رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي وطن من ؟ المحروسة وطن من ؟ هي لك ولي وللجميع , فيها ما يحتوينا ويبعث على اللقاء ويفجر الطاقات ويوقظ الخمود والترهل المتجذر فينا, فلم هذا الغياب للروح الجماعية ؟ ولم هذا الحضور للتشظي والانقسام والرغبة في المضي باتجاه الأوراق المبعثرة ؟.
هل شهوة السلطة التي يشترك فيها الكل سواء من يقيم بداخلها أو من يترقب القفز إلى داخل أسوارها ,هي المسؤولة عن تمدد حالة اللامبالاة والنظر فقط تحت الأقدام والركون إلى إثارة المخاوف مما هو قائم وفقدان الأمل في الزمن الآتي وأحيانا التجبر باسم السلطة أو التجبر باسم معارضتها .
ليس ثمة من هو بريء , الكل يشترك في مسؤولية إهدار قيمة الثورة وتآكل تجلياتها فغابت عن مفردات الواقع ودخلت منطقة الميتافيزيقا رغم أن الجميع يتحدث باسمها ويتبنى الدفاع عنها سواء بالحق أو بالباطل وبالطبع ثمة كثيرون امتطوا موجتها فباتوا من فرسانها رغم أنهم لا يمتلكون سوى القدرة على الصياح ورفع الشعارات وتسويق أنفسهم في فضائيات انطلقت بالأساس لمحو صورتها وفض بكارة بهائها .
كنا في حاجة إلى ثورة تقيلنا من عثراتنا ,تعيد البهجة التي غابت عن قسمات الوجوه ,والتوهج إلى الأرواح الباهتة , والدفء إلى نبض القلوب التي توحشت وقست من فرط القهر والكبت والجوع والتهميش والانزواء والازدراء ,وسطوة عصابة الحكم التي تمددت في كل الأنحاء ,فصار الوطن منجما والدولة أشبه بالعزبة الخاصة والشعب مجرد عبيد ينتظرون الإحسان .
كنا في حاجة إلى هذه الثورة فخرج شبابنا ثم ملايين من الشعب الصابر والمثابر والحالم والمسكون بالأشواق الكبرى إلى الحرية والعدالة والكرامة والعيش , بيد أن ما وقع فيما بعد أدخل الثورة في أفق الانقسام والتواري خلف الأهواء الفردية والحزبية والسياسية الضيقة للأسف مصحوبا ذلك بضبابية في المشهد وتخبط في الأداء مع متطلبات المرحلة الانتقالية , مما أدى إلى تراجع ونكوص فتلاشت أهداف الثورة الرئيسية وبقيت مرفوعة في الرؤوس ومآقي العيون وربما الجدران التي ما زالت محملة ببعض من شعاراتها وأحلامها وأشواقها.
غير أن ثمة أملا بدأ في فضاء المحروسة مع الدخول في مرحلة الانتخابات الرئاسية, والتي أحدثت انقساما هائلا لدى النخبة السياسية بكل توجهاتها وكاد الأمر يحسم لصالح الثورة المضادة لولا بقية من ضمير لدى اللجنة القضائية المشرفة عليها , فانحازت إلى الأرقام والوقائع الصحيحة وأنقذت الثورة من براثن العودة إلى محددات ورجالات النظام الذي أجبر على الرحيل.
منحتنا نتيجة الانتخابات أملا في أن الثورة بدأت التحرك في الاتجاه الصحيح ,بعد أن أفرزت رئيسا مدنيا منتخبا حاصلا على نسبة تزيد قليلا عن الخمسين في المائة وهو ما يعني أنه لم يكن ثمة تزوير أو تشويه أو سرقة لأصوات الناخبين مثلما كان يحدث في زمن مبارك.
لقد دخلنا عبر هذه الانتخابات التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية العالمية إلى خانة الكبار ديمقراطيا الذين يعلون من قيمة صندوق الاقتراع السري ويجعلونه معيارا وحيدا لاختيار من يرأس البلاد ويدير أحوال العباد وتلك واحدة من أهم نتائج ثورة الخامس والعشرين من يناير التي تنهي حقبا امتدت أكثر من أربعين عاما في التزوير والاختيار القائم على عكس إرادة الشعب .
ولكن المدهش أن ثمة تيارات عديدة تتعامل مع هذه الحقيقة بنوع من الغبن السياسي - إن جازلي القول - فأخذت تطلق سهامها عليها, تشوه مساراتها وتضفي عليها أنواعا من العتمة .بل وتتظاهر لإسقاطها من الواقع تحت حجة هيمنة تيار واحد على السلطة ,وهو ما لا ينسجم مع القبول بقواعد الديمقراطية التي توافقنا عليها جميعا بعد انبثاق ثورة 25يناير إطارا لاختياراتنا وخارطة طريق تحدد فضاءات العملية السياسية التي نسعى إلى إطلاقها, في وطن ظل مخاصما لها بل ومتعجرفا في تعامله معها.
