رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المشرع أو من يمثل سلطة التشريع في أي مجتمع يعمل على توفير مظلة اجتماعية تحمي مواطنيها وتمد يد الدعم والعون لهم في بعض الجوانب التي تنشأ فيها مسؤوليات وترى السلطة التشريعية ضرورة تدخل الدولة في دعم مواطنيها في تحمل تلك المسؤوليات دعمًا لتماسك المجتمع وتفاديًا لأي سلبيات قد تنجم من عدم القدرة على الوفاء بتلك المسؤوليات، ومن تلك الجوانب الهامة: المسؤوليات القانونية الناشئة أو التي تنجم عن حوادث السيارات والذي كان تدخل المشرع في تنظيم أطرها القانونية هو حماية الغير المتضرر وحماية المجتمع وتماسكه وكذلك نرى أن جهات التشريع بالدولة التزمت بتوفير الخدمة الطبية والصحية لمواطنيها وكأي من المجتمعات المتقدمة التي تجعل تلك الخدمة إجبارية لمواطنيها نرى أن دولتنا الحبيبة لا تألوا جهدًا في سبيل رفاهية مواطنيها ودعمهم في شتى مجالات الخدمة الطبية والصحية، ومن هنا كانت تجربة الدولة في تأسيس شركة صحة للتأمين لتقديم الخدمات الطبية لمواطنيها في المرحلة الأولى وكان المخطط أن تبسط تلك الشبكة المفترضة حدودها لتغطي المقيمين العاملين إلا أن التجربة شابها الكثير من السلبيات والتي أدت إلى توقفها وإعداد دراسات جديدة للوصول للحل الأفضل لتقديم تلك الخدمة وهذا التوقف يفرض علينا أولا أن نتعرض لتجربة شركة التأمين الوطنية ونستعرض أسباب تعثر التطبيق وما هي البدائل المتاحة:
(أسباب الفشل)
في خلال مراحل تأسيس الشركة الوطنية (صحة) طالبنا والكثير من الزملاء العاملين في صناعة التأمين الوطنية من المسؤولين في وزارة الصحة والمجلس الأعلى للصحة في ذلك التوقيت الاستفادة من الخبرات التراكمية التي تكونت لدى شركات التأمين الوطنية والتي هي شركات مساهمة غالبية مساهميها مواطنين قطريين ويساهمون في دعم عجلة الاقتصاد القومي للدولة ومارست التـأمين الصحي عقودا طويلة كأحد أفرع التأمينات العامة لديها وتكونت لديها محافظ تأمينية كبيرة وشبكة عملاء بأعداد متنامية وتكونت لديها الخبرة القوية في كيفية التعامل مع هذا الحقل الهام من حقول التأمين الطبي بما في ذلك كوادر فنية متمرسة واتفاقيات إعادة تأمين قوية واتفاقيات طويلة المدى مع شركات إدارة الخدمات الطبية (TPA) إضافة إلى العلاقات القوية مع جميع مقدمي الخدمة الطبية بالدولة سواء مستشفيات أو مراكز طبية ولكن للأسف لم يتم الأخذ بذلك وكان توقف التجربة وإغلاق شركة صحة بمالها وما عليها نتاج طبيعي لما يلي:
- الاستعانة بشركات أجنبية تفتقر للخبرة والدراسة بالمجتمع القطري وعاداته وتقاليده والقيم السائدة فيه ولذلك كان تطوير المشروع يتم خلال التطبيق الفعلي كرد فعل على السلبيات والمعوقات التي تظهر عند التطبيق مما أثر في المشروع ونتج عنه الكثير من المشاكل والخلافات بين أطراف العملية سواء وزارة الصحة والمجلس الأعلى للصحة والعاملين في تسعير الوحدة العلاجية مع مقدمي الخدمة والمتابعين لها.
- افتقار النظام لأدوات رقابية وإدارية تتابع استخدام المستفيد ومقدمي ومزودي الخدمة والتحكم في إهدار المال العام من أي من تلك الأطراف.
- التباين في تسعير الخدمة الطبية المقدمة وتوحيدها على جميع المستشفيات والمراكز الطبية بصرف النظر عن إمكانات ومستوى الخدمة الطبية والمهنية المقدمة في كل من تلك المستشفيات والمراكز والتي تختلف في إمكاناتها وتجهيزاتها بالطبع من مكان لآخر مع عدم وضوح المعايير والأسس التي اتبعت في تحديد مقابل تلك الخدمة.
- عدم إجراء دراسات وإحصاءات وخطط بديلة لمواجهة أي معوقات تعترض التطبيق ولكن الاعتماد كما أسلفنا على مواجهة كل حالة على حده لحظة ظهور المشكلة مما أدى إلى الكثير من المعوقات في تطوير منظومة الخدمة.
- لم تمارس شركة صحة دورها كشركة تأمين تعتمد على شبكة قوية من اتفاقيات إعادة التأمين تشارك معها في تحمل الخطر ولكنها اعتمدت كليا على الدولة كوزارة الصحة والمجلس الأعلى للصحة في سداد التعويضات أو متطلبات تقديم الخدمة مما ساعد على الهدر الشديد في الميزانية المحددة للمشروع وأدت إلى الخسائر المتلاحقة والشديدة التي أدت إلى غلق الشركة.
