رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في صيف 2010 التحق بربه صديقي المناضل محمد مزالي رئيس حكومة تونس من 1980 إلى 1986 وصاحب الإنجازات السياسية والحضارية الباقية بعده مثل التعددية الحزبية وإطلاق سراح سجناء الرأي في وطنه تونس وعلى صعيد تعريب التعليم وتأصيل أجيال تونس وعلى مستوى دعم القيم الأولمبية الرياضية وتأسيس التلفزيون الوطني وبالطبع لم تكن مسيرة الرجل خالية من الأخطاء في التقدير وسوء اختيار أعضائه وعدم أخذ القرار الحازم في الوقت المناسب.
والحمد لله أني كنت من بين أصدقائه القلائل الذين لا ينافقونه لا في عهد الحكم ولا في المنفى المشترك الطويل بل إني في كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) الذي نشرته سنة 2004 في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله وفي حياة محمد مزالي لم أكتم نقدا جريئا سجلته في الكتاب وقرأه أول من أهديته إياه وهو محمد مزالي نفسه حين كنا في بقايا منفانا الباريسي ولم يلمني الصديق العزيز على ما جاء فيه رغم قسوتي على نفسي وعلى أخطاء عهده لأنه يعرف خالص مودتنا وطويل كفاحنا المشترك ومعدن صداقتنا الفكرية الطويلة من أجل وطننا ولأنه يدرك أننا كتيار عروبي تأصيلي داخل حزب الدستور لم ننجح في النجاة من المؤامرات والدسائس ولم نكن من المناورين. وأذكر أن مزالي كان يردد وهو في عز السلطة أو في قمتها أو في منفانا أنه (مثقف ضاع في متاهات السياسة!) وفي ذكرى وفاته هبت بعض الأقلام لإنصاف المناضل وتقييم بصماته ومن هؤلاء الصحفي محمد بوغلاب الذي كتب يقول:
"يذهب بعض المحللين والمتابعين عن قرب للشأن السياسي في تونس في آخر فترة من حكم بورقيبة إلى أن محمّد مزالي يعتبر من الذين حاولوا فتح الباب لحياة ديمقراطية تعددية وربط خيوط التواصل مع الإسلاميين وتفاوض معهم، ولكنه فشل في النهاية حتى في تأمين سلامته الشخصية، فقد انتهت قصته مع السلطة بهروبه خلسة إلى الجزائر يوم 3سبتمبر 1986، وفي شهر أفريل1987 صدر ضده حكم غيابي يقضي بسجنه خمسة عشر عاما ومصادرة أملاكه خاصة مسكنه بسكرة الذي أصبح ناديا للقضاة. أما مسكن ابنه (الحبيب) فأصبح ناديا للمحامين وتم إيقاف ابنه الأكبر المختار الذي كان مديرا عاما لشركة «ستيل» وصدر ضده حكم بعشر سنوات أشغالا شاقة قبل أن يتم الإفراج عنه في 31 ديسمبر 1987 دون أن يثبت عليه شيء مما اتهم به من سوء تصرّف.
انطلقت ماكينة الدعاية ضد مزالي لتهدم ما كان يفاخر به وهو نظافة اليد، لتتهمه بإفراغ خزائن البلاد وتهريبها إلى سويسرا ويبدو أن كثيرين من أبناء شعبنا الطيب المحب للمغامرين قد صدّقوا هذه الرواية.
الشهادة الثانية كتبها الصديق محمد المنصف المرزوقي في نفس أسبوع وفاة مزالي من باريس ويقول فيها حول علاقته الشخصية به:
في سنة 81 ومزالي هو الوزير الأول منذ سنة، جاءني الدكتور حمودة بن سلامة ـ وكان من نفس جيلي من الأطباء والديمقراطيين ـ قائلا سي محمد يدعوك هذه الليلة للعشاء في مطعم «المغربية» مع ثلة من المعارضين للحديث عن مستقبل الديمقراطية في بلادنا. ذهلت للدعوة وأذهلني أكثر تحمل الرجل طوال العشاء الذي ضم نخبة من المعارضين الديمقراطيين الشبان نقدي اللاذع للوضع الذي كنا نعتقده بسذاجة أسوأ وضع ممكن، وكم صدق من قال رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه.
