رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي وطن من ؟ المحروسة وطن من ؟ هي لك ولي وللجميع , فيها ما يحتوينا ويبعث على اللقاء ويفجر الطاقات ويوقظ الخمود والترهل المتجذر فينا, فلم هذا الغياب للروح الجماعية ؟ ولم هذا الحضور للتشظي والانقسام والرغبة في المضي باتجاه الأوراق المبعثرة ؟.
هل شهوة السلطة التي يشترك فيها الكل سواء من يقيم بداخلها أو من يترقب القفز إلى داخل أسوارها ,هي المسؤولة عن تمدد حالة اللامبالاة والنظر فقط تحت الأقدام والركون إلى إثارة المخاوف مما هو قائم وفقدان الأمل في الزمن الآتي وأحيانا التجبر باسم السلطة أو التجبر باسم معارضتها .
ليس ثمة من هو بريء , الكل يشترك في مسؤولية إهدار قيمة الثورة وتآكل تجلياتها فغابت عن مفردات الواقع ودخلت منطقة الميتافيزيقا رغم أن الجميع يتحدث باسمها ويتبنى الدفاع عنها سواء بالحق أو بالباطل وبالطبع ثمة كثيرون امتطوا موجتها فباتوا من فرسانها رغم أنهم لا يمتلكون سوى القدرة على الصياح ورفع الشعارات وتسويق أنفسهم في فضائيات انطلقت بالأساس لمحو صورتها وفض بكارة بهائها .
كنا في حاجة إلى ثورة تقيلنا من عثراتنا ,تعيد البهجة التي غابت عن قسمات الوجوه ,والتوهج إلى الأرواح الباهتة , والدفء إلى نبض القلوب التي توحشت وقست من فرط القهر والكبت والجوع والتهميش والانزواء والازدراء ,وسطوة عصابة الحكم التي تمددت في كل الأنحاء ,فصار الوطن منجما والدولة أشبه بالعزبة الخاصة والشعب مجرد عبيد ينتظرون الإحسان .
كنا في حاجة إلى هذه الثورة فخرج شبابنا ثم ملايين من الشعب الصابر والمثابر والحالم والمسكون بالأشواق الكبرى إلى الحرية والعدالة والكرامة والعيش , بيد أن ما وقع فيما بعد أدخل الثورة في أفق الانقسام والتواري خلف الأهواء الفردية والحزبية والسياسية الضيقة للأسف مصحوبا ذلك بضبابية في المشهد وتخبط في الأداء مع متطلبات المرحلة الانتقالية , مما أدى إلى تراجع ونكوص فتلاشت أهداف الثورة الرئيسية وبقيت مرفوعة في الرؤوس ومآقي العيون وربما الجدران التي ما زالت محملة ببعض من شعاراتها وأحلامها وأشواقها.
غير أن ثمة أملا بدأ في فضاء المحروسة مع الدخول في مرحلة الانتخابات الرئاسية, والتي أحدثت انقساما هائلا لدى النخبة السياسية بكل توجهاتها وكاد الأمر يحسم لصالح الثورة المضادة لولا بقية من ضمير لدى اللجنة القضائية المشرفة عليها , فانحازت إلى الأرقام والوقائع الصحيحة وأنقذت الثورة من براثن العودة إلى محددات ورجالات النظام الذي أجبر على الرحيل.
منحتنا نتيجة الانتخابات أملا في أن الثورة بدأت التحرك في الاتجاه الصحيح ,بعد أن أفرزت رئيسا مدنيا منتخبا حاصلا على نسبة تزيد قليلا عن الخمسين في المائة وهو ما يعني أنه لم يكن ثمة تزوير أو تشويه أو سرقة لأصوات الناخبين مثلما كان يحدث في زمن مبارك.
لقد دخلنا عبر هذه الانتخابات التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية العالمية إلى خانة الكبار ديمقراطيا الذين يعلون من قيمة صندوق الاقتراع السري ويجعلونه معيارا وحيدا لاختيار من يرأس البلاد ويدير أحوال العباد وتلك واحدة من أهم نتائج ثورة الخامس والعشرين من يناير التي تنهي حقبا امتدت أكثر من أربعين عاما في التزوير والاختيار القائم على عكس إرادة الشعب .
ولكن المدهش أن ثمة تيارات عديدة تتعامل مع هذه الحقيقة بنوع من الغبن السياسي - إن جازلي القول - فأخذت تطلق سهامها عليها, تشوه مساراتها وتضفي عليها أنواعا من العتمة .بل وتتظاهر لإسقاطها من الواقع تحت حجة هيمنة تيار واحد على السلطة ,وهو ما لا ينسجم مع القبول بقواعد الديمقراطية التي توافقنا عليها جميعا بعد انبثاق ثورة 25يناير إطارا لاختياراتنا وخارطة طريق تحدد فضاءات العملية السياسية التي نسعى إلى إطلاقها, في وطن ظل مخاصما لها بل ومتعجرفا في تعامله معها.
