا العرب بحملة لدعم المنتجات التركية، ردًا على حزمة العقوبات الاقتصادية وحظر روسيا لاستيراد البضائع التركية، وقد قوبلت تلك الحملة في تركيا باهتمام وتقدير كبيرين. قد لا تكون لهذه الحملة معنى من الناحية المالية، ومع ذلك، فإن هذا الدعم الكبير المقدم لتركيا التي تشهد علاقاتها مع بلد مثل روسيا أزمة حقيقية، يحمل بين جنباته قيمة معنوية كبيرة جدًا بالنسبة لنا.
أعتقد أن هذا التضامن العظيم بين الشعوب، سيتطور ويرتقي يومًا ما، إلى مستويات أعلى على الصعيد الحكومي والمؤسساتي بين الدول، علينا أن نفهم بعد كل هذه التجارب المريرة التي مررنا بها، مدى أهمية تكاتفنا وتعاضدنا مع بعضنا بعضًا، من أجل استمرار بقائنا في هذه المنطقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2130
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
948
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
720
| 04 فبراير 2026