تلك الدعوة لم تكن تمويها حيث لم يكن هناك تلفزيون أو إعلام رسمي وإنما نية صادقة في فتح الحوار مع الشبان والقوى الصاعدة التي تعبر عن التغييرات العميقة داخل المجتمع. ذلك لأنه وقع اجتماع ثان بمقر رئاسة الوزارة والرجل يستمع ويكتب في كنشه ويهز رأسه بالموافقة الضمنية على كل ما كنا نقول. نعم كان محمد مزالي صادقا في نيته الهادفة إلى تأهيل النظام البورقيبي لنمر من الأبوية الاستبدادية إلى دولة القانون والمؤسسات. كان هو ابن الحزب الواحد واعيا أن عهد الحزب الواحد ولّى وانتهى وأن مناعة تونس وتقدمها تكمن في مواكبة سير التاريخ والانفتاح على الأجيال الشابة والتجاوب مع طموحاتها بدل قمعها الغبي وتجاهلها الأخرق. يا إلهي كيف مررنا من حالة يستمع فيها رئيس وزراء لأشد المعارضين صراحة وصرامة ولا يغضب وحالة اليوم الذي تعطى فيها تعليمات لكي يضرب في الشوارع معارضون تجاوزوا الستين وتوضع الأصابع في مؤخراتهم حسب تقنيات الأوباش إمعانا في إذلالهم.
أن تجد سياسيا ومثقفا في الوقت نفسه أمرا نادرا جدا والقاعدة أن السياسيين يحتقرون المثقفين والمثقفون يحتقرون السياسيين. استهواني في الرجل جمعه بين ما لا يجمع وربما كان من أين ـ لا أدري ـ القدوة والنموذج. هكذا أسس الرجل اتحاد الكتاب التونسيين (الذي سيدخل بعده في احتضار طويل وهو اليوم جثة محنطة) وفتح باب مجلته «الفكر» لكل المبدعين لا يحابي على موقف عقائدي أو ولاء سياسي.
هذا السياسي المثقف كان من أكبر أنصار العربية في بلد فرض فيه بعض الأغبياء قاعدة أنه لا لحاق بركب التقدم إلا باعتماد لغة أجنبية. كان هو خريج السربون مؤمنا بأنه لا لحاق لركب التقدم إلا باعتماد كل شعب على لغته. لما زرته في مكتبه وهو وزير التعليم العالي في نهاية السبعينيات حاولت بسذاجة أن «أبيعه» فكرة تعريب الطب. ابتسم الرجل بأسى وفهمت أنني أحاول إقناع مقتنع لكن كل أوراق اللعبة لم تكن بيده. المهمّ أنه اكتفى بتوصية عميدة كلية الطب في سوسة آنذاك الدكتورة سعاد اليعقوبي أن «تضع يدها عليّ» وهكذا كان هو السبب في استلامي رئاسة قسم الطب الجماعي بكلية سوسة وإشرافي على تجربة الطب الجامعي في الأرياف والقرى الفقيرة، وهو يتابعها من بعيد ناصحا ومشجعا ومعطيا كل الإمكانات لنجاح تجربة كانت تونس مفاخرة بها ووضع لها نظام بن علي حدا سنة 1994 إثر سجني تلبدت السحب شيئا فشيئا والرجل يواجه بعداوات من مصادر متعددة وأهداف مختلفة إلى أن جاءت كارثة 1984 ووضعت على كاهله مسؤولية رفع ثمن الخبز وما انجرّ عنه من تمرد الشعب. بالطبع كان لابدّ من كبش فداء وهل ثمة أحد غيره وهو الذي كان يريد الديمقراطية والتعريب وتمكين الجيل الجديد".
هذه شهادة من رجلين صادقين لكني أعبر هنا عن أسفي لأن المرزوقي حين تحمل أمانة رئاسة الجمهورية بعد الثورة قام بتكريم عدد ممن خدموا الوطن بإخلاص مثل الملك سيدي المنصف باي والشهيد المغدور صالح بن يوسف والعجيب أنه لم يكرم محمد مزالي ورفاقه بعد أن ظلموا وتشردوا في أرض الله خمسة عشر عاما وبعد محنة المظالم الكيدية والمنافي التي عاشها معنا المرزوقي نفسه في باريس سنوات وأعتقد أنه هو ذاته يأسف لذلك وله أعذاره في زحمة القضايا المطروحة على البلاد.
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
255
| 18 سبتمبر 2026
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
264
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
183
| 04 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3327
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1245
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1092
| 06 أكتوبر 2026