رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حماد الزعبي

مخرج سينمائي

مساحة إعلانية

مقالات

108

حماد الزعبي

حين يصبح الاحتفال «حكاية هوية»

02 يناير 2026 , 12:45ص

في مهرجان الدوحة للموسيقى والمشاة (Qatar Tattoo)، لم يكن المشهد عرضًا عسكريًا– موسيقيًا فحسب، بل حكاية تُروى، تعرف كيف تربط الإيقاع بالذاكرة، والخطوة بالوتر، والاصطفاف بالمعنى. 

ولعل الميزة الأهم في هذه التجربة أنها لم تتعامل مع الاحتفال بوصفه استعراضًا، بل بوصفه سردًا بصريًا موسيقيًا له روح، يعرف ما يريد قوله وكيف يقوله.

ما يستوقف هنا ليس “الكم” ولا “الضخامة”، بل ذكاء الصياغة، فالربابة لم تُستدعَ كعنصر تراثي للزينة، بل كجسر. الوتر لم يكن نغمة فقط، بل سلسلة زمنية تمتد من الجد إلى الحفيد. حوار رمزي هادئ، بلا خطاب مباشر ولا وعظ، لكنه نافذ بما يكفي لطرح سؤال الهوية كما يجب أن يُطرح: كيف تنتقل القيم؟ وكيف يُعاد تقديم التراث دون أن يتحول إلى متحف؟.

في هذا السياق، لم يكن حضور عبدالله غيفان تفصيلاً عابرًا أو إضافة شكلية، وهنا تتكشّف الطبقة الأعمق للاختيار، إذ لا نتحدث عن فنان طارئ، بل عن ذاكرة فنية تشكّلت منذ عام 1976 على خشبة المسرح في مسرحية «من فوق هالله هالله»، ثم في بداياته التلفزيونية عام 1979 عبر مسلسل «عيد وسعيد»، وصولًا إلى مشاركته في أول فيلم قطري روائي طويل «عقارب الساعة» بدور ملك الجان. أكثر من 35 عملًا تلفزيونيًا، وحضور مسرحي كثيف، ومشاركات في مهرجانات خليجية وعربية من القاهرة إلى تونس والمغرب وعمّان ودمشق، وهو مسار لا يعني مجرد سيرة، بل تراكم ثقة ممتدة. ولمن يعرف مسيرته، يدرك أن هذا الحضور لم يُصنع بالمصادفة، ففي أعماله التلفزيونية التي علقت في الذاكرة، وفي المسرحيات التي خاطبت الناس بلغتهم اليومية دون ابتذال، كان غيفان دائمًا ممثلًا لفكرة الإنسان القريب، لا الشخصية المتعالية. أدواره- سواء في الأعمال الشعبية أو الكوميدية الاجتماعية-لم تعتمد على الصراخ ولا على الكاريكاتير، بل على التقاط التفاصيل الصغيرة: نبرة الصوت، التوقيت، والإيماءة الصادقة. وحتى حين جسّد شخصيات خارجة عن المألوف، كما في «عقارب الساعة»، حافظ على خيط إنساني يجعل المتلقي يصدّق الخيال ولا ينفصل عنه.

ومن يتتبع أعماله الإذاعية، يفهم لماذا اكتسب ثقة المستمع قبل المشاهد. صوته لم يكن أداة أداء فحسب، بل وسيلة لبناء علاقة. لذلك، حين حضر صوته في هذا الاحتفال، بدا الأمر امتدادًا طبيعيًا لمسيرة طويلة من الإصغاء للناس، لا استعراضًا لاسم أو تاريخ.

اختيار فنان بهذا الوزن في لحظة احتفالية كهذه ليس قرارًا جماليًا فقط، بل قرار ثقافي وأخلاقي. فالدولة، حين تختار فنانها، تختار لغتها. تختار من يتحدث باسمها إلى الخارج، ومن يطمئن الداخل بأن ما يُقدَّم ليس قطيعة مع الماضي ولا اجترارًا له، بل امتداد واعٍ. هنا يصبح الفنان-حين يكون واعيًا لدوره- ضامنًا للمعنى، لا ناقلًا للصوت فقط.

هذا المقال ليس نقدًا تقنيًا ولا تحليلًا موسيقيًا، هو فرح مُعلن بأن نرى احتفالًا يثق بعقل جمهوره، ويمنح التراث مكانه الطبيعي داخل سرد حديث، ويؤكد أن الهوية ليست شعارًا يُرفع، بل حكاية تُروى بحساسية.

وحين تلتقي الربابة بالمسير، والجد بالحفيد، والفنان بالرسالة—نعرف أننا أمام عمل يعرف ماذا يريد أن يقول… ويعرف كيف يقوله. هكذا تكون الاحتفالات التي تعيش طويلًا.

 

اقرأ المزيد

alsharq جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل

أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد

57

| 02 يناير 2026

alsharq صوتي في جيب المعطف

لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد

60

| 02 يناير 2026

alsharq في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟

أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد

24

| 02 يناير 2026

مساحة إعلانية