إن الميزة النسبية التي تحققت بإجراء أول انتخابات رئاسية في المحروسة تتمثل في أنها جعلت الشعب هو صاحب القرار في اختيار رئيسه وفي التخلص منه في الآن ذاته , ووفق محددات صندوق الاقتراع السري ,وبالتالي ليس ثمة معضلة مما تطرحه بعد الدوائر الآن التي تواصل بث الفزاعة من جماعة "الإخوان المسلمون" بما يعيد إنتاج نفس الخطاب الذي كان يستخدمه نظام مبارك على نحو يسعى إلى محاولة الترسيخ في الأذهان أن عناصر وكوادر وقيادات هذه الجماعة هم بشر مرعبون وقادرون على التمدد في مفردات الدولة المصرية بهدف الاستحواذ على مقدراتها وتحديد مساراتها بما يتوافق مع توجهاتها, بينما هم في حقيقة الأمر أفراد عاديون من صنف المصريين وليسوا دخلاء عليهم ولهم توجهاتهم التي ينبغي احترامها ولهم مشروعهم في صياغة مسارات الواقع المصري غير أن ذلك لا يتعين أن يخيفنا من قدرات خارقة لديهم للهيمنة على مقدرات الوطن ومكونات الدولة لسبب يتعلق أولا بأن الشعب المصري يمتلك درجة من الوعي بما يمكنه من الفرز بين مشروع للنهوض يخدم الأمة أو يخدم أصحابه ثانيا هذا الشعب هو الذي اختار الرئيس الذي ينتمي إلى الجماعة ومن قبل اختار النواب الذين ينتمون إليها في الانتخابات البرلمانية التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية غير أن مجلس الشعب الذي أفرزته تعرض للإجهاض لأسباب تتصل بصراع الإرادات الذي كان قائما قبل قرارات الرئيس محمد مرسي بتغيير القيادة العسكرية التي كانت – شئنا أم أبينا – مهيمنة على المشهد والقرار في آن.
قد أتفهم مخاوف وهواجس بعض القوى مما يجري الآن في المحروسة , بيد أن الأمر لا يصل إلى حد الخوف على الأمة من تعرضها لمحاولة الاستحواذ أو الهيمنة من قبل جماعة الإخوان المسلمون فهذا من الصعوبة بمكان لأن التدين متجذر في تكوين الشعب المصري والذي يمتلك في الوقت نفسه القدرة على امتصاص أي أفكار أو أيديولوجيات وتجييرها لصالحه ولا يسمح لها مهما كانت بالتجبر وامتلاك السطوة عليه وأظن أن سلوك المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة ,هو الذي فرض على جماعة الإخوان المسلمين البقاء في منطقة الوسطية والاعتدال من حيث الخطاب الديني وهو ما ميزها عن الجماعات التي ربما انبثقت عنها في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت ,ودفعها إلى الدخول في دائرة العمل المجتمعي ومقاربة أحوال الناس والإسهام في تخفيف معضلاتهم اليومية على نحو وسع من مصداقيتهم, بينما القوى الأخرى بما فيها اليسار بأشكاله المختلفة والليبراليون بمختلف اتجاهاتهم ,ظلوا قابعين في مكاتبهم بالعاصمة ويثرثرون عبر وسائط الإعلام دون أن تكون لهم مقاربات واقعية تتماس مع مشاكل الناس.
ومع ذلك لا أتورع - وقد قلت ذلك مبكرا عندما رحبت بصعود الإسلام السياسي إلى صدارة المشهد في المحروسة ليس من منطلق أيديولوجى فأنا أنتمي لفكر ثورة الثالث والعشرين من يوليو وإن كنت لا أرتبط تنظيميا بأي حزب يعبر عنها - عن مطالبة الرئيس مرسي بفك ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين على الصعيد التنظيمي بما لا يجعلها - على أي مستوى فيها سواء مكتب الإرشاد أو مجلس الشورى - مرجعية لقراراته وتوجهاته , وعليه أن يعلن في خطاب عام للأمة ذلك ,وفي الوقت نفسه فإن قيادات الجماعة وذراعها السياسية: حزب الحرية والعدالة مطالبون بأن ينأوا بأنفسهم عن الرئيس خاصة أن ثمة من يزعم في جلساته الخاصة أنه قريب منه ويستمع إليه بل ويأخذ بنصيحته وهنا أنصح بوجه خاص بضرورة النأي بشخصية الرجل الذي يوصف بأنه القوي في الجماعة - المهندس خيرت الشاطر عن أي ارتباط بمؤسسة الرئاسة - خاصة أن مرسي انتهى قبل أيام من تشكيل فريقه الرئاسي المعاون وهيئة المستشارين ومن ثم فهو ليس في حاجة إلى نصائح ومقاربات من داخل الجماعة التي قد تضر دون أن تفيد.
وأظنه – أي الرئيس – لم يعد في حاجة إلى أحد من داخل الجماعة أو غيرها فهو لديه من يعضده بالرؤية والاستشارة والتي أتمنى أن تكون صادقة وبعيدة عن الهوى والأجندات الخاصة
السطر الأخير:
أنتمي إليك
يسكنني بهاؤك
في عينيك أقيم حقول عشقي
أيا صانعة شعري
أتمدد بسواحلك
تمنحينني صيرورة الكتابة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
14586
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3897
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026