(حلول تطبيقية)
وهنا كأحد العاملين في صناعة التأمين الوطنية بوطننا الحبيب وحتى لا نتهم بأننا كشركات وطنية تقوم بالنقد فقط ولا نتقدم بحلول تطبيقية فإننا نهيب بالمسؤولين بالدولة الذين يعكفون الآن على إعادة دراسة كيفية تقديم الخدمة الطبية المثالية لمواطنيها أن تستأنس برأي وخبرة شركات التأمين الوطنية في دعم دراساتها ونحن لا ندعوها إلا بالاستفادة من الخبرات التراكمية لشركات التأمين الوطنية في اتخاذ قرارها كما فعلت الأسواق المجاورة لتفادي ما حدث من سلبيات في التطبيق مع تجربة صحة والمساعدة في الخروج بفكر تطبيقي عملي وعلمي ينجح في تجاوز كل ما حدث من سلبيات رغم أننا نرى أن المسؤولين عن الدراسة مازالوا يتجاهلون دعوة شركات التأمين الوطنية للاستئناس برأيهم وخبرتهم في إعداد الدراسة أو مستندات ومتطلبات المناقصة المتوقع طرحها وسارعوا بالدعوة للاجتماع مع مقدمي الخدمة الطبية من مستشفيات ومراكز طبية كما أعلنت الكثير من الصحف المحلية دونما مشاركة ممثلي شركات التأمين الوطنية أو إخطارهم بخطة العمل وعما إذا كانت النية هي إشراك شركات التأمين الوطنية في المشروع وبالتالي مشاركتهم في الخطوات الضرورية من بدايتها لتمنحهم الفرصة والوقت لإعداد كوادرهم واتفاقياتهم لإعادة التأمين ضمانا لنجاح التطبيق أم أن النية كما كانت سابقا تجاهل مشاركتهم أو فرض الأمر الواقع عليهم مما بالتالي يوقع الضرر بعجلة الاقتصاد القومي لكون تلك الشركات الوطنية المساهمة المملوكة لقطريين تعد أحد تروس عجلة الاقتصاد الوطني ودعمها يدعم مسيرة الاقتصاد القومي.
(الاستفادة من الأخطاء)
ومع ذلك وفي انتظار دعوة شركات التأمين الوطنية في المساهمة بخبراتها وإمكاناتها في إعداد كل ما تحتاجه دراسة المشروع من بدايته نرجو من العاملين في تلك الدراسة الآن الاهتمام بما يلي:
1 - ضرورة دعم مستشفى حمد ومراكزها الطبية بأن تكون إحدى أذرع شبكة مقدمي الخدمة على أساس روح السوق التنافسية في طبيعة الخدمة ونوعيتها والتي تتميز بها مستشفى حمد عن الجميع بخبرتها الطويلة التراكمية والأطقم الطبية ذات الخبرة المهنية العالية والمشهود بها على مستوى المراكز الطبية العالمية.
2 - أن تبادر الدولة إلى تشجيع الاستثمار في مجال مقدمي الخدمة للحيلولة دون الزيادة التي يشهدها هذا المجال مما أدى إلى أن تكون قطر أعلى من مثيلاتها في قيمة الخدمة المقدمة مما ينعكس سلبًا على السوق ولكن بدعم الدولة للمستثمرين الراغبين في المشاركة في حقل مقدمي الخدمة بمنح أراض تُخصص لإنشاء مستشفيات أو مراكز طبية تؤدي إلى زيادة مضطردة في عدد وحجم مقدمي الخدمة مما سيؤدي بالتالي إلى خفض المعدلات المرتفعة التي يفرضها مقدمو الخدمة حاليًا مما سيكون في صالح جموع المنتفعين من خدمات التأمين الطبي.
3 - دعم الدولة لصناعة الدواء بالسوق المحلي وذلك للتغلب على مشاكل الاستيراد دومًا وما يستتبعه من ارتفاع في التكلفة بزيادة هامش الربح الذي يفرضه المستوردون مما سينمي الصناعة والخدمة وبالطبع متلقي الخدمة في نهاية الأمر.
4 - وضع معايير طبية ثابتة تسمى مثلا معايير قطر الطبية تلتزم بها جميع أطراف العملية الطبية سواءً من شركات تأمين أو مقدمي الخدمة أو شركات إدارة الخدمة وبالطبع سيكون ذلك في مصلحة ارتقاء العمل والخدمة الطبية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
5 - مراعاة أن جميع أسعار الخدمة أو الأدوية المصاحبة لتلك الخدمة الطبية تتأثر دائمًا بمعدلات التضخم والتطورات الاقتصادية المختلفة سواءً ارتفاع أسعار المواد الخام أو ارتفاع مستوى المعيشة وبالتالي بجب النظر سنويًا في جدول الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة سنويًا على ضوء كل تلك المتغيرات
ونؤكد على ثقتنا أن الدولة والمشرع لا يألوا جهدًا في سبيل توفير كل سبل الرفاهية والراحة لمواطنيها بل والمقيمين على أرضها وهي الجهود والحمد لله التي يشهد بها القاصي والداني تحقيقًا لتوجيهات صاحب السمو أمير البلاد المفدى للوصول إلى رؤية الدولة 2030.
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
72
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
90
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
72
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- رئيــس مجموعة الإسلامية القطرية للتأمين
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3168
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2271
| 02 يونيو 2026