إن الميزة النسبية التي تحققت بإجراء أول انتخابات رئاسية في المحروسة تتمثل في أنها جعلت الشعب هو صاحب القرار في اختيار رئيسه وفي التخلص منه في الآن ذاته , ووفق محددات صندوق الاقتراع السري ,وبالتالي ليس ثمة معضلة مما تطرحه بعد الدوائر الآن التي تواصل بث الفزاعة من جماعة "الإخوان المسلمون" بما يعيد إنتاج نفس الخطاب الذي كان يستخدمه نظام مبارك على نحو يسعى إلى محاولة الترسيخ في الأذهان أن عناصر وكوادر وقيادات هذه الجماعة هم بشر مرعبون وقادرون على التمدد في مفردات الدولة المصرية بهدف الاستحواذ على مقدراتها وتحديد مساراتها بما يتوافق مع توجهاتها, بينما هم في حقيقة الأمر أفراد عاديون من صنف المصريين وليسوا دخلاء عليهم ولهم توجهاتهم التي ينبغي احترامها ولهم مشروعهم في صياغة مسارات الواقع المصري غير أن ذلك لا يتعين أن يخيفنا من قدرات خارقة لديهم للهيمنة على مقدرات الوطن ومكونات الدولة لسبب يتعلق أولا بأن الشعب المصري يمتلك درجة من الوعي بما يمكنه من الفرز بين مشروع للنهوض يخدم الأمة أو يخدم أصحابه ثانيا هذا الشعب هو الذي اختار الرئيس الذي ينتمي إلى الجماعة ومن قبل اختار النواب الذين ينتمون إليها في الانتخابات البرلمانية التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية غير أن مجلس الشعب الذي أفرزته تعرض للإجهاض لأسباب تتصل بصراع الإرادات الذي كان قائما قبل قرارات الرئيس محمد مرسي بتغيير القيادة العسكرية التي كانت – شئنا أم أبينا – مهيمنة على المشهد والقرار في آن.
قد أتفهم مخاوف وهواجس بعض القوى مما يجري الآن في المحروسة , بيد أن الأمر لا يصل إلى حد الخوف على الأمة من تعرضها لمحاولة الاستحواذ أو الهيمنة من قبل جماعة الإخوان المسلمون فهذا من الصعوبة بمكان لأن التدين متجذر في تكوين الشعب المصري والذي يمتلك في الوقت نفسه القدرة على امتصاص أي أفكار أو أيديولوجيات وتجييرها لصالحه ولا يسمح لها مهما كانت بالتجبر وامتلاك السطوة عليه وأظن أن سلوك المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة ,هو الذي فرض على جماعة الإخوان المسلمين البقاء في منطقة الوسطية والاعتدال من حيث الخطاب الديني وهو ما ميزها عن الجماعات التي ربما انبثقت عنها في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت ,ودفعها إلى الدخول في دائرة العمل المجتمعي ومقاربة أحوال الناس والإسهام في تخفيف معضلاتهم اليومية على نحو وسع من مصداقيتهم, بينما القوى الأخرى بما فيها اليسار بأشكاله المختلفة والليبراليون بمختلف اتجاهاتهم ,ظلوا قابعين في مكاتبهم بالعاصمة ويثرثرون عبر وسائط الإعلام دون أن تكون لهم مقاربات واقعية تتماس مع مشاكل الناس.
ومع ذلك لا أتورع - وقد قلت ذلك مبكرا عندما رحبت بصعود الإسلام السياسي إلى صدارة المشهد في المحروسة ليس من منطلق أيديولوجى فأنا أنتمي لفكر ثورة الثالث والعشرين من يوليو وإن كنت لا أرتبط تنظيميا بأي حزب يعبر عنها - عن مطالبة الرئيس مرسي بفك ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين على الصعيد التنظيمي بما لا يجعلها - على أي مستوى فيها سواء مكتب الإرشاد أو مجلس الشورى - مرجعية لقراراته وتوجهاته , وعليه أن يعلن في خطاب عام للأمة ذلك ,وفي الوقت نفسه فإن قيادات الجماعة وذراعها السياسية: حزب الحرية والعدالة مطالبون بأن ينأوا بأنفسهم عن الرئيس خاصة أن ثمة من يزعم في جلساته الخاصة أنه قريب منه ويستمع إليه بل ويأخذ بنصيحته وهنا أنصح بوجه خاص بضرورة النأي بشخصية الرجل الذي يوصف بأنه القوي في الجماعة - المهندس خيرت الشاطر عن أي ارتباط بمؤسسة الرئاسة - خاصة أن مرسي انتهى قبل أيام من تشكيل فريقه الرئاسي المعاون وهيئة المستشارين ومن ثم فهو ليس في حاجة إلى نصائح ومقاربات من داخل الجماعة التي قد تضر دون أن تفيد.
وأظنه – أي الرئيس – لم يعد في حاجة إلى أحد من داخل الجماعة أو غيرها فهو لديه من يعضده بالرؤية والاستشارة والتي أتمنى أن تكون صادقة وبعيدة عن الهوى والأجندات الخاصة
السطر الأخير:
أنتمي إليك
يسكنني بهاؤك
في عينيك أقيم حقول عشقي
أيا صانعة شعري
أتمدد بسواحلك
تمنحينني صيرورة الكتابة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4677
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2616
| 08 سبتمبر 2026