رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

876

مها الغيث

عفة القلب.. مريم العذراء

02 يناير 2025 , 02:00ص

وكأن هالة البتول أحاطت بالمكان والزمان عبر أسرار مُنحت لقلب، فلم يُسرّها! وإن من الفتوحات الربانية لا تحظى بها إلا المرأة حين يتكشّف لقلبها قبس من نور، فتُحدّث عن المرأة في أجلّ معنى للعفة والطُهر والزهد والانقطاع عما سوى الله. فتستلهم الروائية التركية (نورية تشالاغان) من قصة السيدة مريم ابنة عمران، أم المسيح عليهما السلام، معنى فناء القلب حباً في ملكوت الله، مقابل الألم الذي يتكبّده من اختصهم الله بنفحات من لدنه، في مواجهة قومهم الذين لا يعلمون.

ففي رواية (عفة القلب: مريم العذراء) الصادرة عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، يأتي وصف (عفة القلب) في ثلاث كلمات رفيعة، تنطق الأولى أم مريم، وتنطق الثانية خالتها، وتنطق الثالثة مريم كمسك ختامها، ويتدفق عن كل كلمة سيل من درّ. هي: الفصل الأول: كلام حنة ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. الفصل الثاني: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. الفصل الثالث: كلام مريم ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.

فعندما كانت حنة تقضي وقتها في قراءة التوراة والزبور في بيت المقدس وفي معبد جدها سليمان، فكّرت في اسم الطفل الذي تحمله «كان يجب أن يحمل اسمه معنى العبادة. وقع اسمه في قلبي قبل ذاته. حملت هذا الاسم داخلي لسنوات. هديتي التي سوف أقدمها إليه: كثير العبادة.. مريم». لم يسلم الزوجان من الأقاويل، عن عمريهما وعن الأمر الغريب الذي يحوط بالحمل «وهل هذا ممكن؟ إنه سيدنا المسيح الذي سوف يأتي قريباً.. نعم هو! ممن يمكن أن يكون غير حنّة وعمران؟ سوف يولد المسيح من امرأة عذراء».

ولدى مريم، يُصبح بيت المقدس كحضن أمها، وتملأ قلبها طمأنينة وحماسا كبيرا لأن تكون مع الله «العبادة تعني: (يا الله أنا أحبك) تعني أن أخبره بحبي إياه، ففي أي حال يعبد العبد خالقه بقدر حبه إياه». إن كل مخلوقات الله عباد له في تعاقب الليل والنهار، فعندما تنسحب الشمس، يترك العابدون نهاراً مكانهم للعابدين ليلاً.. أما القدس، فتختلف «حينما يقفل الليل بابه على النهار، تغدو القدس باباً مفتوحاً على العرش». وحين يحلّ المساء بأسراره على مريم العابدة، ويقفل عليها النبي زكريا الأبواب السبعة واحداً واحداً، تنعكس أسرارها في داخلها بشكل مختلف «أمرني ربي أن أسجد كثيراً. هذه الأعضاء السبعة هي: اليدان، القدمان، الركبتان، والجبهة. حينما تلتقي هذه الأعضاء في السجدة يستيقظ العضو الثامن، وهو القلب، بالخشوع والتذلل، ويصل إلى الذات الإلهية. كأن كل باب عضو مني. كنت أغلقها عن الدنيا واحداً تلو الآخر. كنت أقطع اتصالها بالدنيا كل مساء». أما عن (عفة القلب)، فإن القلب غير محلل لغير الله، وأي شيء يدخل القلب سوى الله يزيل عفته! تشرح مريم لخالتها هذا المعنى «يا خالتي تتشكّل عفة القلب عندما تصل عفة بقية المشاعر إلى نقطة الكمال. القلب هو ملك الله. حينما يبلغ القلب العفة، يسير نحو الله». ثم تذكر مريم النبي إبراهيم حين بشّره الله بطفل وهو وزوجه عجوزان، وقد كانت تأكل من الرطب، طعام الجنة «الحقيقة أن الجنة هي الإحساس بالله، والمكان الذي يوجد الإنسان فيه هو جنة بقدر إحساسه بالله».

يحمل عيسى التواضع كصفة أسمى لانتفاء الطرف الأبوي فيه «كان عيسى متواضعاً جداً، قريباً من الله بقدر بعده عن التكبر. كان التواضع هو الصفة الأسمى في عيسى. كان سره في أمه. المرأة متواضعة، ولا سيما إذا كانت أماً، فإنّها تذلّ قلبها لأجل طفلها». ثم يُرسل الله عيسى نبياً لبني إسرائيل، هكذا ينبئه جبريل.. معلّم كل نبي «(علمني جبريل الحكمة والتوراة والإنجيل)، وفي لحظة واحدة، علمه جبريل علوماً قد يستغرق تعلمها عصوراً». إن الخوف يتأتى من التقوى، وليس الرجاء سوى العمل الصالح.. فيسوي عيسى الأرض للنبي الذي بشّر به «أضاء يحيى وعيسى هذه المرحلة المعقدة بالخوف والرجاء، وأحاطاها بالجلال والجمال. كأنهما فتحة أرضية لنبي المستقبل المحاط بالجلال والجمال». وبعد رفعه، تسترجع مريم ما كان بين عيسى وحواريه عندما كانوا يتحدثون، فيسألونه عن ثمة أمّة ستأتي بعدهم؟! فيبشرّهم بأحمد «لقد انتهت النبوة في بني إسرائيل، بعد ذلك سوف يأتي خاتم الأنبياء، العربي الأمي أحمد. هو ابن إبراهيم عليه السلام، من نسل إسماعيل» وتشهد مريم «عيساي هو بشرى آخر الأنبياء». وعن البشرى، تترقّب مريم قدوم من بشّر به ابنها «الوقت مساء، عمري يذوب في مسائه. أملي في بشرى عيساي. سيأتي ما بشّر به. لن تنصلح القدس أو يشرق حظها قبل وقوع أنفاسه عليها». إنه المساء، وكل الكائنات إلى السجود «وفي السجود الكون اجتمع» إنه المساء.. وقت خلق عيسى، وموت الروح الخائنة، وتحليق النور إلى السماء.. إنه المساء ومريم تنتظر سطوع نور المستقبل «إنه قادم.. الوقت مساء.. بشرى عيساي في أذني: لأذهب أنا وليأتي هو.. فارقليط قادم، أحيّد قادم».

مساحة إعلانية